( نار في البحر ) للايطالي جيان- فرنكو روسي : الموت يفاجئ الكاميرا بالمقلوب

( نار في البحر ) للايطالي جيان- فرنكو روسي : الموت يفاجئ الكاميرا بالمقلوب
يصح القول مع فيلم ( نار في البحر ) للمخرج الايطالي جيان- فرنكو روسي إنه نشيد أنثروبولوجي سينماتوغرافي كبير. ليست الحياة التي يظهرها في الفيلم الا انعكاسا متقدما عن علاقة الانسان بالظواهر

والاشارات المرتبطة به في محيطه. تسير الحياة على سطح جزيرة لامبيدوسا وفق خطوط هادئة متعددة لايعكر صفوها شيء. كأنما هي خطوط معدة في السيناريو على ألاتجتمع في نسق واحد. لانلتقي بوجوه كثيرة فيها. الطفل صامويل ( 12 عاما ) يقضي وقته في مطاردة العصافير في النهار وعند الغروب. يتفنن أحيانا في صنع أسلحة الطفولة مع صديق له. وقد يستخدم ضوء القنديل في الليل لاخافتها في أعشاشها. أما علاقته بالمدرسة فهي شبه معدومة، أو هو مقل بالذهاب اليها. هناك الأب الصياد الذي يكشف في عزلته عن تضاريس وعرة في الجزيرة، كأنما يكشف عن تضاريس في أعماقه يقوم بدراستها في كل مشوار بحري يذهب فيه بحثا عن طعام لأسرته. أما الجدة العجوز فهي لاتتوقف عن ترتيب مقتنيات البيت، والطبخ، والاتصال بالاذاعة المحلية لطلب أغنية مفضلة من أغنياتها مثل ( الحب وسائق العربة ). مع هذه الشخصيات نلتقي بالطبيب الوحيد في الجزيرة بارتو بارتوليو، وهو مسؤول عن تقديم الاستشارات الطبية المتعلقة بالحمل وطب العيون وأي شيء متعلق بالصحة العامة. وبالطبع هناك المشرف على اذاعة محلية الذي يبث أحيانا أخبارا متعلقة بقوارب اللاجئين التي تغرق أو ترسو في جزيرة لامبيدوسا ويغرق في عتمة خفيضة وهو يلبي طلبات بعض المستمعين من قاطني هذه الجزيرة.
بالرغم من طول بعض الكادرات التي يصورها روسي نسبيا بكاميرا رقمية خفيفة، وهو مدير التصوير في الفيلم، الا أن ثمة اقتضاب في الحوارات وتكثيف يتلاءم مع الصورة الغائمة التي تتمتع باضاءة قليلة وخافتة. كل مايتقدم وفق هذه الخطوط يسهم في صنع دراما خاصة غير تقليدية لجهة سرد القصة. هذا التوغل في الجزيرة يدفع الأب الصياد الى النبش في علاقتها مع اللاجئين الذين عبروا منها منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بقصص مهولة ومأسوية. يشرح ذلك لصمويل في لقطة طويلة. هذا ينطبق أيضا على الطبيب الذي يلجأ الى الصور ليقص قصصا عن بعضها  ماتزال تتربع على عرش ذكرياته. صحيح أنه عاش ذكريات جميلة منذ أكثر من ربع قرن على سطح جزيرة لامبيدوسا، الا أن القصص ذي النهايات المؤلمة المرتبطة باللاجئين صارت تطغى على ذاكرته، ولم يعد هناك شيء مرتبط بقصص سواها.
لفهم آلية علاقة رجال الانقاذ باللاجئين يجب متابعة تلك الاشارات التي تصدر عن هواتفهم النقالة المرتبطة بالأقمار الصناعية حين تطلب النجدة. ليس تحديد الموقع بالنسبة للسفن والبوارج الايطالية التي تجوب عرض البحر نهاية لأي عقد من عقود هذه المأساة البشرية. على العكس من ذلك تبدو وكأنها اشارة على تمديد محنة هؤلاء الذين يستقلون البحر بعد طول قطيعة. ليست الصحراء التي يقطعونها بين السودان وليبيا الاتجسيرا لذاكرة معدة للتنكيل بها سلفا. تبدو تلك المحاولة التي يقوم بها مهاجر صومالي في مخيم اللجوء الايطالي لينشد محنته أمام الكاميرا، بأغنية مفككة من ( الراب ) وكأنها تعبير ثمين عن هذا النشيد الأنثروبولوجي المحكم. الرحلة طويلة، والكلمات التي تصفها مغرقة في الألم. بعد رحلة الصحراء التي تمتد على 3000 كيلومتر، هناك السجن الليبي وداعش. لايوجد ماء. لايوجد طعام. هناك موت يفوح في كل مكان، ومن ينجُ يكتب له عمر ثان بانتظار المرحلة الثانية من التصفيات: يقف رجال البحر على الكتل البشرية المتدحرجة. لم يكن سهلا على روسي أن يصور اولئك اللاجئين الذين يموتون أمام الكاميرا. كان مضطرا لاشغال نفسه بأشياء كثيرة حتى يكمل الفيلم في لابيدوسا. كان قد ذهب في الأساس ليصور فيلما قصيرا، لكنه اكتشف بحدس السينمائي، أن مايدور على سطح الجزيرة لاتكفيه الدقائق التي كان يخطط لها، فبقي سنة كاملة يعيش بين هذه الشخصيات التي رسمت معالم قصته مع أكناف اللاجئين الذين يفر بعضهم من الموت الى الموت. يقول جيان – فرنكو روسي إن مايحدث هنا يضع الاتحاد الأوروبي على المحك، فمأساة غرق اللاجئين تكاد تكون الأبشع من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
تكاد تكون الكادرات الطويلة معدة لنوع من التأمل في مصائر ذاهبة للموت. لكن بعضها يغرق في اطالة غير مبررة، وبخاصة تلك التي تأخذ وقتا في تفتيش اللاجئين الصاعدين الى البارجة الايطالية. أو فحص عيني الطفل صامويل عند الطبيب بارتوليو. حتى وان بدا أن هناك حكمة من ظهورها، الاأنها لعبت دورا في التشويش على الايقاع الذي يتشكل في الفيلم بتلقائية مدهشة.
اللافت في الفيلم هو تلك النداءات التي تنتصر لسورية في مباراة ودية بكرة القدم بين لاجئين أفارقة وعرب في المعسكر الايطالي. الهم السوري يطغى أيضا. تلك الصور التي تلتقطها الشرطة الايطالية لوجوه سورية أضنتها الحرب والهجرة. أسبوع أو أكثر تستغرق الرحلة البحرية للوصول الى الجزيرة، وفي هذه الأثناء يضيّع هؤلاء المهاجرين الكثير من ذكرياتهم. لايبقى أمامهم سوى الصراخ للتعبير عن العجز الذي يطالهم.
في اللقطات الأخيرة من الفيلم يصل العجز لانساني الى ذروته. جثث في أكياس يتم حملها على سطح البارجة الايطالية. من المؤكد أنه لم يتم الاحتفاظ بها لدفنها. لكن الكاميرا لم تسجل عمليات رميها في البحر. لم يقل روسي شيئا عنها. من المؤكد أنه شغل نفسه بأشياء أخرى حتى ينجز فيلمه للنهاية. فيلم ( نار في البحر ) نال جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين 2016.

تعليقاتكم

أضف تعليقك