(يابوردين يابوردانا) في توزيعاتها الجديدة: التفريط بمنظور زمن آخر

(يابوردين يابوردانا) في توزيعاتها الجديدة: التفريط بمنظور زمن آخر
كان ممكناً أن يمر التوزيع الجديد لأغنية (يابوردين) للمغني الشعبي السوري دياب مشهور مرور الكرام – ربما -لو لم يضف أعضاء فرقة تكَّات السورية عبارة "من منظور فراتي آخر" إلى التسجيل الجديد الذي قد نختلف في تقييمه سلباً أو ايجاباً (هناك توزيع آخر لسعيد طربيه ورنا خوري).

بدا واضحاً أن المنظور هنا لامورد له، أو هو في سياق آخر غير السياق المقصود الذي تفرضه وتحتَّمه الأغنية ذاتها.

صاحب أغنية (عالمايا عالمايا) هو نفسه من التقط ببداهة ابن الفرات ذلك الخيط السحري الفاصل بين الغناء العراقي، والغناء السوري من تلك المنطقة "

صحيح أن مشهور اعتزل الغناء لأسباب خاصة به، أوجزها مرة بقوله في لقاء تلفزيوني بما معناه أن "أقانيمه" الثلاث: الصوت واللون والمجد أمروه بالانزياح من المشهد، وان لم يمتلك الرجل بنداهته الفراتية البسيطة غير المتعلمة مثل هذا الطالع، إلا أن تلخيص حالته يقود إلى مثل هذا التعريف.

ليس النظر إلى واقع الأغنية التمثيلي في المسلسل التلفزيوني السوري (ملح وسكر) 1973 هو مايغري بتصويب ذلك المنظور الذي يمضي وراءه أعضاء الفرقة السورية الجديدة نسبياً فقط. بالتأكيد ليست المادة المصورة هي المقصود، وإلا فإن سقوطاً مدوياً ينتظرهم، لأن زخم المشهد الغنائي – التمثيلي الذي شارك فيه حينها (دريد لحام، نهاد قلعي، ناجي جبر، دياب مشهور وآخرين) وقدرته على الصمود في وجه عاديات الزمن بالرغم من مرور أكثر من أربعة عقود عليه، إلا أنه ما يزال يحتفظ بنداوته، وبرسائله الكثيرة الموزعة في عدة اتجاهات قد يبدو صعباً تجاوزه من هذا المنظور بالتحديد أو سواه على صعيد اللحن الذي قدمه الراحل عبد الفتاح سكر. ليس توزيع السرور في الزنزانة على وجوه السجناء المقيدين من معاصمهم ويقومون بالغناء والعزف والرقص احالة سياسية خالصة، ولكنه هنا ينشر رسائله بطريقته ويقول ما يمكن قوله عن لحظة سياسية اجتماعية مكثفة بدأت بالتبلور في زمن مركب مع الآخذ بعين الاعتبار إن النظر إلى المقولات النقدية التي قد تترافق مع هذه اللحظة لا يعدو كونه مفارقاً على أقل تقدير لصوغ المشهد نفسه بالطريقة التي تم إخراجه درامياً بها إلى العلن، وكأن المنظور هنا ظل يحتبس طوال هذه الفترة فيه، وليس من خارجه، وليس مستبعداً أنه يحتكره، ويمنع إعادة تلقينه مرة أخرى بتوزيع جديد، ومنظور قد يدَّعي أنه مختلف ويبحث عن جدَّة مختلفة هي الأخرى.

الشيء الآخر الذي غاب عن ذهن أصحاب الفرقة يكمن في الحقيقة في فهمين مختلفين ل"المنظور الفراتي" ليس بسبب انتماء دياب مشهور له جغرافياً ومكانياً وعاطفياً وحسب، وانما لأن صاحب أغنية (عالمايا عالمايا) هو نفسه من التقط ببداهة ابن الفرات ذلك الخيط السحري الفاصل بين الغناء العراقي، والغناء السوري من تلك المنطقة، وجعل منه غناءً فراتياً بنكهة عراقية مخففة لا يجرؤ عليها العراقيون أنفسهم، أصحاب المقامات والموسيقى والغناء الثقيل.

لم يمنع دياب مشهور المغنين الجدد من إعادة توزيع أغنياته التي رسخت في أذهان السوريين ردحاً من الزمن ويقيناً إنها ماتزال تعيش فيه، وأن أشار في أوقات سابقة إلا أنه "لا يطيق" أحداً منهم، وباستثناء الغناء العراقي، فإنه يشعر بغربة كبيرة وحنين في نفس الوقت إلى أغنيات وأصوات صارت بعيدة جداً ومن زمن آخر، ولكنها تستحق أن تبقى في المنظور الذي ولدت عليه وفيه، وبخاصة أنها حملت أبعاداً لا يبدو أنه ممكن تجاوزها لأسباب كثيرة، قد يبدو بعضها معطلاً وغير قابل للفهم والتفكيك، أو يغوص في دلالات لا يمكن العبور من فوقها لمجرد الرغبة بالعبور. بهذا المعنى تبدو أغنية (يابوردين) ملحَّة بالثوب الذي ظهرت فيه قبل أكثر من أربعين سنة، وتعني طزاجة اللحظة التي لا يمكن التغرير بها، لأن المساجين الذين كانوا يؤدونها مع "عندليب القواويش والمنفردات" دياب مشهور صنعوا زمناً دائرياً خاصاً بهم ليس سهلاً تجاوزه لمجرد الرغبة بالتجاوز، بالرغم من نوع الإضاءة البدائية وضيق المكان اللذين صنعا مساراً لها ظل متوهجاً حتى اللحظة بغض النظر عن الأهوال التي عاشت مدينة دير الزور على وقعها في سياق الحرب السورية التي لا يمكن تجاوز تأطيراتها الزمانية والمكانية بسهولة والادعاء قسرياً أن الحنين إلى الزمن الفراتي الآفل هو ما يدفع الجميع لإعادة توزيع أغنية قد تصنف صاحبها نفسه بأنه المغني الطليعي الأول.. لمَ لا ؟؟!.


 
 

تعليقاتكم

أضف تعليقك