عبدالله حبيب ل(دفاتر غوتنبرغ): هناك من يلهينا عن استحقاقات الحاضر الحداثية

عبدالله حبيب ل(دفاتر غوتنبرغ):  هناك من يلهينا عن استحقاقات الحاضر الحداثية
عبدالله حبيب شاعر وكاتب وسينمائي عُماني بارز لمع اسمه كأحد أبرز النقاد السينمائيين العرب بعد "مساءلات" سينمائية مثقفة ونوعية دأب على السجال والكتابة فيها بنوع من التميز والتفرد وضعاه في مقدمة المثقفين الطليعيين العرب.

ويمكن اعتبار حبيب في مجالات النقد والأدب واحداً من المثقفين القلائل الذين تمكنوا من انجاز المعادلة الصعبة في رسم صورة المثقف الموسوعي الذي يرهن صورته لحساب الفكر والفكر لحساب صورته دون الخشية من الاصطدام بالسلطة التي لا تؤرقه كثيراً في معاركه معها، اذ لطالما جاهر بآرائه السياسية في مواجهتها، وسبق له أن اعتقل على خلفية الجهر بهذه الآراء وحكم ثلاث سنوات، ثم أطلق سراحه مع مجموعة من السجناء بعفو سلطاني. وعبدالله حبيب الذي يرسم في حواره مع (دفاتر غوتنبرغ) صورة مشرقة ومختلفة للمثقف العربي الذي حسم أموره مع المؤسسات منذ يفاعته، وليس كتاباته إلا برهاناً ساطعاً على هذا الميل المبكر في شخصيته، انما يضع بذلك خطوطاً أولى وثانية أمام الوجهة التالية في نوع من الاستشراف الذي لايجرؤ عليه سوى مثقف من الطراز الذي يكون عليه حبيب. وان أردنا تعريفه بعديدمنجزه السينمائي والأدبي والشعري، فليس عبدالله حبيب في الواقع سوى عبدالله حبيب نفسه.
له عدد من الكتب توزعت بين الشعر والقصة واليوميات وأدب الرسائل والنقد السينمائي، حاصل على شهادة (Ph.D.ABD) في الدراسات النقدية السينمائية، من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، بالولايات المتحدة، 2005. وقبلها على ماجستير في الدراسات السينمائية والثقافية من جامعة تكساس، بالولايات المتحدة، 1999. إضافة إلى بكالوريوس في الفلسفة (تخصص رئيسي) والسينما (تخصص فرعي) من جامعة سان دييجو ستيت، بالولايات المتحدة، 1992.. كتب العديد من الدراسات والأبحاث السينمائية، نشر جزءاً منها في كتابه "مساءلات سينمائية" الذي فاز بجائزة أفضل إصدار نقدي عُماني لعام 2010 من الجمعية العمانية للكتاب والأدباء.. وتَرجم إلى العربية الكتاب السينمائي المهم "ملاحظات في السينماتوغرافيا" للسينمائي الفرنسي روبير بريسون.  وفي الفترة ما بين عامي 2000 و2002 قام بالتدريس في جامعة  كاليفورنيا في لوس أنجيلوس (الولايات المتحدة) وجامعة أوتاجو (نيوزيلاندا). حصل عام 1991 على عضوية مدى الحياة في جمعية المفتاح الذهبي الشرفية الوطنية الأمريكية، وفي العام نفسه حصل كذلك في الولايات المتحدة على عضوية مدى الحياة في جمعية فاي بيتا دلتا للدارسين الأجانب . اختير عضواً في لجان تحكيم عدد من المهرجانات السينمائية العربية، منها مهرجان أبوظبي السينمائي، عام  2007) ومهرجان الخليج السينمائي، دبي، 2007، ومهرجان مسقط السينمائي، مسقط، 2012. وشارك كعضو لجنة تقييم الأفلام الروائية السعودية القصيرة ("محطة إم بي سي"/ "مؤسسة الهدف للإنتاج الفني")، في أبوظبي، 2014 .. وإضافة الى ذلك أخرج عبدالله حبيب عدداً من الأفلام السينمائية القصيرة هي "شاعر"، و"حلم"، و"رؤيا"، و"تمثال"، و"هذا ليس غليوناً" الذي فاز بجائزة المجمع الثقافي بأبو ظبي عام 1992  . وقد كرمته الأمانة العامة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي للتميز في الانتاج الثقافي عام 2013. وفي العام نفسه ( 2013 ) نال جائزة الريادة في العمل السينمائي في السلطنة، من اللجنة الوطنية للشباب، وقبل ذلك بعامين فاز بجائزة الإنجاز الثقافي البارز في السلطنة لعام 2011، من مبادرة القراءة نور وبصيرة. وكان ضمن المعتصمين عام 2011 في "ساحة الشعب" أمام مبنى مجلس الشورى العُماني. هنا حوار معه:

الصمت الكامل هو أول شروط الكتابة لدي، ولا أستطيع الكتابة ولا القراءة في المقاهي أو المُنْتَبَذات الليليَّة. قد تأتيني صورة شعرية أو أكثر ألتقطها من مشهد المكان العام، أو فكرة لكتابة نص، لكني لا أستطيع ما هو أكثر من ذلك، حيث شقَّتي هي المكان الأثير للقراءة والكتابة. "

 

*كيف يكتب عبد الله حبيب؟ ماهي الطقوس اللازمة لإنجاز هذا المشروع الذي تشتغل عليه؟
**الصمت الكامل هو أول شروط الكتابة لدي، ولا أستطيع الكتابة ولا القراءة في المقاهي أو المُنْتَبَذات الليليَّة.  قد تأتيني صورة شعرية أو أكثر ألتقطها من مشهد المكان العام، أو فكرة لكتابة نص، لكني لا أستطيع ما هو أكثر من ذلك، حيث شقَّتي هي المكان الأثير للقراءة والكتابة.  أحس بعُري غريب وكامل وأنا أكتب بحيث لا أريد أن يراني أحد وأنا في حالة الكتابة، لأني أحياناً أقهقه بطريقة هستيريَّة، وأحياناً أنتحب بشكل طفوليٍّ، وأحياناً (إذا كنت أكتب قصة قصيرة مثلاً) أتقمص دور الشخصيَّة في طريقة الكلام أو المشي فأذرع الغرفة جيئة وذهاباً، إلخ.

