(صرخة من سورية) .. التغيير الدامي للتاريخ من خارج عقل المشاهد

(صرخة من سورية) .. التغيير الدامي للتاريخ من خارج عقل المشاهد
على مدى ساعتين يقارب الفيلم الوثائقي (صرخة من سورية) للمخرج الأميركي من أصل روسي يفغيني أفينيفسكي المأساة السورية والذي عرض له التلفزيون السويدي من الزاوية نفسها التي بدأت منذ سبع سنوات في التعاطي مع هذا الشأن، اذ يعترف صناع الفيلم بأنه صور بكاميرات السوريين

أي أن في ذلك احالة متعمدة الى هوية ونوع الصور التي تستخدم على نطاق واسع في ريبورتاجات كثيرة يجري اعادة توليفها في الهواء الطلق كما حدث مع أفلام وثائقية كثيرة سجلت ل"لدراما" السورية على أرض منهكة، وصار لزاما اعادة قراءة هذا الذي صور وقدم هذه المأساة من زوايا مختلفة، ولكنها تتشابه في بعضها بسبب غياب الرؤية المتفردة التي يمكن أن تقول شيئا مختلفا عما سبق وقيل في أفلام الآخرين.
يقدم الفيلم وجبة من الصور العنيفة محذرا من مشاهدتها لمن لايقوى على ذلك. بمعنى ما ينفض أفينيفسكي يده منها لالسبب، الا لأن مواقع التواصل الاجتماعي قد سبقته في ذلك، وهي بالمناسبة تحفل بوجبات أعنف، لكنها – ربما – لم توضع في سياق درامي مصور كذلك الذي يقدمه هذا المخرج، الذي يبدو واضحا من سيرته أنه يقدم أعمالا أقرب مايمكن الى "طلبيات" جاهزة مع لمسات واضحة في المعاينة والمعالجة الدراميتين.

لاشك أن فيلم ( صرخة من سورية ) يستدعي قراءة مختلفة عن كل ماسبقه من الأفلام الأخرى التي تعرضت للمأساة السورية. ربما يحتمل ذلك التوليف الذكي للكثير من المشاهد والصور مايدعو بالفعل الى تأمله من ذات الزوايا التي أراد العبور منها الى عقل المشاهد، وان ساء بعض اللقاءات المصورة في الفيلم عدم الاعتناء بالتكوينات والزوايا والاضاءة مقارنة بتلك التي حظي بها المخرج من مشاهد مصورة بأيدي بعض " المحترفين "، أو الذين تدربوا على صناعة الأفلام الوثائقية في خضم الأزمة. الفيلم لقي صدى واسعا عند عموم الجمهور السويدي بحسب الناقد السينمائي ليف ستينبرغ الذي استضافه التلفزيون السويدي في نهاية العرض، وهذه من المرات القليلة التي يجري تقييم فيلم مباشرة بعد عرضه على الشاشة الصغيرة السويدية.

كثيرة هي الشخصيات التي ظهرت في الفيلم. قالت أشياء كثيرة عن بداية " الثورة السورية " السلمية قبل أن تتحول الى مواجهات دامية مع النظام وتأخذ منحى الحرب الأهلية كما يشير الى ذلك أحد فصول الفيلم. لم تكن هناك مفاجآت بالطبع في استعراض الأسباب التي دفعت بالجميع الى هنا، وباستثناء ظهور – محسوب بدقة – لزعيم جبهة النصرة في بلاد الشام أبو محمد الجولاني ليعلن بدء معركة تحرير البلاد من "ظلم الطواغيت" قبل أن يتحول الى تنظيم فتح الشام، فليس هناك من انعطافات أخرى على مدار الساعتين اذ بقيت أصوات الرصاص والقذائف والانشقاقات المتوالية من عناصر وضباط الجيش السوري سيدة المشهد مع عودة مبرمجة الى ضيوف الفيلم، وبعضهم أصبحوا ضيوفا في أفلام كثيرة مثل عبد الباسط الساروت وشقيقة غياث مطر وسواهما.

فيلم ( صرخة من سورية ) يقدم عنفا مدروسا على الطريقة السورية. المشاهد الذي يبحث في جذور الأزمة بحثا عن مسالك ودروب جديدة في محاولة قراءتها من زوايا قد تشكل اختلافا عن سابقاتها قد لايجد مايشفي غليله، اذ تبدو مواقع التواصل الاجتماعي كما أسلفنا قد سبقت الجميع الى هناك بفارق أنها قد لاتستدعي ذلك النشاط المحموم في اعادة توليف القصة كما لو أنها تدور للمرة الأولى في عقل المشاهد، وليس أمامه الاالتقاط الرسائل التي يعيد المخرج بعثها من خلال التركيب الذكي وربط الأحداث ببعضها لتبدو وكأنها مستجلبة من نسق مختلف لايتكرر معه بعد أن أعيت المأساة السوريين وصناع الأفلام على حد سواء، وقد صار من الصعب قول شيء مختلف، لأن في معظم مايبث ويشاهد قد لايلبي الحرفة أو الصنعة الوثائقية. بالتأكيد تغير زمن عبقري السينما الوثائقية روبرت فلاهرتي حين كان يعايش أبطاله على مدى عامين أو أكثر ليقول شيئا عنهم، أو لتقدح شرارة الالهام كما كان يعبر عن ذلك، وهو بذلك كان يكسر وهم " الطلبيات " التي كانت تطلبها هوليوود منه وينتصر للسينما الوثائقية الخالصة. اليوم مع الانفجار الاعلامي الرقمي الكوني ربما لم يعد ممكنا الحديث عن شرارة الالهام بذات الطريقة، والا اعتبر ذلك خيانة لهذا الزمن. بعض شخصيات فيلم ( صرخة من سورية ) وبالرغم من صغر السن يرون في ذلك انتصارا شخصيا على أنفسهم، وهذا بحد ذاته تغيير دامي في وجه التاريخ الذي ينتسبون اليه، والا لما تواجدوا في فيلم يفغيني أفينيفسكي.
 

تعليقاتكم

أضف تعليقك