(ريح وأوراق) عباس كيارستمي: ضلال المرء في أعماق نفسه

(ريح وأوراق) عباس كيارستمي: ضلال المرء في أعماق نفسه
منذ أن أطلق المخرج السينمائي الايراني الراحل عباس كيارستمي فيلمه (كلوز – آب ) بدا أنه يميل في تفكيره السينمائي إلى نوع من اللقطات المقربة التي تشتغل من زاويا هامشية

على تلك الانكسارات التي تعني الإنسان في هواجسه ودأبه في تشذيب إحباطاته بما يتيح له أن يسمو بها نحو الأعلى، وكأن دنوه من الأرواح القلقة كان يضاف بذات الوقت إلى تجربته مع كل فيلم جديد له. لكن الأفلام  هنا ليست كل شيء في تجربة شاعر السينما الإيرانية، ففي حين تخفق هذه السينما – أحياناً -  في التقاط أدق الجزئيات التي تعني هذه الانكسارات يتدخل الشعر في شطحاته الصوفية والوجودية ليعيد ترميم السكة التي ينطلق منها كل نداء داخلي لايمكن للعدسة مهما بلغت في دقتها ورهافتها أن تستعيده في مجد لقطة واحدة بسبب من طبيعتها التقنية والفيزيائية. لم يبتعد صاحب (ذئب متربص) و(مع الريح) عن تمجيد تلك الزوايا الهامشية التي كان يقصد الإطلالة منها على أفلامه وأبطاله. عباس كيارستمي يكاد يكون المخرج الإيراني الوحيد الذي اقترب من شخصياته بهذا العمق من زوايا لا يلتقطها سواه، وكأن إلهامه لم يكن يتجدد إلا من هذه الزوايا التي لا يدركها سوى صاحب عين مدربة على التقاط كل ما يدور على السطح قبل بلوغ الأعماق.

في مجموعته الشعرية الثالثة والأخيرة ( ريح وأوراق / ترجمها عن الفارسية الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي 2017) ينهي كيارستمي مشروعه الشعري بتلك التأملات العميقة في مغزى وجود الإنسان نفسه وسط مكونات الطبيعة ومفرداتها بما تحمل من قسوة ورتابة وإنفجارات غير محسوبة. كأن ضلال المرء في أعماق نفسه لا يقرأ إلا حين ينتشل هذه الشطحات الشعرية من بئر راكدة ويعيد تفجير عيونها على الملأ بمفردات يومية قادرة على إعادة صوغ الهامشي والمعاش في نقرات خفيفة تشبه الأصابع التي تطرق على زجاج نافذة وتنتظر في معظم الأوقات "

في مجموعته الشعرية الثالثة والأخيرة ( ريح وأوراق / ترجمها عن الفارسية الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي 2017) ينهي كيارستمي مشروعه الشعري بتلك التأملات العميقة في مغزى وجود الإنسان نفسه وسط مكونات الطبيعة ومفرداتها بما تحمل من قسوة ورتابة وإنفجارات غير محسوبة. كأن ضلال المرء في أعماق نفسه  لا يقرأ إلا حين ينتشل هذه الشطحات الشعرية من بئر راكدة ويعيد تفجير عيونها على الملأ بمفردات يومية قادرة على إعادة صوغ الهامشي والمعاش في نقرات خفيفة تشبه الأصابع التي تطرق على زجاج نافذة وتنتظر في معظم الأوقات استيقاظ كائن ما: "سيبقى الصمت مخيماً على فضاء منزلي/ حتى تعود إليه المرأة التي أعرفها". لم يكن كيارستمي بعيداً في (ريح وأوراق ) عن شعر الهايكو الياباني. هو شعر يمكن قراءته سينمائياً. خيال سابح في بحور المونتاج والتراكيب الخلاقة التي تحتاج إليها السينما. فعل ذلك من قبل سيرغي ايزنشتاين مؤلف نظرية المونتاج وأحد أكبر مبدعيها. قدم بحوثاً نظرية مهمة في هذا الشأن مع إدراكه بأن الغوص العميق في عالم الإنسان قد لا يبلغه سوى هذا النوع من الشعر حين يستعصى الأمر على الكاميرا وقدم أمثلة كثيرة حية على ذلك. ما يفعله عباس كيارستمي هو بالضبط الذي تثيره السينما في قلق مضاعف لا يمكن تجاوزه، مهما بلغت العين المدربة من حرفية مبالغ فيها. وهنا تكمن أهمية إعادة قراءة المجموعات الشعرية الثلاث التي خلّفها وراءه في ضوء تجربته السينمائية الفريدة.