يستحيل تقريباً أن أردَّ على أي مكالمة هاتفيَّة وأنا أكتب.  أحب الكتابة في الليل أكثر من النهار (مع أني أكتب في النهار أيضاً بالطبع)، فأنا بطبعي كائن ليلي لأسباب” فيزيو— كيميائية" تتعلق بإصابتي المبكرة بمرض الأرق المزمن الحاد؛ إذ أنني أشعر بالطاقة والحيويَّة في الليل.  وبتناقضٍ كامل سأضيف أن الليل يُشعرني بوحشة رهيبة أيضاً، بينما في النهار أشعر عموماً بالخمول، والكسل، والكساد، كائناً ما كان عدد أكواب القهوة التي أحتسي.

  وأفضل أوقات الكتابة لديَّ في الليل هي اللحظة التي يتغير فيها لون الأفق بالتدرج حين ينسحب الليل ويبدأ الفجر؛ ففي ذلك الوقت تحديداً أحسُّ بالحياة وهي تدب في أوصالي وأوصال الكون حتى ولو كنت حزيناً.  أهرش رأسي كثيراً وأنا أكتب لدرجة إدماء الفروة بصورة طفيفة أحياناً إذا كان قد مر وقت طويل منذ أن قصصت أظافر يديَّ لآخر مرة.  وأدخن بشراهة بحيث أنني أشعل السيجارة الجديدة بعقب السيجارة التي يكاد عمرها يكاد، وبهذا فإنه في الكثير من كتاباتي لم أكن أحتاج إلى الولاعة إلا في إشعال السيجارة الأولى فقط.

يتصلب جسدي بالكامل حين أكتب لفرط التوتر، وأشعر أن كافة أعضائي قد تحولت إلى حديد أو إسمنت عوضاً عن اللحم، والشحم، والدم.  ولهذا فإنني من تجربتي أعتقد أن الجسد في حالة الكتابة يمر بأطوار فيزيقية وتحولات غريبة.  ومع أنه ليس لدي دليل علمي على ذلك فأنا أقول بثقة من تجربتي الضئيلة في الكتابة إنه حتى جسدي يصبح جسداً آخر حين أكتب، بحيث تتغير مواد تكوين أعضائه فعلاً.


* لديك شغل على أدب المراسلات.  لماذا تصر على الاحتفاظ بما يمكن أن يصبح في إطار ميكانيكية العادة؟
**أود هنا قول ثلاثة أشياء في الأقل:
الشيء الأول هو أن أدب الرسائل يكاد يختفي من المدونة الثقافية العربية الحديثة (وربما غير العربية أيضاً) بسبب الهجمة الشرسة لما بعد الحداثة خاصة فيما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهذا شيء مؤسف للغاية.  الأسف هنا أيضاً هو الحسرة على انقراض جنس أدبي أصيل ليس في الأدب العربي فحسب، بل في آداب المعمورة قاطبة.  في الأدب الغربي هناك، مثلاً، رسائل نيكوس كازانتزاكيس الفاتنة إلى زوجته (والتي يرى بعض النقاد أنه لا يمكن فهم رواياته من دون سبر أغوار تلك الرسائل)، وهناك الرسائل المتبادلة بين هنري ميلر وإنايس ننْ.  وفي حالتنا العربية يكفي أن أشير إلى مراسلات مي زيادة وجبران خليل جبران، ورسائل غسان كنفاني الصادرة إلى غادة السمان (في انتظار صدور الرسائل الصادرة من السمَّان إلى كنفاني كي لا تحصل متاجرة بالحب ولا تكسُّب منه)، والرسائل المتبادلة بين محمود درويش وسميح القاسم — هذا على سبيل المثال لا الحصر.

الشيء الثاني هو أني كنت، ولا أزال، شخصاً محدود عدد الصداقات (وهذا شيء أرتاح له كثيراً ويناسبني تماماً)، وأجد صعوبة كبيرة في إقامة علاقات اجتماعية عديدة (ومع تقدم العمر يزداد عسر تأسيس صداقات وتعارفات جديدة)؛ وبالتالي فإن علاقاتي وصداقاتي نوعيَّة في معظمها، وقديمة في أغلبها.  من هنا فإن تراسلي مع ذلك النفر القليل لم يكن يستسلم لميكانيكية العادة بل لشروط وطقوس البوح الذي يؤهله تاريخ من الاطمئنان، والتجارب، والثقة في الهموم المشتركة، والأريحيَّة المتبادلة.  حين أكتب رسالة لا أفصل نفسي عن” الكاتب “فيَّ.  ما أعنيه هو أني أخفق في تقمص” لغة الرسائل “بالمعنى المنفعي للتعبير (بحيث أقول ”١+١=٢“)، ولا أستطيع كتابة رسالة براغماتيَّة.  قبل عصر الكمبيوتر كنت أبعث رسائلي بالبريد، أو عبر” القاصدالأمين“أو” القاصدالثقة“كما كان أسلافي يقولون هنا في عُمان، إلى أصدقائي ومن هم أعزاء لديَّ من دون الاحتفاظ بنسخ منها.  لكني تنبهت في حوالي منتصف الثمانينيات إلى أن من الأفضل أن أحتفظ بنسخ منها بتصويرها زنكوغرافيَّاً على اعتبار أنها وثائق، وشواهد محبة وشغف، وتذكارات خاصة للأرشيف الشخصي، وهي أيضاً — شئتُ أم أبيتُ — تتعالق مع تساؤلات وهواجس إبداعية، وسياسية، وثقافية عامة، وذلك على اعتبار أن معظم علاقاتي الوثيقة مقامة مع أناس يحملون نفس هذه الهموم والتفكرات.  على سبيل المثال بعثت في بداية الثمانينيات رسالة إلى أمين صالح (ولم أكن قد رأيته شخصياً في ذلك الحين، أعني خارج كتاباته)، وكانت الرسالة عبارة عن مغلف بني اللون كبير يحتوي على عدة مغلفات بيضاء أصغر حجماً موضوعة ومرتبة بطريقة نصب الشراك، حيث في كل مغلف هناك ورقة مكتوب عليها أن الرسالة” الحقيقية“موجودة في المغلف التالي، وهكذا حتى المغلف الأخير المليء بالرماد فحسب.  كيف يمكن لك أن تفعل هذا بالكمبيوتر؟  أعتقد أنك لا تستطيع.  خلال الفترة من ١٩٨٣ إلى ١٩٨٥ عشت فترة حرجة في حياتي كنت خلالها شبه مشلول عن الكتابة.  لا أعتقد أني استطعت” التعبير “عن تينك السنتين كما فعلت في رسالة لاعجة بعثتها إلى قاسم حدَّاد في ٨ سبتمبر ١٩٨٥.  إني سأعود بذاكرتي إلى أوائل السبعينيات حيث كنت ابن الشخص الوحيد الذي يقرأ ويكتب في القرية، وبالتالي فقد علمني القراءة والكتابة باكراً.  في ذلك الوقت كان هناك الكثير من أبناء قريتي مغتربين في البلدان الخليجية بغرض طلب الرزق، وكانت أسرهم تطلبني لكتابة رسائل لهم أو قراءة رسالة واردة لهم.  أتذكر واقعة معينة، فقد طلبتني” حُبوه أمُّون“(”الجدة آمنة“، بالفصحى) لكتابة رسالة إلى ولدها المهاجر في الكويت.  قالت لي:” اكتب له يبل راسه في الكويت ويحسّْنه في مجز“(أي أن يبلل رأسه في الكويت وأن يحلقه في مجز، وهي قريتنا)؛ فقلت لها ببراءة إن شعر رأسه سيجف في الرحلة الطويلة من الكويت إلى قريتنا الصغيرة، فضحكت وقالت:  اكتب ذلك في الرسالة وهو سيفهم!.  لم أكن أدرك حينها مغزى ذلك المثل البلدي والشيفرة المتبادلة بين الأم وولدها المغترب.
 
