روي أندرسون‎: تأمل الوجود معي وأنت حيُ!

روي أندرسون‎: تأمل الوجود معي وأنت حيُ!
ليس ممكناً اختصار تجربة المخرج السويدي روي أندرسون بثلاثية الوجود للقول كما عودنا النقد على اعتباره خليفة انغمار بيرغمان، فليس هناك مايجمعهما – فنيا وأسلوبيا - حتى لكأن أندرسون بأفلامه قد جاء ليكسر حدة الميراث البيرغماني – الاسكندنافي - الطويل تحت راية سينمائية خفاقة ومختلفة.

ليس ممكنا اختصار تجربة المخرج السويدي روي أندرسون بثلاثية الوجود للقول كما عودنا النقد على اعتباره خليفة انغمار بيرغمان، فليس هناك مايجمعهما – فنيا وأسلوبيا - حتى لكأن أندرسون بأفلامه قد جاء ليكسر حدة الميراث البيرغماني – الاسكندنافي - الطويل تحت راية سينمائية خفاقة ومختلفة. روي أندرسون الذي تخلف عن صناعة الأفلام حتى بدا مقلا تماما صار يدرك أن السينما بعد فيلم ( حمامة تقف على غصن وتتأمل الوجود ) 2014 ليست كما هي قبله. أقله بالنسبة اليه كصانع أفلام جاء ليكشف عن تآكل هذا الوجود واندحاره أمام عنف الماديات التي تنهشه دون رحمة. من الصعب قراءة تجربة روي أندرسون بعيدا عن الغطاء التشكيلي والفوتوغرافي الذي يتقن الافادة منه في صنع اللقطة الطويلة التي لاتعترف بالقطع والتركيب، وهو هنا يبدي حذقا فريدا من نوعه في صناعة لقطات فيلمه، اذ يعتمد على نمو الفعل وتطوره من داخل المشهد. ماالذي يقدمه الفيلم الأخير في الثلاثية للمشاهد الذكي ان هو انساق تلقائيا لمعاينته وانتزاع كل لقطة على حدة من سياقه: يبدأ الفيلم بوقوف ذلك الرجل السمين أمام واجهة زجاجية في متحف للعلوم الطبيعية ليراقب أو ليعاين حمامتين على غصن مع لحن جنائزي سيتردد صداه كثيرا في الفيلم، وهو سيمهد لالتفافات أكبر على شذرات من الحياة الانسانية تتدافع في أنساق صارمة لتنعي كل هذا الخواء الذي يعيشه أبطال الفيلم  في لقطات صادمة ففي اللقاءات الثلاث الأولى مع الموت سنقف على مشاهد تالفة لرجل يحاول فتح زجاجة نبيذ فيما زوجته تبدو منشغلة في المطبخ وحين يصاب بأزمة قلبية ينهار بصمت دون أن تشعر به. في اللقاء الثاني تتكثف لحظة الموت وتصبح أشد قسوة. هاهنا لايمكن المرء المهان أن يفلت من مصير لئيم ومترد كما يليق به حين يتحول الى حشرة مع سبق الاصرار والترصد حتى يجتمع شقيقان على سرير الأم في المشفى في وداعها