فوتوماتون: الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

فوتوماتون: الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي
لم يعد الأب على قيد الحياة. لقد فارقها بعد شهور من دخوله الغيبوبة (الكوما) قبل عامين، لكن سيكون بمقدوري طرح السؤال على الأم حين ألتقيها قريباً في طهران. في كل الأحوال هي من ألبستني هذا الفستان المزركش وأنا في الثانية من عمري، وسرَّحت لي شعري على نحو مشابه للفتيات.

 وإن أردت أن أكون دقيقاً، فإن ذلك حدث في بغداد قبل ٤٥ عاماً على وجه التحديد. وليس إلا بضع سنوات قليلة وأحتفي بمرور نصف قرن على التقاط هذه الصورة التي صارت تحمل معنى آخر عندي بعد ولادة ابنتي الثانية (غزل) قبل عام ونصف، وأحسب أنه سيكون من الصعب على الآخرين التمييز بين صورتي، وصورة فوتوغرافية لها بنفس التسريحة.
 
في العام ١٩٨٢ تمَّ ترحيل عائلتي إلى إيران، وشكَّل هذا الحدث المأساوي في تاريخي الشخصي، وفي تاريخ العائلة صدمة كبيرة، وأعتقد أن هذا الحدث حرمني تماماً من طرح أي سؤال يتعلق بتفاصيل صورة فوتوغرافية – عادية في الظروف العادية - هي الأقدم في ألبومي الشخصي، والأحبُّ إلى قلبي، إذ  لطالما "تألقت" الأم في سرد التفاصيل المهولة لما حدث لنا أثناء التهجير، وصارت تكتسب الحكاية ألقاً مضاعفاً وأبعاداً تراجيدية أكثر حين يشاركنا الإنصات شقيقاي  ياسر وأمل، وهما قد ولدا بعد التهجير بأعوام قليلة، لكن الأم ظلت تتحاشى سرد حكايات عن حياتنا البغدادية - بما فيها - صورتي هذه وأنا أرتدي فستان الإناث، وصورة أخرى وأنا ممسك بالسكين لاقتسام كعكة عيد الميلاد.

ربما يغري استذكار تلك الحياة الهانئة بالتشبث بوهم العودة إلى فردوس مفقود. لعلها القناعة الضمنية المشتركة لدى أفراد العائلة: مسقط الرأس ماضيه فردوس، وحاضره دم وخرائب، وكل التفاصيل اللازمة لتأثيث جحيم يفوق في بشاعته جحيم السرديات الغيبية.
 

تعليقاتكم

أضف تعليقك