الشيء الثالث هو أني شخص عاطفي، وحنيني، ومنسحب نحو الداخل (بمعنى: introvert)، وطلليٌّ (بالمعنى الوارد في بداية المعلَّقات الجاهليَّة)، وانتحابيٌّ بكثير من المعاني، وذلك بسبب طبيعتي الشخصية والنحو الذي تأسست فيه ذاكرتي بطريقة لا أستطيع منها فكاكاً. ولذلك فإني لا أُحسن في بعض الأحوال التعبير عما أريد أن أقوله أو أفكر به من خلال الحديث المباشر أو المكالمات الهاتفية حتى وإن كانت طويلة.  ومن هنا فإن كتابة الرسائل هي القناة التي تناسب تركيبتي النفسيَّة أكثر.

 


*ألم تؤثر المراسلات الإلكترونية على هذا الأدب؟.  وكيف ترى” صورالإيميلات" مع الأصدقاء الذين تحرص على مراسلاتهم، وبخاصة أن ثمة ما طبع أو في طريقه للطباعة؟
**بلى، لقد أثَّرت المراسلات الإلكترونية على أدب الرسائل كثيراً لشديد الأسف، وبأكثر المعاني سوءاً؛ فمنطق الـ ”fast food“ الذرائعي قد تسلل إلى كل شيء وكل تفصيلة وجزئية في الحياة المعاصرة فأصبح يُسَرطِنُ حتى البوح وما كنا نسميه في ثقافتنا ”تجاذب أطراف الحديث“ ولو من خلال الكتابة.  لقد انتحر كل الحمام الزاجل في ما يسميه زيغمونت باومان” الحداثة السائلة“، وتكاد تكون مهنة ساعي البريد من محتويات المتاحف وتهكمات وسخريات الأجيال الجديدة التي طلعت إلى الحياة والانخراط في تجربة الوجود بضغطة زر تقريباً.  ضغطة الزر تلك هي الكارثة الكبيرة؛ وذلك بمعنى الاغتراب المطلق تقريباً، وهذا من كوارث ظهور النفط بصورة مفاجئة في هذه الرقعة من العالم، وما تبع ذلك من تسارع كئيب ومقيت على كافة الإيقاعات في هذه البلدان، وذلك من دون التوافر على نظام حماية ثقافي، أو قيمي، أو أخلاقي، أو إحساس حقيقي بالانتماء والهوية.
وسأصارحك أني أتأخر أحياناً في الرد على بعض الرسائل الإلكترونية الواردة إليّ منذ أن أنشأت بريداً إلكترونياً خاصاً بي في حوالي ١٩٩٨؛ وذلك لأن نظامي الوجداني الداخلي لم يهضم بعد آليات تقنية كتابة” الإيميل“ذات الصبغة العمليَّة الصارخة، وإنما لا تزال عظامي وأحشائي تتدفق عبر مزاج الرسائل.  كما تعلم فقد أصدرت كتابَيْ رسائل هما” صخرة عند المصب: مقاطع من رسائل حب“و“الفراغ الأبيض الذي سيلي: رسائل، الجزء الأول“، وأخطط أن يكون الجزء الثاني مختارات من إيميلات أنشأتها وبعثتها، ولكنها مكتوبة بحساسية الرسائل وليس بلغة” الإيميل“.

تحضرني دوماً جملة في غاية البارادوكسيَّة تقولها شخصية لشخصية أخرى في فيلم لم أعد للأسف أتذكر عنوانه أو اسم مخرجه، وتلك الجملة هي:” أيها الغريب لا تتركني وحيداً وترحل“.  وفي هذا فإني أود أن أشير هنا إلى تجربة إبداعية، وصداقية، وإنسانية، وأخلاقية مهمة مررت بها؛ فذات ليلة جاءني إيميل من وليد الشعيلي، وهو من الكتَّاب النوعيين الجدد هنا في عُمان، من دون أن أعرفه شخصياً.  رددتُ إلكترونياً على الشعيلي، وأخذنا نتبادل الرسائل بتصاعد تدرجي من العام ٢٠١٣ إلى العام ٢٠١٤.  في تلك الفترة تطورت صداقتنا، وتحاورنا حول الكثير من شؤون وشجون الحياة، والإبداع، والبلاد، بصورة بالغة الأريحيَّة، والثقة، والعفويَّة (وذلك كان غريباً جداً بالنسبة لي لجهة ريبتي المزمنة في الآخر وتخوفي وتوجساتي منه) وذلك عبر” الماسنجر“، بحيث استمر وقت التراسل (إرسالاً واستقبالاً) ذات مرة من الساعة الحادية عشر ليلاً حتى الساعة الثانية عشر من منتصف النهار التالي.  وبعد ذلك، حين التقينا ببعضنا البعض بصورة شخصية مباشرة لأول مرة انخرطنا في اللقاء باعتبارنا قد” خَبزنا وعجنَّا“بعضنا البعض لمدة مائة سنة في الأقل.  لاحقاً أصدر الشعيلي كتاباً بعنوان” أرجوك لا تَمُت: مراسلات إلكترونية متبادلة مع عبدالله حبيب“ ضمَّنها مختارات من مكاتباتنا تلك.  وليد الشعيلي اليوم واحد من أقرب أصدقائي وأعز زملائي، وإني مدين له في كل ما في الروح من شغاف بتلك التجربة الرسائليَّة العالية التي لا أظنها تحدث لمعظم البشر في كل يوم.