النهائي حين يدخل الشقيق الثالث ليغير من ايقاع هذا الوداع بمباركة منهما، فهو يحاول انتزاع حقيبتها منها ليحظى بساعة والده الذهبية وأزرار الأكمام، كأنما روي أندرسون هنا يصدم المشاهد بالطريقة الدوستويفسكية في صناعة الأدب وتركيب الجمل والمفردات التي تميز رواياته عن سواه. منازعة الأم على الحقيبة وتشبثها بها قبل لحظات الفراق النهائية تشبه – تشكيليا – اعادة تركيب الموت بأعلى درجات العبث الانساني واستيلائه على طاقات ذهنية متخفية في هذا الكائن المعقد لايمكن التفلت منها في لحظات صوغها. في اللقاء الثالث يشير أندرسون الى خواء أكبر حين يتجمع رهط من الناس في حانة مصممة هندسيا لتتفارق الأرواح وتتلاغى ان جاز التعبير على جثة رجل مات للتو. ليس هناك من فائدة لاستدعاء طائرة الهليوكبتر، لكن العطب الذي أصاب الانسان المعاصر في مشاعره وعواطفه لايمكن غفرانه أو تجاهله، ففي لحظة فارقة تعلن النادلة أن الرجل الميت قد دفع ثمن طلبه ( الجعة والسندويتش ) وهي لاتعرف ماذا ستفعل به حتى يحسم رجل الشرطة الأمر بقوله إنه يمكن أحد الواقفين تناول الطلب، ويتقدم رجل ممتلئ ليأخذ كأس الجعة ويمضي متثاقلا الى مكانه. حتى اللحظة يبدو ممكنا اعادة السؤال نفسه الى المربع الأول: ولكن ماالذي يريد أن يقوله الفيلم عن كل هذه الأرواح المعذبة التي تظهر فيه وتغشى أمام قسوة العالم الذي تنمو فيه بلؤم وقسوة. في الواقع يبدو استلهام روي أندرسون واقعة الحمامة التي تتأمل الوجود من لوحة الفنان الهولندي بيتر بروغل ( صيادون في الثلج ) مسألة بغاية الأهمية لأن تأمل الوجود من الأعلى قد سبق هذه الكائنات الأرضية التائهة التي صارت تفتقد الى مغزى وجودها. الحمامات في اللوحة تراقب من أعلى، ومن زوايا مختلفة، حتى يبدو معها الأمر سينمائيا تماما. في الفيلم ستتقدم فتاة بدينة لتقرأ قصيدة بحضور أقرانها عن الحمامة التي ستتأمل الوجود لكنها لن تقوم بفعل ذلك لأنها لاتملك النقود. تنتهي القصيدة بأسئلة المعلم عنها. لاتقوم الفتاة بالقاء القصيدة. تكتفي بالاجابة على أسئلة المعلم وكأن العالم يتنقل في أسئلته على درجات من القماءة العقلية والخواء ويترك للمشاهد أن يركز بعينيه الحادتين على تفاصيل المشهد الثابت اذ لاتتولى الكاميرا هذه المهمة أبدا، تماما كما في اللوحة الشهيرة.

