محمد ملص ل (دفاتر غوتنبرغ): ليس هناك طريق ثالثة للسينما السورية (1)

محمد ملص ل (دفاتر غوتنبرغ): ليس هناك طريق ثالثة للسينما السورية (1)
يختار المخرج السينمائي السوري الكبير محمد ملص أن يجيب على أسئلة (دفاتر غوتنبرغ) بنوع من التكثيف اللغوي الذي قد يتوافق هنا مع أمداء بصرية ما كان يمكن لها أن تنشأ أوتتوارى خلف إجابات قاطعة لو لم يقف خلفها صاحب (أحلام المدينة).

بطبيعة الحال الحوار مع محمد ملص لم ينقطع يوماً، وان بدا أن تبدلات تطال هذا الحوار من حين لآخر، إلا أن سكة الالهام والابداع التي أطلقها يوماً ماتزال مفتوحة برغم الضيق الذي يشتد وينفرج بين محطة وأخرى. هنا حوار مع ملص على جزأين اذ يؤكد صاحب رائعة (الليل) إن فيلم (سلّم إلى دمشق) ما هو إلا مانفيستو-سينمائي كتب في حضن السينما السورية في قلب دمشق:
 
*لم تغادر دمشق في سنوات الحرب. هل تشعر بأنك خسرت شيئاً؟
**أتساءل لماذا أغادر؟ أما عن الشعور بالخسارة فهو قدري كسينمائي سوري في كل الفترات التي عملت فيها أفلامي طالما إنني ارتكبت الذنب في مثل هذا البلد باختيار السينما.

" الذي حدث في سوريا من محن أطاح بقضايا الثقافة والسينما والأسئلة والمرجعيات الخاصة بها، وعمَّم بدلاً منها الأسئلة الذيلية في كل مناحي الحياة " "

*بعد (سلَّم إلى دمشق) الذي صورته داخل المكان، كان بوسعك العمل من خارج سورية وأنت مرتاح انتاجياً لكنك لم تفعل؟!
**منذ أن بدأت العمل في السينما (قبل أربعين عاماً)، فإن مشروعي السينمائي الخاص فرض أن تكون سوريا موضوعي والفضاء الذي أحقق من خلاله هذا المشروع. لا أريد أن أعرف لماذا أحتاج إلى الهواء الذي تتنفسه الشخصيات التي أتحدث عنها في الأفلام التي أحققها.
      
*كيف تنظر إلى صورة السينما السورية الآن بعد ثماني سنوات من عمر الأزمة المضنية؟
**السينما السورية تعاني هذه الأزمة المضنية منذ أربعين عاماً وحتى اليوم. أزمة أحادية الانتاج الخاضع للجهة الرسمية، والمنظور الرقابي الضيق الذي قاد السينما إلى حد أن استأصل منها جوهرها في السنوات الأخيرة.

*هل تعتقد فعلياً أن (سلَّم إلى دمشق) كان بمثابة طريق ثالثة في السينما السورية بعيداً عن "سينمائيي الداخل والخارج"؟
**ليس هناك طريق ثالثة أمام السينما السورية كما أرى. لقد حاولت منذ سنوات عديدة العمل على إيجاد سينما مستقلة. وكما تعرف، فقد حققت فيلم (باب المقام) 2005، الذي قمت أنت بكتابة ونشر مفكرته. هناك سينمائيون سوريون فقط سواء أكانوا في الداخل أم في الخارج.
 
*هل تعتقد أنك نجحت في تسجيل حضورك سينمائياً عبر هذا الفيلم أم أن لغة واحدة من أبشع حروب العصر الحديث قد طغت على ما عداها؟
**هل نجحت؟  وهل طغت لدي لغة الحرب على ما عداها؟ تستطيع أنت كسينمائي أن تقدر. أما بالنسبة لي فإن (سلّم إلى دمشق) هو كسرٌ للصمت والتعبير عن رأي بما يحدث وصياغة لبيان – مانيفستو سينمائي.
  
*هل يمكننا اعتبار فيلمك (سلّم الى دمشق) أول فيلم يصور في حضن النظام ويسعى إلى تفكيك مقولاته الجاهزة في آلية سينمائية اشتهر بها محمد ملص عن طريق المكاشفة الداخلية التي تجر أبطالها إلى المجاهرة بالحرية بالصعود للأعلى؟
**أصور أفلامي في حضن السينما، ومنذ أربعين سنة وكل الأفلام السورية كانت تصور في ظل هذا النظام السائد. فيلم (سلّم إلى دمشق) ينتمي للسينما المستقلة التي أحاول تحقيقها بعد القطيعة بيني وبين المؤسسة المنتجة للأفلام في سوريا. لم تكن المهمة التي سعيت إليها في هذا الفيلم تفكيك مقولات خفية أو معلنة. لقد سعيت إلى التماهي مع الجيل الجديد – وهو الذي يصنع الحدث آنذاك (2013)، واختياره ليؤدي دوره السينمائي، وذلك من طريق آخذه إلى فكرة الفيلم، واشراكه في العملية السينمائية وتماهيه مع نفسه، وليس أن يكون ممثلاً يؤدي دوره في نصي السينمائي. أؤكد أن (سلّم إلى دمشق) بيان– سينمائي.
    