  *هل قدمت لك مواقع التواصل الاجتماعي – الكثيرة – بدائل عن المسودة الأدبية؟.
**أظن أنها — في حالتي الشخصية، في الأقل — فعلت العكس تماماً؛ فقد قامت بدور ”إحراق النص“ أكثر مما قامت بدور ”المسودة الأدبية“.  هناك شيء طازج، ونَزِق لدرجة الرعونة أحياناً، وفوري (وأقصد الثالث بالمعنى السلبي للكلمة) في وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك غواية منصوبة كفخ تصعب مقاومتها خاصة في لحظات الغضب والانفعال التي قد تؤدي إلى عواقب وخيمة.   هناك حالة شبه إدمانيَّة؛ فأنت، وأنا، وغيرنا أقسمنا أكثر من مرة بأننا سنودع” الفيسبوك“إلى الأبد، لكننا لا نلبث أن نحنث ونعود.  أتذكر دوماً مقولة هيغل في” فلسفةالتاريخ“بأن علينا ألا نثق في” الوسيط“(meduim) أبداً؛ لأننا في الوقت الذي نظن فيه أن ذلك” الوسيط“يشكل أداة، أو جسراً، أو وسيلة فإنه إنما يشكل، في الحقيقة، طريقة تفكير، وطريقة تعبير. أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعلنا ننخرط في” القطيع“الذي حذَّر منه نيتشه.

*  هل ترى نفسك خارج كل الأطر والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية،  أم أن هناك من حبلاً من "الود السريري" مع بعضها على الأٌقل بالرغم من أنك من المثقفين القلائل الذين اصطدموا بها في منعرجات ومنعطفات فيها الكثير من الشدة والبأس وأحيانا بعض اللين؟.
**على سبيل الافتراض، لو حدث أنني نسيت بالكامل كل ما كتب إدوارد سعيد فإنني سأظل دوماً أتذكر جملته البسيطة والثاقبة معاً:  ”مهمة المثقف هي قول الحقيقة للسلطة“.  لكن، على صعيد آخر، وهو صعيد أقل نظريَّة، فأنا إذا ما عدتُ بالذاكرة إلى سنين تشكلي الأولى فيما يخصني شخصياً فإنني أستطيع أن أقول لك بصورة ليس فيها أدنى مبالغة إني، ومنذ أن كنت في الثالثة عشر من العمر، حسمت أمري مع السلطة والمؤسسة، وحاولت قول حقيقتي لنفسي وللآخرين.  لم يحدث ذلك بسبب إلهام أو وحي من السماء، أو نتيجة لقراءة ماركس أو لينين مثلاً، ولا بسبب الانخراط في تجربة ثورية بالمعنى الحزبي أو التنظيمي للتعبير، إلخ، وإنما بسبب العيش الكئيب في مناخ بطريركي خانق وكابوسي بالكامل ولمدة ٢٤ ساعة في اليوم: في البيت كان البطريرك أبي يمارس مختلف صنوف العسف والاضطهاد المعنوي والبدني.  في الطريق إلى المدرسة الابتدائية كان ذات البطريرك معي في نفس السيارة، وكان يمارس عقوباته من باب التسلية (” عَالماشي“كما يقولون).  بعد الوصول إلى المدرسة كان البطريرك مُدَرِّسي لمادة التربية الدينية، وكان هناك دور الحشو، والتلقين، وإلغاء أية احتمالية لتطوير مَلَكَة نقدية، والعقوبة الجسدية كذلك.  في مسجد القرية كان ذات البطريرك رمزاً للعنف الإيديولوجي باعتباره إماماً وخطيباً لا يتورع حتى من أن يشتمني ويُشَهِّر بي في خُطب الجمعة (في مخالفات شرعية صريحة من حيث افتراض أن تكون تلك الخُطب الجمعة مكرسة لمناقشة أمور عامة تهم البلاد والعباد).  وكان البطريرك في تجربتي المبكرة مع العمل هو الرأسمالي الجشع منذ البداية، حيث كان عليّ العمل في مزرعته (ومع أن ذلك لم يكن من قبيل السخرة، وإنما من باب التدريب على العمل اليدوي كحال الأمر في مجتمعنا في السبعينيات، إلا ان السياق الجاثومي العام كان مدموغاً بطابع السلطة).  بهذا لم تترك لي السلطة، ممثلة في البطريرك، سنتيمتراً واحداً ولا لحظة واحدة كي أستطيع التنفس بهدوء في غمرة تكالبها عليَّ من كل الجهات وفي كل الأوقات.

منذ ذلك الحين المبكر اقتنعت ومارست” المسافة صفر“مع المؤسسة والنظام البطريركي الخانق، وسأزعم اني تمردت على الكثير من تجلياتها وتجسيداتها؛ فإذا كان ميشيل فوكو يقول” السلطة في كل مكان “فإنه يقول أيضاً” حيثما وُجدت السلطة وُجدت المقاومة“.  أظن أن ذلك كان ولا يزال ديدني.  وكلّا ليس هناك لين.  أتفكر في أن المرء يصير رهناً للسلطة منذ اليوم الأول في وجوده على الأرض وذلك عبر شهادة الميلاد التي تصدرها المنشأة الصحية الحكومية التي رأى فيها المرء النور لأول مرة حتى من دون أن يعي ما حدث.  ماذا يعني ذلك؟  إنه يعني ببساطة أن السلطة تجثم علينا منذُ أول نَفَسٍ في أول يوم من وجودنا على هذه الفانية.  هذا أمر فظيع حين تتفكر فيه مليَّاً.  أتفكر دوماً وأنا أسوق سيارتي أنها تحمل لوحة أرقام أصدرتها الشرطة التي هي من الأجهزة الأمنية للدولة.  ماذا يعني ذلك؟  إنه يعني، ببساطة شديدة، أنه حتى حركتي من النقطة أ” إلى النقطة” ب“ممهورة بعلامة السلطة وختمها.  هذا شيء رهيب فعلاً.

