فوتوماتون: الممثلة اللبنانية جيزال خوري

فوتوماتون: الممثلة اللبنانية جيزال خوري
لم تلتقط هذه الصورة في "فيزون لا رومين" حيث أعيش مع عائلتي الصغيرة جنوب فرنسا.

إنّها صورة عادية التقطت على سطح منزلنا الذي شيَّده أبي بيديه العاريتين مع أصدقاء له على سطح منزل أبيه، حيث الهندسة المعمارية فرضت ذهنيتها العشوائية بسبب الفقر عند غالبية سكان بلدتي (رحبة) في عكار أقصى شمال لبنان. إذا ما أردت النظر بعيداً من هنا، فبإمكانك رؤية السهول المشتركة بين لبنان والشقيقة عند الأفق. إنّها سوريا بكل بساطة حيث الشواطئ تبدو بعيدة المنال. أنا لا أذكر من تلك اللحظة العفوية شيئاً، ولكنّها على الأرجح لحظة من زمن هارب سنة 1982. كنت أبلغ من العمر سنة ونيف. ولم تكن لدى أهالينا اهتمامات ترفيهية تذكر كالتخطيط المسبق لالتقاط صورة فوتوغرافية عند المصور إلا للمعاملات الرسمية التي تجبرهم على التقاط صور تشبه صور المساجين في أفلام هوليوود، وكانت تقتصر زيارة مصور البلدة على تظهير الصور فقط مع نسيان أو تناسي تاريخ التقاطها الذي لم يكن مهماً في حسبان أحد. ربما الزمن كان يمضي على مهل فتأتي أيامه متشابهة ومملة، تاركة للفصول الطبيعية أن تقوم بمهمة تمييّز الزمن بوصفه تلك اللحظة الهاربة من خطط استراتيجية، كموسم الحصاد، وموسم المونة أو سماع خبر ولادة طفل يقابله استشهاد ابن أرملة شهيد في الجيش اللبناني أو حتى استشهاد رب عائلة، فلا أهمية هناك للميتات الطبيعية المتوقعة.

يقولون إننا جيل الحرب نسبة إلى زمن ضائع، وكأنّ لعنة أنزلت علينا حتى نورثها لأجيالنا القادمة مرغمين. صحيح أنني ولدت سنة1981. ولكنني لم أعش الحرب في بلدتي إلاّ من خلال الشاشة السحرية. إنّها شاشة تلفزيون لبنان وشاشة تلفزيون سوريا التي كنا نلتقط إشارات بثها عندنا بسهولة، وكانت كلها تتكلم عن العدو "التقليدي" إسرائيل. اشتباكات هنا وهناك. وفي تلك المرحلة من الزمن كان والدي يتغيب عن المنزل لشهور كغيره من الجنود، وعندما يظهر فجأة ليوم أو يومين كان يجيء محملاً بالحلوى والبالونات متعمداً. كان يلهينا حتى يخفي ألمه عنّا، وخوفه علينا من اليتم المبكر. كان يرحل ثانية وتعود أمي إلى وحدتها لتتسمّر على الشاشات وتقلبها من خبر إلى خبر تنتظر سماع أسماء ضحايا الحرب الجدد بأمل عدم سماع اسم أحد تعرفه، حالها حال جميع نساء القرية، أمّا نحن، أي أنا وإخوتي فقد كنّا ننتظر انتهاء آخر نشرة أخبار لمتابعة مسلسل مصري، أو سوري أو مسلسل (آلو حياتي)، أي شيء ماعدا الأخبار، فقد كانت مملة ومخيفة وغير مفهومة وشبيهة بفيلم رعب غير مرئي. لطالما سألت أمي عندما كان عمري لا يتعدى ال 6 سنوات "ايمتى آخر حلقة أخبار؟؟؟ ما بحبو لها لمسلسل كتير طويل "… وكانت تضحك قائلةً: ما في حلقة أخيرة للأخبار". لطالما كرهت الأخبار، وكرهت العدو الإسرائيلي الذي كانوا يتحدثون عنه. كنت أشعر بالتأثر لدرجة أنّني اخترت شجرة توت قبيحة ومهملة وأسميتها إسرائيل، وصرت أرشقها بالحجارة يومياً كأطفال فلسطين، وأنعتها بكل وصف قبيح. مسكينة تلك الشجرة، لا أعلم ما الذي حلَّ بها الآن، ولكنّني على يقين أنّها تقع خلفي في الصورة، وقد اقتلعت من جذورها بهدف البناء واستعملوا حطبها للمواقد. عندما اقتلعوها، هدموا بيتاً من بيوت ذاكرتي، وحتى هذه اللحظة أتخيل أنّ الشجرة موجودة، ويرفض عقلي تصديق اختفائها، وكأنهم استأصلوا جزءاً مني.

لطالما أحببت البدايات الجديدة وأصبت برعب التعلق بالأشياء، الأماكن، الأشخاص...وربما لهذا السبب امتهنت التمثيل وتخليت عن حلمي التقليدي بأن أكون جندية في الجيش اللبناني مثل والدي. لقد مللت شجرة التوت، وأهملت عداوتي القديمة لها. كنت أظنّ أنّ المسرح سيبعدني عن الأخبار التلفزيونية ومتابعيها، لكنه وجد طريقه إلى مخاوفي الدفينة، ورغم رفضي لمتابعة الأحداث حول العالم أراني أتعثر بمسرحيات ثورية وأخرى سياسية، وأجبر على متابعة الأخبار لأطمئن على من يخصني في الجيش اللبناني. لم أعد مهتمة بالوطن كما في السابق. أفضل أن أحبه كما أحببته في طفولتي مع علمه الرسمي بأرزته الشامخة ونشيده الوطني، فالمدينة "بيروتهم" مليئة بأعلام من جميع الألوان إلاّ علمي الذي أحب. إنه وطن انتزع مني أحلامي كما انتزعوا الشجرة من صورتي، فقررت الرحيل. إنه وطن سرق ابتسامتي الصغيرة وحمَّلني كباقي أقراني عبء حروب عبثية أرادني أن أورثها لابني، وكأنها لعنة من جيل لجيل ليس له بديل. أنظر إلى هذه الصورة الآن وأتأمل ابتسامتي، وكأنها ابتسامة ابني جود البالغ من العمر 3 سنوات. أجل لقد أورثته ابتسامتي، ولا أريد أن أورثه غير غابات فيها شجرة كشجرتي التي اقتلعوها. رغم كل شيء أنا محظوظة لأنني تخصصت بما يعشقه قلبي، ولا أندم إلا على وطن لم يحتضن أبناءه ولن يفعل ذلك، أقله في المدى المنظور.

تعليقاتكم

أضف تعليقك