*غالباً ما ترد كلمة موؤدة في أحاديثك. أنت تساوي بين سينما موؤدة وثورة موؤدة. هل ثمة إحالة هنا إلى واقع لم يعد بالإمكان تجاوزه؟؟
**من يقرأ أو يطلّع على ما جرى وما يجري في حياة العرب، واختصاراً لنقل منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية، سيلاحظ الوأد المستمر لكل ظاهرة كان من الممكن أن تلعب دوراً محتملاً حتى ولو كان وليداً أو صغيراً. التاريخ هو الذي يساوي بين الأشياء عبر الوأد.
 
*إن سلمنا بوجود موجة سينمائية وثائقية بين سينمائي "الخارج"، إلا أن الصورة لم تكن واضحة لجهة توجهات أفلام كثيرة من بينها. هل يلعب التمويل هنا دوراً ما؟
**بالتأكيد ثمة موجة سينمائية وثائقية في الخارج وفي الداخل، ولكن ما هي هوية الاثنين؟ هل هي هوية سينمائية؟ على الرغم من أنه ليس لدي تصور عن الاثنتين يسمح لي بتقييمها، باستثناء القليل جداً مما أتيح لي أن أشاهده، وأخصُّ هنا فيلم (طعم الإسمنت) لزياد كلثوم، أو ما حققه الفوز طنجور، فمما لا شك به أن التمويل يلعب دوره دائماً هنا مع غياب المرجعية السينمائية المحضة لدى من يتصدى لإنتاج السينما الوثائقية، فلم يعد التمويل لدى المنتجين السينمائيين، بل لدى القوى التي تصنعه وتعممه. بالتالي تحول السينمائي إلى اختراع ممول افتراضي يقترح له الفيلم الذي في ذهن (الممول) والذي يعتقد أنه يقع في إطار أهدافه، وهذا سائد في الداخل وفي الخارج. من هو الممول اليوم الذي يغامر بما لديه دفاعاً عن السينما؟!.
      
*ما هو سبب غياب الأسماء السورية المؤثرة في المشهد السينمائي السوري عن صنع سينما قادرة على التعبير عن هول المأساة السورية؟
**غياب حرية التعبير والتمويل.

*تفتقد السينما الوثائقية في سورية إلى صديقك الراحل عمر أميرالاي في هذه المرحلة دون شك؟
**دون التصغير من أهمية افتقاد السينما الوثائقية لقامة سينمائية كعمر أميرالاي، لكن الذي حدث في سوريا من محن أطاح بقضايا الثقافة والسينما والأسئلة والمرجعيات الخاصة بها، وعمَّم بدلاً منها الأسئلة الذيلية في كل مناحي الحياة، ودفع بمن يخدم منهجه لإلغاء الماضي بذريعة أن عليهم أن يؤسسوا لسينما مختلفة.
    
*في فترة سابقة نجحت جهود كثيرة في اقصاء أفلام ل ” سينمائيي الداخل" من بعض المهرجانات. لكن الملاحظ أن مهرجانات كثيرة بدأت تعطي جوائز لهذه الأفلام. هل يعني هذا شيء لك؟

**لا أعترف بهذه المصطلحات، ولا أقبل أن تحجب أفلام أي سينمائي.

*إذا أردنا تقييم الانتاج السينمائي السوري وقت الحرب ما الذي يمكن أن نقوله برأيك؟
**لم يُتَح لي أن أشاهد كل ما حققه السينمائيون السوريون أينما كانوا. لكني أرى أن (المنتجين) عملوا على أن تغيب السينما عن الأفلام التي أنتجت إلا فيما ندر منها، وأقصد بالطبع السينما بمفهومها ولغتها ورؤيتها للواقع.

*حين التقينا في حلب أثناء تصوير (باب المقام) حكيت عن العنف الكامن في النفوس، وأردت نموذجاً رمزياً لذلك عاشقة أم كلثوم التي قتلت بأيدي أهلها. العنف الذي بلغ أوجه في 2011 هل ينتمي في تدويناته إلى شيء من الصورة التي حاكيتها من قبل؟
**العنف في عام 2005 (زمن باب المقام) في مجتمع وبلد تحكمه سلطة مستبدة، لا يتغير ولا يختلف طالما لم يتغير شيء في هذا المجتمع وتلك السلطة.
 
* رحل مدير التصوير التونسي يوسف بن يوسف مؤخراً. هل ثمة خسارة شخصية هنا، غير تلك المرتبطة بخسارة واحد من أمهر صنَّاع الصورة السينمائية في العالم العربي؟
**جسامة الخسارة السينمائية تخفف من ثقل الخسارة الشخصية. طبعاً ربطتني بيوسف صداقة شخصية منبعها وقوتها جاءت من العمل معاً. بالإضافة لمهاراته كمدير تصوير، فإن ثمة الكثير من بنيته الشخصية؛ ما يعطي للصداقة الشخصية ديمومتها وبقاءها، رغم البعد المكاني والتنائي والانقطاعات الطويلة بيننا.     
يوسف بن يوسف شخصية مغمسة بالوفاء لنفسه وللآخر، لا يخون ولا يدَّعي، ويمتلك من الرصانة واحترامه لنفسه وللآخر ما يجعله مترفعاً عن الكثير من الأشياء التي يلهث الأخرون وراءها. لقد أسس علاقته بالحياة عبر الصورة، ولذا فهو شخصية داخلية وصموتة كثيراً، حين يضطر للكلام، فإنه يلجأ إلى ما هو مقتضب.  
 

تعليقاتكم

أضف تعليقك