*  لا تتوقف عن توجيه النقد للسلطات الرسمية في بلادك وفي دول الخليج عموماً عبر مواقع التواصل الاجتماعي.  هل ترى الوضع ميؤوساً منه، وأن عاصفة ما في طريقها أيضاً إلى هناك؟.
**أعتقد إنني مؤمن بمقولة غرامشي الشهيرة ”تفاؤل الإرادة وتشاؤم الفكر“.  قد أقول لك الليلة نتيجة لإحباط عارم إن الوضع ميؤوس منه بسبب مشاهدة نشرات الأخبار وقراءة الصحف اليومية بكل ما فيها من مآس وأهوال.  لكني قد أقول لك غداً إن الوضع ليس ميؤوساً منه بالكامل.  سأصارحك أني شخص سوداوي ومتشائم بسبب تاريخي الشخصي وكذلك حساسيتي الذاتية، ولكن كيف لي أن أُسقط هذا على المستقبل؟  ذلك مستحيل.  الجيل الجديد يناضل ضد السلطة بطريقته ووفق رؤاه وأدواته المختلفة.  الطبيعي في الحياة والتاريخ هو مقاومة السلطة بمختلف السبل والطرق، وليس الخضوع لها؛ فتاريخ البشر مبني على المقاومة وليس على الإذعان.
 
* غالباً ما تعقد مقارنات بصرية في طبيعة عُمان مع أفلام لتاركوفسكي وبريسون وسواهما. أين تجد تكثيفاً حسياً وعاطفياً في هذه الانشغالات؟

**فيما يخص ذلك أشعر بميل نحو بازوليني أكثر من تاركوفسكي وبريسون.  يتعلق الأمر بـ“السينما الشعرية“التي قطعاً لا يمكن تعريفها بصورة جامعة مانعة، كما لا يمكن تعريف الشعر ذاته.  تاركوفسكي وبريسون” يفعلان“الشعر في سينماهما دون الالتفات إلى  ضرورة تحديد هويته بصورة نظرية (وفي الحقيقة فإن تاركوفسكي في كتابه ”النحت في الزمن:  تأملات في السينما“ يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ أي دحض مفهوم ”النوع السينمائي“ (genre) برمّته قائلاً، على سبيل المثال لا الحصر، إن النوع السينمائي لبريسون هو بريسون، وإن النوع السينمائي لبازوليني هو باروليني).  لكن على عكس بريسون وتاركوفسكي فإن بازوليني يحاور الأمور من منطلق نظري أكثر؛ فهو عضو سابق في الحزب الشيوعي الإيطالي لكنه ظل متمسكاً بشيوعيَّة غير تقليدية خاصة به حتى النهاية.  وهو غرامشيٌّ حتى النخاع (لا تنسَ مجموعته الشعرية الفريدة في الشعر الإيطالي الحديث” رماد غرامشي“).  وهو من أوائل من ناقشوا أطروحات كريستيان ميتز حول سيميولوجيا السينما.  وهو شبه متصوف إلى درجة قوله إن العقل يستطيع أن يفسر الأشياء إلى درجة معينة فقط، لكنه ينسحب بعد ذلك لصالح الغموض.  وهو فرويديٌّ أيضاً (في البال طبعاً فيلمه” أوديب ملكاً“).  وهو حسِّيٌ لدرجة البورنوغرافيا تقريباً (كما في” ثلاثية الحياة“).  بهذا المعنى فإن بازوليني أكثر قرباً إليّ من الناحية التنظيرية في سياق السؤال الذي طرحتَ.  إنه، على سبيل المثال لا الحصر، يحاجج أن السينما هي” القديم“: الوجه القديم، والمكان القديم. وفي هذا فقد لفت انتباهي قبل سنوات أن السينمائيين العُمانيين الشباب يصورون أفلامهم في” مسفاة العبريين“، وهي قرية عمانية” قديمة“ (بكافة المقاييس) في المنطقة الداخلية من عُمان، وتدور أفلامهم حول موضوعات ”قديمة“ فيها وجوه ”قديمة“ وموضوعات ”قديمة“.  استبشرت خيراً في البداية لجهة تناغم هذا مع تنظيرات بازوليني، لكني رأيت، مع مرور الوقت، أن الأمر قد أصبح ما يشبه الصورة المنمطة تتناغم فيها السينما العُمانية الشابة مع خطاب المؤسسة الذي يحاول دوماً أن يلهينا ويزيغ انتباهنا عن استحقاقات ومتطلبات الحاضر الحداثيّة، وذلك بتكريس فكرة أننا شعب” قديم“و“عريق“وعلينا أن نبقى في متحف التاريخ ولا نتحدث عن استحقاقات الحاضر من قبيل الديموقراطية، وحرية التفكير والتعبير، والتعددية السياسية.

*  عبدالله حبيب أنت مخرج سينمائي "مقلّْ ". اكتفيت ببضعة أفلام تجريبية قصيرة، لماذا؟  هل  نفدت البطاريات أم أن هناك تحيُّناً لفرص نادرة؟.
**لديَّ مفاجأة صغيرة لك وأظن أنها ستسعدك، ولكن قبل الإفصاح عنها اسمح لي أن أقول التالي.  لا يتعلق الأمر بنفاد البطاريات أو غيره بل يخص الأمر شيئين جوهريين.
الأول هو أن السينما مشروع جماعي وبالتالي فإنها تتطلب العمل مع آخرين، وأنا بتركيبتي الشخصية والنفسية أنفر من الآخر وأجفل من التعامل معه.  العزاء الذي تمنحه الكتابة هو أنها المهنة الأكثر وحدة ووحشة في العالم، وهذا يروق لمزاجي الذاتي أكثر فأنا لا أتوافر على المهارات واللباقات المطلوبة للتعامل مع فريق.

أما الشيء الثاني هو أنه قبل انتهاء حقبة الانتاج السينمائي بالوسائل التقليدية لم تكن عُمان تتوافر على الحد الأدنى من البنية السينمائية التحتية.  وحين كنت في الولايات المتحدة اخترت أن يكون مجال دراستي العليا النظرية والنقد السينمائيين لذات الأسباب ولأسباب أخرى أيضاً ليس هذا مقام مقالها (وصديقي التشكيلي والمترجم الفلسطيني زاهي خميس ما انفكّ يعاتبني على ذلك لغاية اليوم).  لكن الثورة الهائلة الناجمة عن تقديم الكاميرا الرقمية غيرت كل شيء.  لكن الوجه الآخر للعملة هو أني لا أملك أياً من تلك التجهيزات الحديثة.
 