في الواقع يبدو استلهام روي أندرسون واقعة الحمامة التي تتأمل الوجود من لوحة الفنان الهولندي بيتر بروغل ( صيادون في الثلج ) مسألة بغاية الأهمية لأن تأمل الوجود من الأعلى قد سبق هذه الكائنات الأرضية التائهة التي صارت تفتقد الى مغزى وجودها. الحمامات في اللوحة تراقب من أعلى، ومن زوايا مختلفة، حتى يبدو معها الأمر سينمائيا تماما. في الفيلم ستتقدم فتاة بدينة لتقرأ قصيدة بحضور أقرانها عن الحمامة التي ستتأمل الوجود لكنها لن تقوم بفعل ذلك لأنها لاتملك النقود. تنتهي القصيدة بأسئلة المعلم عنها. لاتقوم الفتاة "


يهتم روي أندرسون بابراز العظام البيضاء في وجوه ممثليه. تكمن السعادة في هذه التفاصيل وكأن المخرج يقودنا الى موضوعاته البشرية المعلقة بفضول أنثروبولوجي معلق في فضاءات قاسية: الخيط الدرامي الذي يبدو واهيا للوهلة الأولى بين هذه الموضوعات يتعمق رويدا رويدا بحضور البائعين المتجولين (هولغر أندرسون ونيلز ويستبلوم) اللذين يروجان لبضاعة كاسدة ويعانيان الأمرين مع الشركة التي تمدهما بها، ومع الأشخاص الذين يشترون منهما. ولكن ماهي هذه البضاعة التي ستتولى اسعاد هؤلاء الأشقياء والتي يقضيان الوقت وهما يجوبان بها الأمكنة: انها قناع " العم ذو السن الواحدة " والدمية التي تصدر صوتا واحدا مضحكا. أو بعبارات أخرى ايقاع الخواء الذي يعد هؤلاء المخلوقات بسعادة لاتتحقق الى بتأمل الفراغ المحيط بهم برتابة وانسحاق آليين. سيكون ممضا وثقيلا أن تزعم هذه الشخصيات الواحدة تلو الأخرى في اتصالات هاتفية مفرغة من أي محتوى انساني الادعاء بوجود سعادة ليست متحققة في الواقع، أو هي في طريقها للنضوب، كما في كل شخصية مجهولة تعبر في الفيلم وترثي للوجود بعبارات جوفاء مصممة لتقال فيه فقط. البائعان المجهولان اللذين يروجان لبضاعتهما التافهة بقولهما :" نحن نريد أن نساعد الناس على قضاء أوقات ممتعة " يحرفان شعارهما الحياتي نحو مصائر أقل نزاهة وتعلقا بجدوى الوجود الانساني المتمثل في كل فرد. يتحول كل شيء الى حزن وكآبة وشقاء مع كل عرض آلي يقدمانه وهما يجوبان الشوارع  والأزمنة. هل هي الكوميديا التي لاتشفع لهما وتكون مهمتها مطاردة اليأس، وكأن شعار الحمامات في اللوحة - الأم  يتجلى في مراقبة السكون في محاولة استعادة حركة التاريخ الطبيعي للبشر، فحين يدخلان الى المقهى المجهول، الغامض، الذي يقع على حافة الكون بالنسبة لهما ويقولان أمام الملأ أنهما ضائعين سيضعنا روي أندرسون وجها لوجه أمام محاولة مذهلة لاستعادة هذا السكون بدخول الملك السويدي تشارلز الثاني عشر (فيكتور جيلنبرغ) الذي يقود جيشه لمحاربة الروس، وكأن السويد ماتزال تعيش في ذلك السكون، وان مايحدث ليس أكثر من تعليل له، فالملك لايتوانى عن ابداء الاعجاب بفتى الحانة ويطلب من أعوانه نقله الى خيمته بعد أن يقوموا بطرد جميع النساء من الحانة والتعريض بحياة رجل يقعي الى جانب آلة فليبرز. في العودة من المعركة الخاسرة تبدو هذه الحركة الساكنة في التاريخ مقلوبة رأسا على عقب، فقد هزم جيش الملك بسبب قلة الأحصنة وسقوط المطر مع أن الجميع غير متأكد من ذلك. السويد تقتات من أمراضها القديمة وتحيا ويكون على الملك في طريق العودة انتظار دوره للدخول الى التواليت في مشهد ساخر مهمته التذكير بهذه الأمراض التي لاتشفى منها الروح السويدية لأنها يجب أن تظل تقاتل حتى عبر تمجيد الخواء باستكانة فظيعة لنهج الاستعادة الرهيب.


بعد ذلك سيعيد روي أندرسون كل شيء الى المربع الأول في معاينته لآلام هذه الاستعادة في تجربة ال " هومو سابينز " الذي يتعرض للصدمات الكهربائية فيما تتحدث المرأة المسؤولة بالتجربة بالهاتف وتستطرد بالحديث عن سعادة مشلولة في الواقع ، وفي اقتياد البريطانيين مجموعات من الأفارقة الى فرن عملاق للتذكير بمحرقة أكبر تعيش على الدوام في الذاكرة الأوروبية الحديث اذ سرعان ماتنكشف الستارة المقابلة عن أخيلة الفرن العملاق ليظهر في المقابل مجموعة من الاوروبيين يقومون باحتساء النبيذ على هذا المشهد الذي يرفض سكون التاريخ حين يقوم باستدعاء كل هذا الألم في مشهد طويل من لقطة واحدة.


هذا السكون مدين في الواقع للحمامة التي تقف على غصن وتتأمل الوجود وتعيد سرد الحكاية بفضول أكبر عن سرد قصص التعذيب والتنكيل بالبشر في واجهات زجاجية ليس أقلها تصوير تلك الفقاعات التي تتطاير في مشاهد مختلفة وانتقام الشخصيات الغامضة والمجهولة من بعضها البعض عن طريق الانتماء الى خواء أكبر في طرق العيش والآسئلة والأجوبة. كل شيء هنا مدين لسؤال غير مهذب عن الحمامة التي لاتملك نقودا وتخفق في هذا التأمل العجيب.


تعليقاتكم

أضف تعليقك