ايليا سليمان: المواربة الشعرية حد الاختفاء

ايليا سليمان: المواربة الشعرية حد الاختفاء
ربما لا يمكن سؤال المخرج الفلسطيني ايليا سليمان عن سر اختفائه – سينمائياً - إذ اكتفى حتى اللحظة بإخراج ثلاثة أفلام روائية طويلة ( سجل اختفاء 1996 ) – ( يد إلهية 2002 ) – ( الزمن الباقي 2009 ).

كما أنه ليس سهلاً المرور من أمام موهبته الكبيرة دون ملاحظة مثل هذا الغياب بشيء من اللوم لتأخره في انجاز مشاريع أفلامه الأخرى، الأفلام التي لا تأتي بالطبع على حساب النوع الذي يعرف كيف يتحسسه ويشمه إن جاز التعبير، وبخاصة أن سليمان قد حجز لنفسه مكانة مرموقة في عالم الفن السابع من خلال هذه الأفلام دون أن يحتاج لترويسات أخرى من عوالم غير عوالم السينما. ظل ايليا سليمان مخلصاً لموهبته، ومخلصاً للسينما دون تقديم ادعاءات في هذا الصدد، وان كانت السينما تفتقده، ويفتقده عشاقها، فإن ( دفاتر غوتنبرغ ) تستعيد هنا آخر أفلامه ( الزمن الباقي) في تقديم يمهد لقراءة أخرى في ثلاثيته التي يختتمها به وينتظر أن تعقد السينما الصافية لواءها على يديه.
الفيلم هو زمن فلسطيني بامتياز. ويمكن اعتبار الزمن الغائب فيه هو سلاح السخرية من الذات أولاً ما يعني أنه زمن مركب، فيه انشداد نحو السلاح الذي يلجأ إليه المخرج الفلسطيني ايليا سليمان من زوايا « المواربة الشعرية المهملة». ربما تكون زوايا بسيطة وعادية ولاتدّعي التعقيد في آلية سردها، وهنا تتجلى الصعوبة في الإمساك بأطرافها. فالدخول سينمائياً من هذه الزوايا التي لاشقوق فيها، أصعب بكثير على « المعلم « من الزوايا الصارمة والمقطعة بشكل هندسي حاد التقاطيع.
ماذا لدينا في «الزمن الباقي»؟
السائق الإسرائيلي يضع في سيارته حقيبة المسافر القادم إلى مطار اللد، وهو سيشعل محركها في اللحظة التي ستهب فيها عاصفة مطرية هوجاء. عاصفة لم تتحدث عنها التوراة كما سيخبر السائق، وهذا ما يدفعه للخوض في "ملاسنة " لغوية مع نفسه هي أقرب إلى الهذر منها إلى اللغة المفهومة، وهي تأخذ منحى هذيانياً مفروضاً عليه بقوة السيناريو تجعل منه غريباً بالكامل عن أرض ليست هي أرضه في نهاية المطاف. أرض لايعرف من أسرارها شيئاً. حتى العاصفة المطرية الشديدة تبدو وكأنها غريبة عليه، وأن من يحركها في الواقع ليس إلا «شبح» ايليا سليمان المتكوم في المقعد الخلفي من السيارة. وهو هنا يظل على ملامحه الشبحية الخارجة من البعد البؤري للعدسة السينمائية دون اكتراث بالمزاعم التوراتية التي تدفع السائق إلى التكلم مع صاحب له عبر جهاز الراديو بمايشبه الهلوسة، وافتراض أنه كائن فضائي يفرض عليه الشبح الأرضي قوانين اللعبة دون أن ينبس ببنت شفة. وكأنه يريد الاتكاء على ذاكرته الشخصية، وربما ذاكرة أبيه ليقول رواية الحاضر الغائب مجتمعة فيه. ينجح الشبح بدفع السائق ليتوقف بذريعة العاصفة دون أن يطلب إليه ذلك. والسائق يلتزم جانب الطريق، ليس لأنه ضلّ طريقه، بل لأن التوراة نفسها لم تحسم أمرها، وبالتالي يصبح خط سير الرحلة أمراً مشكوكاً فيه، ما عليه إذاً سوى الاستسلام للذة النوم كما سنرى في المشهد الأخير، لأن الفلسطيني هنا هو من سيتحكم بالأحداث، فلا يعود طارئاً عليها. هو من سيبدأ الرحلة وينهيها، وما على السائق سوى الاستسلام للشبح وهو يجيء على روايته مفصلة عبر تواريخ محددة.
