صلاح عبدون: عطيل اليمني الذي لم يُتح له أن يحلل شيفرة شكسبير أبداً

صلاح عبدون: عطيل اليمني الذي لم يُتح له أن يحلل شيفرة شكسبير أبداً
اليوم يجيء من اليمن من يخبر بأن صلاح سالم أحمد عبدون قد غدر به قلبه قبل حوالي شهرين (17 نوفمبر 2018)، كما يغدر بكثيرين في المنعطفات الصعبة.

بلاد صلاح تتعرض للغدر والقتل وإعادة انتاج وترسيم التخلف حتى تتباطأ فيها القلوب حد التوقف الاجباري عن ضخ الدم في عروق ساكنيها وتموت بخشونة، كما هي يد القاتل خشنة وقاسية.

صلاح كان مخرجاً وممثلاً مسرحياً، لكنه لم يعمل في مهنته أبداً. اليمن السعيد الذي لم يعد سعيداً لا يحتاج للفن. ولا يحتاج لدارسي الفن. ليس لأن أهل اليمن يكرهون الفن. بالعكس كنَّا نشعر أن كل اليمنيين في جلسات القات العلنية التي حضرناها معهم في صوفيا فنانين وشعراء ويحملون غضبهم ومرحهم وآلامهم في نفس القالب العصي على الكسر، لكن البلد الذي يغلي على فوهة بركان خامد منذ الأزل مصمم بحسب جيرته لأن يظل البركان خامداً في حلوق سكانه وناسه من الأزل للأزل، أو حتى تنفذ الرؤيا من غلاصم وحش الصحراء الذي يقيم على حدوده.

اكتفى صلاح سالم أحمد عبدون - كما كان يحب أن يقدم نفسه باسمه كاملاً - بشهادة تخرجه من المعهد العالي للسينما والعلوم المسرحية في صوفيا، والأعمال الطلابية التي قام بها أثناء دراسته وتلك الاسكتشات التي دفعت جميع من حوله للإيمان بموهبة مسرحية طاغية وعاصية وقلقة تؤكد هويتها وتنفيها في نفس الوقت. حتى معلمه البروفيسور الراحل ساشو ستويانوف كان يدرك موهبته الفذة ببصيرة ثاقبة ويرعاه ويغض النظر عن أخطائه التي كان يراكمها بشكل مستفز ويشعل بها البيت والمعهد أحياناً بسبب عناده الفطري ومراسه الصعب.

في بلاده الفقيرة والمفقرة عمل ابن عبدون فلاحاً في أرض عائلته في قرية الخدد (محافظة لحج)، وفي خواتيم حياته القصيرة عاملاً عادياً في معمل للطوب، كما فهمت من رسالة الصديق اليمني الذي أرسل الخبر. وصلاح هنا لا يفعل شيئاً زائداً عن ونس الطبيعة الأقصى في تلقيمه عناصرها وهداياها ومفرداتها الصعبة بعد أن أقصته من المسرح الذي يحب ويهوى ويعشق حد الذوبان. هو يختصر شيئاً من مأساة بلاده العصية على الفهم وعلى التاريخ دون أن يعطي أبعاداً للحكاية برمتها، ويتركها على غموضها وسجيتها، وإن أراد المرء المثقف أن يبحث عن بعد تراجيدي في قصة ما، يمكنه أن ينبش في سيرة صلاح أحمد سالم عبدون عن أبعاد لا نهايات لها، وتكفي لأن تمتد وتوغل في مأساة بلاد بأكملها تتحول إلى غابات قاحلة منسية وفاشلة.

كيف تنسى بلاده ممثلاً بموهبته. أو كيف تنساه بلاده؟
ليس السؤال في محله أبداً، فاليمن الذي ظلَّ سعيداً في مخيلة العرب الشفوية لم يكن يوماً إلا فرساً من نار ودخان، ومن يدخل في أعماق المخيلة التي نأت بأصحابها عن التخييل يعرف أن المسرح هنا لا إقامة له بيننا. المسرح أداة "كريهة" للكشف عن الأقنعة. والعرب لاتنزع أقنعتها أبداً. لاتزيلها ولاتقصيها وتحتفي بها في الشارع والمدرسة والعائلة والجامعة وكلية طب الأسنان والمخبز الآلي ودار الأوبرا والكليات الحربية ورياض الأطفال وملاعب كرة القدم الخ، فلم سيغضب صلاح سالم أحمد عبدون إن لم يمارس عشقه بالطريقة التي أوصلته إلى بلغاريا، وهو لم يبحث في هواياته أصلاً ليصبح شيخ طريقة في بلاد تصنّع الشيوخ بطرائقها، ولكن دون أن تمن عليهم بالطرق.

عندما كتبت روايتي الأولى (نقض وضوء الثعلب)، وكانت بعض شخوصها تجيء من اليمن السعيد: نورسين المذحجي، والعيدروس، ورائحة البسباس. كنت ألتفت إلى كنوز صلاح سالم أحمد عبدون في الغرفة التي جمعتنا معاً في السكن الطلابي حوالي سنة. العيدروس شقيقه الأصغر الذي لا أعرفه، وكان صلاح يردد اسمه دائماً وعلق بذاكرتي أكثر من عقدين حتى عدت إليه لأستنشق منه هواء المفردة الصعبة، وكانت رائحة البسباس اليمني تملأ الغرفة الكونية التي حملتها معي إلى الشام حين كان يعد الطعام اليمني، وظلت تراوغ الحرب من مسافات بعيدة وتطغى على قصائدي وكتاباتي وتحولت إلى آلية شعرية غامضة في الكتابة.

مذحج قبيلة سبئية يمنية كبيرة قديمة ويعود أقدم ذكر لها إلى القرن الرابع قبل الميلاد. نورسين ولدت في تلك الليلة التي جمعتني باليمنيين على ظهر شرفة في السكن الطلابي في ليلة القات العلنية حين أشار صلاح سالم أحمد عبدون إلى القمر وصرخ: نورسين.
ضوء القمر اليمني...
الخاطف والمخطوف في شعاع واحد.
صلاح سالم أحمد عبدون كنز تراجيدي. مثّل دور عطيل في مسرحية وليم شكسبير واشتهر به في بلغاريا. ركض عارياً كما خلقه الله عشر كيلومترات في شوارع صوفيا وهو يبكي. حتى السيارات العابرة لم تنقله أو تترك له فرصة للانتحار. وكنت أشعر مثله بخدر وموت طفيف وهو ينحني في فيلمي القصير الأول (موت موظف) على ديزدمونة ليخنقها في مشهد استعادي متخيل يؤدي فيه الدور (عطيل) حتى يعطس الموظف وراء المسؤول الكبير، وتبدأ القصة في الفيلم من تلك العطسة الكونية.
كان يركض في مخيلتي مثل غزال طريد.

كتب أصدقاؤه اليمنيون في وداعه (رحيل عطيل اليمني)
عطيل الذي لم يجرب أن يحلل شيفرة شكسبير
مرة واحدة في اليمن الذي لم يعد سعيداً أبداُ.
 


 

تعليقاتكم

أضف تعليقك