قبل حوالي خمس أو ست سنوات أنجزت كتابة سيناريو فيلم روائي تجريبي قصير، وقد ذهبت بذلك السيناريو إلى خمسة أو ستة من المخرجين السينمائيين العمانيين الشباب بغرض إخراجه، ولكنهم اعتذروا جميعاً لأسباب بعضها وجيه، وبعضها لا أستطيع فهمه لغاية الآن خارج الخوف من التعامل مع” شخص مشبوه“و“موضوعات مشبوهة“.  لكن” رُبَّ ضارة نافعة“كما يقولون؛ فمع كل اعتذار من الزملاء كنت أراجع السيناريو وأعيد كتابته ليس على أمل إنجازه سينمائياً من الناحية الفعلية، بل بغرض تجويده فنياً فحسب في انتظار فرصة على طريقة” في انتظار غودو“.  لكن في فترة السجن تولد لدي عناد عارم، وقد كنت أستحضر تجربة يلماز غوني في إخراج” يول“وهو في السجن، فصار لدي إصرار على إنجاز الفيلم عملياً.  وهكذا أعدت تنقيح السيناريو للمرة الأخيرة (في رأسي فقط على اعتبار أن السيناريو لم يكن معي طبعاً، وكان السجناء ينظرون إليّ بريبة عقليَّة وأنا أرسم الكادر بذراعيّ، مغمضاً إحدى عيني، متخيلاً المشهد).  وفي أول يوم من الإفراج، وأنا أخطو خطواتي الأولى خارج السجن قلت في نفسي:” أول شيء عليَّ فعله الآن هو إنجاز الفيلم الذي تعطل أكثر مما ينبغي“. وبالفعل بعد حوالي أسبوع من النقاهة، والتغذية الجيدة، وإجراء بعض الفحوص الطبية اللازمة هاتفت المخرج المسرحي مالك المسلماني الذي هو في الوقت نفسه صاحب شركة” أكاسيا“للإنتاج الفني، وفاتحته في أمر الفيلم فأبدى ترحيباً كبيراً واضعاً كل الإمكانيات البشرية والتقنية التي بحوزته في صالح المشروع، وذلك بعد أن قرأ السيناريو واقتنع به.  عليَّ قول الكثير عن هذه التجربة في وقت لاحق لكني سأتحدث عنها اختصاراً الآن؛ فقد كانت تجربتي مع فريق” أكاسيا“في غاية النبل، والإنسانية، والمهنية، بحيث أن ذلك الفريق المتجانس قد بدد مخاوفي من التعامل مع” الآخر“في العمل السينمائي.  لقد شكلنا ما يشبه” الكوميون“، وكانوا في منتهى الرفعة.  لقد تحول العمل إلى ورشة سينمائية، فمثلاً المونتير سالم الشكيلي وأنا كنا نسهر حتى الفجر، وكنا ننجز ما معدله دقيقة واحدة (مونتاج نهائي) مقابل كل يوم عمل (تصوير).  وفي الاستراحات التي كنا نأخذها كان سالم يعرّفني إلى التقنيات الرقمية الحديثة في المونتاج، بينما كنت أحدثه عن تطور نظرية المونتاج.  لقد كنا نعلّم ونتعلم من بعضنا البعض.  لقد فهمت أخيراً لماذا أخذ فاسبندر كافة الأشخاص الذين عملوا معه في فريقه المسرحي الطليعي حين انتقل إلى السينما: فريق العمل المتجانس والمتفاني.  إنني في غاية الامتنان لذلك الفريق الذي عمل معي في إنجاز فيلم” أصابع (فيلم شخصي) “، ولا بد أن أذكرهم فرداً فرداً تعبيراً عن امتناني العميق: عهود

عبد العزيز، سارة البلوشي، أحمد الشكيلي، محمد البيماني، سامح الحوسني، ديف داس، أسعد الرئيسي، سالم الشكيلي، وطبعاً مالك المسلماني الذي، إضافة إلى كونه صاحب شركة الإنتاج، ساعدني في الإخراج أيضاً.

         
*أنت تكتب بغزارة في كل شيء تقريباً، وتترجم، ولك مؤلفات عديدة وناشط على مواقع التواصل الاجتماعي.  كيف تجد الوقت لكل ذلك؟

**كلا، لا ”أكتب بغزارة في كل شيء تقريباً“، وأظن أن الصياغة اللغوية بهذا الشكل في سؤالك تذهب إلى الذم أكثر من الإطراء.  قد أكون كاتباً متعدداً، وهذا ليس خياراً ولا قراراً بل ما يشبه المصيبة.  يتعلق الأمر باللحظة الشعورية الواعية، أو حتى اللاواعية في تحديد هوية ما أكتب.  الذاكرة الثقافية أيضاً تقوم بدورها؛ بمعنى أنني، مثلاً، لو رأيت مشهداً سينمائياً” يجرحني“(بالمعنى الجمالي للتعبير) فإنني قد ألجأ إلى إعادة إنتاج شخصي يأتي شعراً أو نثراً على ذلك المشهد انطلاقاً من حصيلتي المعرفية واجتهادي في الغربلة.  كتبتُ، مثلاً، نصَّاً شعرياً مبنيَّاً على لقطة خاطفة معينة تَرِدُ في أحد مشاهد فيلم” النافذةالخلفية“لهيتشكوك تعالقت مع إحساس ما كان يمر بي بصورة شخصية في فترة مشاهدة الفيلم، كما يحضر تاركوفسكي في نص آخر أو أكثر.  هكذا أفهم تجربة الانخراط في العالم والوجود.  لكني سأعترف لك أن هناك حالات لا يمكن التعبير عنها (هذا إذا كان” التعبير“هو الكلمة الصائبة هنا) إلا من خلال الشعر فقط مهما تشابه الوجداني مع السينمائي؛ فالشعر هو” ذاك الذي لا يمكن قوله بطريقة أخرى“كما يقول أدونيس.  خذ على سبيل المثال مجموعتي/ نصّي الشعري” فاطْمَه“؛ فهذا النص لا يمكن أن يكون إلا شعراً.  لا يمكن أن يكون قصة قصيرة، ولا مقالة تأملية، ولا نصاً مفتوحاً، ولا أي شيء آخر.  المضمون يفرض نفسه على الشكل.
     