في اللحظات التي تلي العاصفة، سوف يذهب ايليا سليمان إلى مشاغله مع الزمن بمستوياته المتعددة، ويبدأ حكايته حين تهاجم العصابات الصهيونية بلدة فؤاد سليمان عام 1948، وسيكون على الأب أن يعيد من جديد صوغ الرواية كلها من وجهة نظر الحاضر الغائب. الابن الذي يورط أباه في الأحداث، سيفرض عليه أن يحاول إنقاذ جريح مع قريب له. هذا الحدث سيغير من حياة الأب فؤاد، إذ سيلقى القبض عليه، وسيقوم أحد العملاء الملثمين بالتدليل عليه بوصفه مقاوماً وصانع أسلحة في ورشة خاصة به.  الأب والأم والأخت سيغادرون إلى عمان، وسيلقى بفؤاد من فوق جدار عال بالقرب من كرم الزيتون. لكننا سنشاهده عبر قطع في الأحداث وقد تزوج، وأنجب الولد الذي سيكون عليه أن يتعلم في مدرسة إسرائيلية وينشد النشيد الإسرائيلي ويشتم أميركا الامبريالية في آن معاً.
لا يستعير ايليا ذاكرته الساخرة من غبطة العائلة التي كوَّنها الأب فؤاد في غفلة عن قوانين الاحتلال وقد بقي له من بعد فعلته الجلوس في المقهى نفسه مع الصحاب، والسجائر ذاتها، ومرض الرئتين، وفحص الضغط يومياً بانتظام، وبالطبع هواية صيد السمك والاستماع إلى شتائم جاره السكير الذي يهدد على الدوام بحرق نفسه، وهما هوايتان توغلان في كشف جهل الآخر بالأرض التي يقيم عليها، فإغارة الدورية الإسرائيلية ثلاث مرات على الشاطئ نفسه وسؤال أفرادها عن «هويات» الصيادين الصديقين ( فؤاد وشبيه أبيه )، وعما إذا لم يكن هناك في الناصرة بحر لممارستهما هذه الهواية، أو سحر الهواية الذي يعصف بالزمن الزنخ وهو يفشل في الإطباق على المكان الذي يقيمان فيه، إذ يظهر الفلسطيني هنا متحكماً به من خلال سخرية مرة لا يطيقها الإسرائيلي. فهاهو الشاب الذي يتكلم بالهاتف النقال يراوغ سبطانة مدفع دبابة إسرائيلية ترصده في كل حركة من حركاته، حتى يكاد يتحول الأمر إلى لعبة، فما إن يتوقف الشاب متعمداً حتى يتوقف المدفع معه، فيما هو لا يفعل شيئاً أكثر من إلقاء كيس قمامة في الحاوية القريبة من بيته. بالمقابل سوف يترتب على الفلسطيني الذي يقصد باحة المدرسة وقد تحولت إلى معتقل إداري فيه أسرى فلسطينيون مدنيون أن يقف بطريقة ممسرحة ويعيد قراءة نشيد عبد الرحيم محمود. يذكرنا بـ "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى / فإما حياة تسرّ الصديق وإما ممات يغيظ العدا"  قبل أن يطلق النار على رأسه بطريقة فيها الكثير من القدرة على إغاظة الأعداء في مشهد مركب فيه الكثير من التأويلات النقدية لواقع أدبي بحاجة إلى إعادة فك وتركيب قد لاتستهوي الغرباء أبداً.
