جون كيتس: خيالي ديرٌ وأنا راهبه...

جون كيتس: خيالي ديرٌ وأنا راهبه...
جون كيتس ممثل للرومنطيقية بأبهى صورها، وهو واحد من الشخصيات الرئيسية في شعر الرومنطيقية الإنجليزية مع اللورد بايرون وبيرسي بيش شيللي.

في حياته القصيرة نسبياً (1795 - 1821) حظيت قصائده باستقبال جيد من النقاد، ولكنه لم يتمتع بشعبية كبيرة على غرار ممثلي تيار الرومنطيقية الآخرين. بعد وفاته في نهاية القرن التاسع عشر حصل على الاعتراف بموهبته جماهيرياً وصار من الشعراء الانجليز المحبوبين. في رأي النقد الحالي أصبح كيتسواحداً من شعراء الكلاسيكية. يقول خيورخي لويس بورخيس إن إحدى أهم خبراته الأدبية استقاها من قراءة شعر جون كيتس. توفي عن عمر 25 سنة فقط سنة 1821.

القراءة تجعل منّا جميعاً مهاجرين. تأخذنا من بيوتنا وتلقي بنا بعيداً، ولكن الأهم من ذلك أننا نجد منازلنا في كل مكان! "

اقتباسات من أقواله:

*أعطوني كتباً، نبيذاً فرنسياً، فواكه، ووقتاً رائعاً، وموسيقى لمؤلف لا أعرفه يمكن سماعها من شق الباب.

*لست متأكداً من أي شيء آخر غير قداسة القلب وإخلاص الخيال.

*لا شيء حقيقي إن لم يتم اختباره.

*الشعر على هذه الأرض لن يموت أبداً.

*لم أخف يوماً من الفشل. خوفي الوحيد ألا أكون بين العظماء.

*خيالي ديرٌ وأنا راهبه.

*لا شيء مؤكد في هذا العالم.

*يصف اللورد بايرون الذي يراه، أما أنا فأتخيله – مهمتي هي الأصعب.

*الجمال حقيقة. الحقيقة هي الجمال.

*الحب ديانتي. سوف أموت من أجلها.

*أنا مصدوم من أن الناس يموتون مثل الشهداء.

*يعتقد الناس أن الموتى يعانون أكثر من غيرهم.

*الكتابة الجيدة مقارنة بعدم فعل أي شيء هي أفضل شيء للعالم.

* القراءة تجعل منّا جميعاً مهاجرين. تأخذنا من بيوتنا وتلقي بنا بعيداً، ولكن الأهم من ذلك أننا نجد منازلنا في كل مكان!

*الفلسفة تقّطع أجنحة الملاك.

قصائد:


(1) أنشودة إلى بلبل


ألمٌ يعصر قلبي، واسترخاء يملك إحساسي
لكأني أتجرع ذوب نبات سام
أو في جوفي أفرغ – عن آخرها-كأس مخدر
حتى أهوي في لجة نهر النسيان
لا حسداً مني لسعودك
بل فرحاً بسعادتك
وأنت تغرد للصيف بكل شعورك
يا سلطان الشجر الطائر
في المرج المخضل، وفي ممتد الظل
***
من لي بسلاف باردةٍ
عاشت زمناً في جوف الأرض
جمعت نكهتها من ريف أخضر وربيع طلق
من رقصات وأغان وهناء مشمس
من لي بالكأس امتلأت من خمر جنوب دافئ
بالحق وبالحكمة حف بها الحببُ
والياقوت القاني يصبغ مرشفها
أحسو، أغمض عن كل العالم عيني
وأهيم بصحبتك إلى أعماق دامسة في الغاب
***
وبعيداً أتخفى، أتلاشى ما بين الأغصان
أنسى ما لم تعرف أنت
من السأم، الحمى، القلق، هنا حيث الناس
جلوساً يصغي البعض لآلام البعض
ويهز الوهن ببطء الأحزان شعيرات في الرأس رمادية
صار ربيع العمر هزيلاً يذوي ويموت
وما في البال سوى الأشجان
رب جمال لا يقدر إبقاء العينين منورتين
ولا الحب الآتي أن يذوي تحناني لهما خلف الغد
***
هناك بعيداً بعيداً إليك أطير
على متن أجنحة الشعر
أفضل من عربات لباخوس، ذات الفهود
وإن كان عقلي ثقيلاً يعوق انطلاقي
وهاأنذا معك الآن، ما أروع الليل
والقمر المترفع إذ يستوي فوق عرشه
محاطاً بحاشية من نجوم وضاء
ولكن هنا. لا ضياء
سوى ما أتى من علٍ فوق متن النسيم
خلال الغياهب تزهو اخضراراً
وعبر الطحالب فوق السبل
***
لا أستجلي أزهاراً تمسس قدمي
أو عبقاً هفهافاً بين الأفنان
لكني في الظلمة أستكنه كل عبير يتضوع هذا لشهر
الأعشاب، الأجمات، وأشجار الفاكهة البرية
الزعرور الأبيض والنسرين البائس
وبنفسجة ما أسرع أن تذبل تستخفي في الأوراق
والبنت البكر لمايو إذ ينتصفُ
وأزهار المسك المترعة خموراً وندى
ثم طنين الحشرات بليلات الصيف
***
وأرهف سمعي بقلب الظلام، وكم مرة
صبوتُ إلى الموت يطرق بابي
وأختار أحلى النداءات حين أناديه، ثم بشعري
أناجي ليحمل في الجو أنفاسي الوادعة.
فما أجمل الموت في التو، بل هو أثمن من أي وقت سواه
فحين أموت بمنتصف الليل دون المعاناة
لحظة تسكب روحك في نشوة وانبهار
أيا أيها البلبل المنتشي
تظل تردد لحنك، تنثرهُ
فوق ما يتبقى من الأذنين المبعثرتين بجسمي التراب
***
يا هذا الطير الخالد إنك لم تولد للموت
لم تطأ الأجيالُ الساغبة غناءك بالأقدام
تلك النغمة أسمعها منك الليلة
سمعتها الأمراء كثيراً والغوغاء
با-من يدري-هي ذات النغمة
راعت راعوث المضناة، وكانت
تذرف أدمعها في أعواد القمح بغربتها
من يدري إن كانت ذات النغمات
تفتن-ما أدراك-شبابيكاً ساحرة
تنفتح على زبد البحر الهادر في تلك الأصقاع المهجورة
تسكنها الجنيات
***
المهجورة!! يا للكلمة تشبه ناقوساً
يفصلني عنك ويدفعني للعزلة
فوداعاً، إن غناءك ينساب
فوق مراع مصغية، وجداول ساكنة، وعلى التل
ثم اندفن عميقاً بين شجيرات الوادي هذا
هل كانت رؤيا؟ أم حلماً من أحلام اليقظة؟
والموسيقى. أين الموسيقى؟! هل أنا صاحٍ أم نائم؟

(ترجمة: محمد السنباطي)

 

 

(2) كفاك دمعاً ونحيبْ

 

كفاك َ دمعاً ونحيب ْ
بالله يكفي
فالوردُ سيزهرُ في العام القادم ْ
إن كنت َ تدري
كفاك َ بكاء ً وعويل ْ
بالله يكفي
فالبراعم ُ الصغيرة ُ نائمة ٌ
في قلبِ الجذرِ الفضي
تحلم ُ بربيع ٍ وردي
جفف دموعك جففها
لأني تعلمت ُ في الجنة
شدوَ نغمي الشجي
الذي يخفف ُ حزنَ الإنسان
كفاك َ دموعا ً ونحيبْ
بالله يكفي! 
***
أنظر هناك َ تراني
على الغصن ِ الأبيض
على الغصن ِ الأحمر
أنظر أعلى لتراني
على الفرع ِ المثمر
تتراقصُ ألحاني
منظومة من سحرِ بياني
تخفف ُ حزنَ الإنسان ْ
كفاك َ دمعا ً ونحيب
بالله يكفي
فالوردُ سيزهرُ في العام القادم
إن كنت َ تدري
أحلق ُ بعيداً بعيداً
وداعاً وداع ْ
أتوارى فى السحبِ الزرقاء
وداعاً وداعْ