*في كتابك ”قنديل بعيد عن الشمس“ تستحضر وجوهاً رحلت، ووجوهاً بعضها باق معنا. هل هو الأسى ما يدفعك إلى جمع هذه الشهادات وخاصة أن رائحة نعي تفوح منها بخصوص الباقين؟
**مرة أخرى:  نعم.  هي طبيعتي الشخصية المجبولة على الحنين، والفقد، والانتحاب، والاحساس باليتم والضياع.  أكتب عمن رحلوا من العالم أو غادروا حياتي بصورة أفضل مما أستطيع الكتابة عن الذين لا يزالون معي.  قبل” قنديل بعيد الشمس“كنت قد أصدرت كتاباً مشابهاً هو” رحيل“وفيه نصوص عن راحلين من الناس” العاديين“الذين لا يعبأ بهم أحد.  في هذا الإطار سأقول لك إن قريتي الساحلية التي ولدت فيها وترعرعت قد تغيرت لدرجة الإمحاء الكامل وذلك بسبب مشروع الطريق الساحلي الذي سيربط العاصمة مسقط بآخر الحدود الشمالية للبلاد.  حين أزور قريتي على فترات متباعدة منذ بدء إزالة البيوت بالبلدوزرات والآليات المختصة بذلك كنت أرى اختفاءها التدرجي، وكنت أرى أمام عيني تقريباً عظام راحلين الذين كنت أعرفهم وترتبط طفولتي بهم وهي ترتعش في اللحود.  أتذكر هذه الجملة من جان جينيه:” كل تاريخ الأدب تاريخٌ للحنين“، ولكل منا حنينه الخاص.  فيلم تاركوفسكي ما قبل الأخير” حنين“فيه مسألة لغوية قد لا تتضح لكثيرين وهي إضافة حرف الـ ”h“ في الكلمة الانجليزية للعنوان هكذا:  ”“Nostalghia“ وليس ”Nostalgia“، وذلك من حيث أن الأولى تعني نوعاً معيناً من الحنين:  إنه حنين المرء إلى وطنه بعد مغادرته إياه طوعاً أو كراهية.

*  أعلنت عن مفاجأتين خاصتين بك على صفحتك في " فايس بوك ”، وهما فيلماك القصيران  ”هذا ليس غليونا“ و“حلم" اللذان احتفظ بهما الصديق مسعود أمر الله آل علي 29 عاماً. هل تشعر بالغبن الآن أنهما لم يعرضا أبداً بشكل يليق بهما في عُمان؟.
**هناك عدة أشياء ينبغي ذكرها هنا.  من تلك الأشياء أني في ذلك الوقت لم أكن أشعر بـ“الغبن“بالضبط، ولكن بـ” الاستياء“، خاصة وإن” هذا ليس غليوناً“فاز بالجائزة الفضية في مسابقة المجمع الثقافي في أبوظبي، وعرض في الولايات المتحدة.  لكن، في المقابل، لم تكن هناك جمعية عُمانية للسينما في حيز الوجود، والتي لو كانت موجودة فربما كانت ستتبنى عرضاً لأحد الفيلمين أو كليهما، أو أنها كانت ستتبرأ منهما معاً (وهذا وارد بالنظر إلى عقليات أولئك القائمين والقيِّمين، ولا يزالون، على الشأن السينمائي في بلادنا).  لكن هناك ما هو أسوأ؛ فما حدث هو أني كنت قد انتخبتُ بالإجماع عضواً في اللجنة التأسيسية للسينما في مجلس التعاون لدول الخليج العربية في إثر انعقاد المهرجان الأول للسينما الخليجية في الشارقة (١٩٩٤) وهي لجنة ad hoc، وقد كان من أهداف اللجنة العمل على تأسيس كيانات أو هيئات سينمائية في المنطقة.  وبهذه الصفة صرت أراجع المسؤولين العُمانيين في الدوائر الثقافية بغرض العمل على إنشاء جمعية عُمانية للسينما (وهناك زملاء عُمانيون من أهل السينما قد سبقوني في ذلك بالتأكيد، إنما أنا آتٍ بتكليف رسمي من اللجنة التأسيسية)، وذلك أكثر من اهتمامي بعرض أفلامي، فكان الرد تسويفياً ومماطلاً.  في الحقيقة فإني حين أتذكر تلك السنوات أشعر بشيء من قبيل الهباء أو العدم؛ إذ أن مقتضيات الديكور الثقافي تتكفل بأن تقوم المؤسسة بفعل ما تريد من أقصى ضروب الحداثة في” الوقت المناسب“(أي حسب اعتباراتها)، وبشرط أن تكون أزلامها وعناصرها هي من تقوم بذلك وفقاً للمخطط والمرغوب فيه آنيَّاً ومرحليَّاً للامتصاص، والاستيعاب، والإفراز؛ فالسلطة لديها مخزن كبير للوجوه وللتكتيكات.  مرة أخرى، وفي المحصلة النهائية للأمر، ليس لدي شعور بالغبن، وإنما بالاستياء فحسب.  وهو ليس الاستياء الوحيد في كل الأحوال.
   
   
*أين تجد نفسك بعد كل هذه "المساءلات" السينمائية، والأدبية، والفلسفية، والشعرية؟.
**أجد نفسي في ضياعها، وتشتتها، وعدم قدرتها علـى القبض على أي شيء تقريباً، والاكتفاء عوضاً عن ذلك بالاندفاع إلى أقصى حد ممكن في رحلة المحاولة.  الوصول ليس الغاية بل إن الطريق هو الهدف.  هذا الكلام ليس بلاغيَّاً أو ابتزازيَّا من الناحية العاطفيّة، بقدر ما هو استسلام لأمر واقع لا أستطيع أن أفعل حياله أي شيء.  لغابرييل غارسيا ماركيز عبارة يذهب فيها إلى أنه” إذا استطعت أن تحيا من غير أن تكتب فلا تكتب“، وأنا بالفعل وبالضبط ليس فقط أني لا أستطيع أن أحيا من دون أن أكتب، ولكني أعلل النفس بأنه لا جدوى في الموت ما دمت قادراً على الكتابة.  تفكرت أكثر من مرة في العودة إلى الدراجات النارية الرياضية (اسمها” ترل “في دارجتنا) فقد كان لديَّ بعض البلاء الحسن في يفوعي من ناحية القيادة على العجلة الخلفية بينما العجلة الأمامية صاعدة نحو السماء لمسافة لا بأس بها، وكذلك” القفزالحر“بمعنى أن تكون طائراً في الهواء على دراجتك النارية وتقفز كالبهلوان فوق سيارة أو أكثر، لكني أتراجع عن ذلك.  سأفترض أن لدي” غشتالت“شعري للوجود والأشياء، وسأقول بناء على ذلك ان كل محاولاتي في الحياة والكتابة تنبثق من ذلك النسغ.