(ريح وأوراق) تكثيف لهذه التجربة ونهاية لها في آن واحد بما أنها اكتملت برحيل صاحبها. وان كان الشاعر الصوفي زوهراب سيبهري الذي رحل مطلع عام 1981  والشاعرة والسينمائية الايرانية فوروغ فرحزاد قد أثرا كثيراً في صاحب (طعم الكرز) حتى أنه استلهمهما في فيلمين من أفلامه (أين يسكن الصديق – سوف تحملنا الرياح) فإنه بمجموعته الشعرية الثالثة قد أضاف شيئاً كبيراً إلى الشعر الإيراني المعاصر، وكأنه كان يدرك بحدس المبدع أن رحيلهما لا يعد قطيعة مع هذه الروح التي صنعت إبداعهما، بل يستمر بمشاركتهما الأرق ذاته. القارئ المتبصر في تجربة كيارستمي، أقله في مجموعته الأخيرة، وكذا المشاهد المتمعن في أفلامه سوف يدرك أن المخرج كان يقدم توثيقاً شعرياً خالصاً للقطة القريبة (كلوز – آب) على وجه التحديد، بما تعنيه من دنو لأدق اللحظات العاطفية العميقة، وان لم يكن ممكناً استعادتها على الورق بسبب من طبيعة السينما ذاتها، إلا أن إعادة أو استعادة بعض هذه القصائد المغرقة في الإيجاز تدلل على كثير من الفرضيات التي يمكن الذهاب اليها:" أعبر عن إخلاصي للشجرة / تهزّ وريقاتها ربّما كإجابة – غريق في اللحظات الأخيرة من حياته / أهدى العالم بضع فقاعات".

من المرات القليلة التي يمكن العيش فيها من خلال الشعر مع غواية السينما. صحيح أن هذا النوع من الأدب ربما يكون الأقرب إلى طبيعة هذا الفن المعقد. الضراوة والخفة معاً حين تنعقدان في صور أدبية تقوم على جسر بين الدال والمدلول لا تحتاج له السينما. يدرك كيارستمي في صميم تجربته الشعرية إن إلغاء هذا الجسر في الصورة السينمائية هو أساس الفيلم المكون من لقطات متتابعة. ما يفعله في قصائده هو بالضبط ذلك التركيب من الكلمات الذي يصنع صورة متكاملة تتغير بتغير زوايا النظر إليها حين قراءتها وتأملها:" ذباب سمج / قطع مسافة قريتين / مستقلاً جرح بغل هرم – على الظرف طابع بريدي لطفل يضحك / المرسل امرأة حزينة".

( ريح وأوراق ) ليس خاتمة تجربة شعورية لمخرج كبير. ربما تبدأ قراءة مشروعه السينمائي من هنا أيضاً. الإيجاز في اللغة وتنقيل اللقطات المكبرة فيها تتمثل أيضا بالظهور والاختفاء التدريجي في نوعية اللقطة. ما تفعله القصائد في القارئ هو إثارة هذا الشعور وكأن الأمر برمته يقوم على تأمل الوجود من خلال فواصل مونتاجية ومونولوجات تدور في نفس الوقت بين الشاعر والمخرج للتحرر من شر الإنسان وأنانيته:" كنت بصدد أن أزرع ورداً / كان الورد متوفراً وأنا جاهز / لم يكن ثمة تراب – كنت بصدد غرس وردة / كان التراب متوفراً / كنت جاهزاً / لم تكن هناك وردة".   

تعليقاتكم

أضف تعليقك