(ترجمة حسن حجازي) 

 

(3) إلى الخريف


(يخاطب الشاعر الخريف وكأنه فتاة جميلة)

1
لا تفكّـرْ فيهم، لك موسيقاكَ أيضاً، -
بينما الغيوم المحتبَسة تُـزهِـرُ النهارَ المُحتضَر بلطف،
وتلمس جُذاماتِ* الأرض بلون ورديّ؛
وفي جوقة مُـوَلـوِلةٍ ينـدب البعوضُ
فصلاً من الضّباب وعذوبة الإثمار،
متعاوناً مع صديقِ الشَّمس الصّاعدة الحميمِ جدّاً؛
أن تُحَـمِّـلَّ الكرومَ التي تنطلـق بحرية
حول السّقفِ القَـشّي بثمـارٍ وتصونَها في الأماسيِّ؛
أنْ تَـثَـنيَ أشجارَ الكوخ المكسوِّ بالطّحلب بـتـفّـاحٍ،
وتجعلَ الفواكهَ كلَّـها ريّـانةً حتّى الصّمـيمَ؛
لينتـفخَ اليقطـينُ، وترتـويَ قشورُ البندق
بلبٍّ حُـلـوٍ؛ لتُطـلِقَ تبـرعُـمـاً أكثـرَ،
وتستمـرّ أكثـرَ، أخيراً أزهاراً للنحـل،
حتى تظـنَّ أنَّ الأيامَ الدافئـةَ مستمرةٌ دومـاً،
حيث الصّيفُ غمـرَ خلايـاها الطَّـريّـةَ.
2
من الذي لمْ يـَركَ غالـباً وسْطَ مخزنِـكَ؟
وأيٌّ يبحث بين حين وآخر من خارج الوطن،
يجدك جالساً غيرَ مُبـالٍ على أرضيّة القمح،
وشَعـرُكَ بالرّيح المُغَـربِلة منتصبٌ بلطف؛
أو على الحقل غيرِ المحصود تماماً تظهر نائماً،
ناعساً من دخان الخشخـاش، بينما يُـبـقي
منجلك على سنابل القمح القادمة وأزهارِها المجدولةِ كلِّها:
وأحياناً مثـلُ لُقّـاطةٍ** تحفـظ بانتظام
ما تحملـه عَـبْـرَ الغـديـر؛
أو بمعصرة التفاح، بنظرة الصّبور
تراقب الرواسبَ الأخيرةَ ساعاتٍ وساعاتٍ.
3
أين أغاني الربيع؟ نعم، أينهـا؟
بين صفصاف النهر، حُمِـلتْ إلى الأعالي
أو غطستْ، مثـلَ الريح الخفيفة تعيش أو تموت؛
مثل الحُمْلان الكبيرة تثغـو بصوت عالٍ على سفوح التِّلال؛
صراصيرُ الوشيع*** تطنطن؛ والآن بنعومة مُضاعفـةٍ
يَصفِـرُ العصفورُ المُحَـنّى من حديقة أو حقل؛
وتغـرِّد السّـنونـو المتجمِّعة في الفضاء.

*جُذامات: جمع جُذامة وهي ما بقي بعد الحصاد وتكون من نصيب الأغنام.
**ما يلتقط من الحصاد
***الوشيع : ستار من شجيرات

(ترجمة: د. بهجت عباس)

 

 

 

تعليقاتكم

أضف تعليقك