لن يتوقف ايليا سليمان في سرده سيرة الحاضر الغائب عند حدود التعليم، فهو لا يقصده في فيلمه، وهو لا يريد أن يعلم أحداً أية أشياء تتعلق بالزمن أو الموروث الفلسطيني. فهنا الملل يطال أيضاً الصحاب الثلاثة، وهم قاعدون في مقهى يراقبون هذه الأشياء في تحولاتها الكبرى. فمن جندي جيش الإنقاذ في متاهته، إلى الشاب الذي يمتهن الصفير في غدوه ورواحه من أمامهم، حتى يجيء اليوم الذي ينسى فيه أن يقوم بفعله هذا، ما يدعوهم لسؤاله عن « إشاراته»، فيفاجئهم بصفيره موسيقى انيو ميركوني من أحد أكثر أفلام سيرجيو ليوني شهرة في عالم السباغيتي ويسترن، وهي إشارات كثيرة تحمل أكثر من تفسير. ربما بعضها مرده إلى شغف ايليا سليمان كما هو واضح بالسينما الأميركية كضامن لإيقاع فيلمه. فحتى اختياره لصالح البكري (الأب فؤاد) يكشف عن ولع خفي ببعض إرث هذه السينما. ففؤاد يحمل في قسمات وجهه تعبيرات بول نيومان وجيمس دين في تسريحة شعره، وبعض ملامح روبرت ريدفورد في (شبابهم)، فيما يذكر دخول ايليا سليمان ليلعب دوره في الفيلم بأسلوب باستر كيتن، الكوميدي المتفجع بالعالم على طريقته، ربما على مصيره الشخصي، وربما على مصائر الآخرين الهالكين لامحالة. لكن مايلفت في الأداء هو ضياع بوصلة الاتجاه الذي يحدد سلوك البطل، وهذا أكثر مما هو متوقع، فباستر كيتن كوميدي من نوع خاص، كان يفتت الواقع من حوله ويرده إلى صرامة في التقاطيع وحدة في درجة الالتباس التي كان يثيرها في أفلامه خلال عشرينيات القرن الماضي.
هنا يستعير ايليا سليمان بداهة الأسلوب، ويلجأ إلى صرامة موازية في الأداء بأكثر مما هو متوقع في كادرات هندسية متقنة أقل ما فيها أنها تكشف عن أبعاد عاطفية للأرواح المستخدمة في الفيلم. فالغناء يهيمن فيه، حتى الغراموفون الذي يسرقه الأعداء لايقدم لهم سوى أغنية «أنا قلبي دليلي» لليلى مراد. هم يسرقون كل شيء من حول الحاضر الغائب، فيما يقوم الشبح، وفي الخلف دائما بتعزيز خطوط روايته الرئيسية الساخرة إلى حد أن الضحية يمكنها أن تقيم احتفالاتها بطريقتها دون أن يردعها مكبر الصوت معلناً ضرورة التزام البيوت بسبب حظر التجوال، ويمكنها بالطبع أن تقتاد الجلاد الذي لا يعرف طريقه. ووحده سليمان صاحب الرواية الأكثر جدلاً في السينما الفلسطينية الجديدة يعرف كيف يتجاوز الجدار باستخدام زانة القفز العالي في مشهد رفيع سيقيم في الذاكرة السينمائية العالمية طويلاً.
"الزمن الباقي"، زمنٌ باقٍ على سطح السليوليد لايفارق صرامة صاحبه في الأداء. لا يعرف الحياد أو الملل، وهو يتنقل على شاكلة منح عاطفية لاتحتاج إلى أذونٍ من أحد. ففي الوقت الذي تستعد فيه إسرائيل للاحتفال بعيدها الستين، تدير الأم ظهرها للألعاب النارية التي تطلق في الاحتفالات. يمكن للفلسطيني دون سائر الخلق أن يدير ظهره، ويحرك قدمه طرباً على وقع أغنية فيروزية بعد أن طال قعوده استجابة منه لحالة عاطفية فاقدة. يمكنه أن يدير ظهره أو يشيح بوجهه عن صورة يراد لها أن تكون في الخلف مبهرة، ويريد الشبح منها تعزيز روايته الأصلية عن المكان، بما يتناقض مع الخرافة التوراتية التي لم تنجح في تبصر عاصفة قادمة إليه، عندها سيبدأ ايليا سليمان من جديد فيلمه وسينهيه عندها، عندما يختار السائق كما أسلفنا النوم ملجأً له قبل أن تفرزه الحالة السينمائية إلى تيه بغيض يجبره الفلسطيني على أن يحلم به. فما بين الزمن المركب الذي تنقل فيه سليمان ببراعة سوف يغلق على السائق وهو يغط في غيبوبته العميقة يبحث فيها عن بقايا حكاية توراتية مسمومة لم يكن ممكناً لها في يوم من الأيام أن تدعي معرفة بالأرض التي تنتشر عليها انتشار عاصفة هوجاء. الشبح الفلسطيني المقيم في الخلفية خارج البعد البؤري المحيط للعدسة السينمائية، لا يوضح صورته، لا ينقيها، ومع ذلك شوائب الرواية واضحة ونقية وصافية تماماً.

تعليقاتكم

أضف تعليقك