  
*هل العزلة التي تعيشها دواء تستطب به أم أنها تقييدات مؤقتة للزمن كي تنجز أكبر قدر من مشروعك قبل أن تتحرر نهائيا من السلطة كأداة مفاهيمية وليس فقط كمصطلح واقعي؟.
**أعتقد أن هناك بون شاسع بين "الوحدة" و"العزلة"؛ ففي تصوري أن  الوحدة حالة فيزيائية، ومكانية، وجامدة، وسكونية، وقد تكون محايدة، وقد لا تكون أنطولوجية  بالضرورة.  أما الثانية (العزلة) فهي حالة وجودية، وروحية، وإبداعية، ومتدفقة، ومتفجرة، ولا يمكن أبداً أن تكون محايدة، ولا يمكن أبداً إلا أن تكون أنطولوجية.  
في تجربتي البسيطة في الحياة والإبداع عشت عدة حالات من العزلة (العزلة مع الذات، العزلة في الذات، العزلة هروباً من الذات، العزلة بحثاً عن الذات، العزلة حفاظاً على الذات، العزلة استكشافاً واختباراً للذات، العزلة في محاولة لإعادة بناء الذات، العزلة محواً للذات، العزلة باعتبارها الذات، العزلة مع الآخر، العزلة والآخر، العزلة بالآخر، العزلة في الآخر، العزلة على الرغم من الآخر، العزلة من دون الآخر، العزلة من أجل الآخر، العزلة بسبب الآخر، العزلة بوصفها الآخر، العزلة ضد الآخر، العزلة باعتبارها وحدة، الوحدة بوصفها عزلة، الوحدة والعزلة باعتبارهما الأنا، إلخ).  وفي كل تلك الحالات، وغيرها، كان العالم وأشياؤه الكثيرة يخترقني بالكامل، وكنت وحيداً تماماً في ذات الوقت، وكنت أشعر أنني هش للغاية، وقوي جداً في نفس اللحظة.  إنها حالات يصير فيها المهد لحداً، واللحد مهداً، وجناح فراشة النار جبلاً، والعكس.

ترتبط عزلتي بدرجات متطرفة من الصمت الذي بدوره يختلف تماماً عن السكوت على الرغم من تشابههما الظاهري، حيث في تصوري أن السكوت معادل للوحدة، بينما الصمت معادل للعزلة.  قد تستغرب مثلاً أنه على الرغم من اهتماماتي التي تعرف فقد قضيت سنوات طويلة من دون الاشتراك في أية قناة تلفزيونية إبان دراستي في الولايات المتحدة، وكان وجود جهاز التلفزيون لديّ مرتبطاً فقط بجهازَيْ الفيديو والـ "دي في دي" حين أحتاج إليهما لأغراض دراسية أو تثقيفية ذاتية، أما الأخبار فقد كنت أتابعها عبر طريقة أقدم بكثير من التلفزيون هي الصحف.  كما يمكن أن تنقضي مدة طويلة من دون أن أتحدث عبر جهاز الهاتف.

وفي عزلتي أعيش الأشياء بطريقة مكثفة ومتوترة معاً (القراءة، الكتابة، الصمت، التأمل، التذكر، الشك، الحدوس، الانكسار الاستشراف، الاكتئاب، الحزن، الحنين، الندم، الوجد، الرغبة، العشق، الغضب، الوله، الوجود، التلاشي، اللاشيء)، وأرى في استغراقي في هذه الحالة أن جوهر الأشخاص والأشياء يكون متاحاً لي (سلباً أو إيجاباً) تماماً كما في قول الناس في مختلف صروف الحياة اليومية والعامة إنهم لم يعرفوا قيمة الشخص (أو ماهيته)، أو الشيء (أو ماهيته)، إلا حين فقدوه، أو غاب عنهم، أو غابوا عنه.
 
وفي عزلتي "ألتقي" بصورة أكثر حميمية وعمقاً، أو أكثر شراسة وحدّة، بأشخاص يعنوني كثيراً، أو لا يعنوني إلا قليلاً جداً، على صعيد شخصي أو فكري.  وغالباً ما أصاب بالذهول الفظيع، أو الحنق الشديد، أو الحنان المفرط، حين تجعل العزلة ذاكرتي ملحّة وقاسية في استحضار، وأحياناً تضخيم، تفاصيل صغيرة – خاصة فيما يتعلق بالشأن الشخصي -- ما كنت لأحسب أبداً أن الذاكرة قد وجدت وقتاً ومكاناً لدسّها في صناديقها، وأحماضاً ومحاليل في مختبراتها، لمعالجتها والعمل على تشكيلها وإعادة تشكيلها طوال كل ذلك الوقت وعلى ذلك النحو.  ولذلك ترتبط عزلتي أحياناً بطقوس سينمائية كالانخراط في "مونولوغات" طويلة، أو الاشتراك في حوارات متخيلة جادة، والغناء، والكلام، بصوت عال، ومحاكاة الأصوات والحركات بطريقة تجويدية أو ساخرة.  هكذا يتحول المكان الصغير الذي أوجد فيه لوحدي إلى مسرح كبير.

العزلة حالة برزخية خاصة، فأنت تكون فيها جسداً وروحاً على الحافة تماماً مثل تفاحة سقطت لكنها لن تصل إلى نيوتن على الإطلاق؛ إنك تدمى وتتبرعم على شفرة الهاوية بالضبط.  ربما لذلك دائماً ما تحضرني في عزلتي الأسئلة التالية: ترى ماذا يفعل العزيز فلان أو العزيزة فلانة في هذه اللحظة من عمر العالم والوجود؟  هل انقلب العزيز فلان أو العزيزة فلانة على جنبه أو جنبها الآخر في القبر الآن؟  ترى هل أحضر في ذاكرة ذلك العزيز أو تلك العزيزة من البشر الأحياء في هذه اللحظة من الزمن؟   وماذا عساه يحدث في المكان العلاني في هذه اللحظة من التاريخ؟  وأشعر، حين تنتابني هذه الأسئلة ومثيلاتها التي أطلق لها كل العنان، أني أعيش لوحدي في كوكب بعيد جداً عن كوكب الأرض الذي يقطن فيه من حضروني إلى الحد الذي جعلني أتساءل عنهم.
 

تعليقاتكم

أضف تعليقك