ليث عبد الأمير ل (دفاتر غوتنبرغ): أنتمي إلى سينما الحالات القصوى

ليث عبد الأمير ل (دفاتر غوتنبرغ): أنتمي إلى سينما الحالات القصوى
هذا حوار بوح مع المخرج العراقي ليث عبد الأمير. أفلامه الوثائقية في المقدمة، أما الصور التي تسترسل تلقائياً في تنظيم هذا البوح، فهي مشاريع أفلام لم تصور بعد.


ليث عبد الأمير دارسٌ ومعلمٌ للسينما. بين معهد السينما الأوكراني في كييف، وجامعة السوربون في فرنسا، شريط طويل من الصور التي جمعها في أفلام وثائقية ظل مخلصاً لها، لأن النوع لا يخون إن أخلصت له. أفلامه تحظى بالعروض والجوائز، وهي تحمل أحياناً أسماء بلدان بعينها، أو هي أسماء منافٍ بعينها ان صح التعبير.

إنّ العودة إلى المكان السابق بالنسبة لشخص مثلي يعيش النفي طوال حياته بمثابة انتصار على الأمكنة التي فقدها وربما لن يعود اليها "

بين (العراق – أغاني الغائبين) 2005و (دمعة الجلاد) 2013 التقيته مرات عديدة في أمكنة مختلفة. الذي تغيَّر ربما هو طول الشريط ودقّة الصور التي يحكي عنها وان تبدلت أماكنها، ولكنها هي الأخرى تحمل مخزوناً من الإخلاص للأمكنة نفسها.

ليث عبد الأمير يدّرس السينما في معاهد مختلفة حول العالم ويكتب عنها. وبالتأكيد ليس بوسع كل مخرج أن يصبح معلماً لها. هذه دربة مختلفة تماماً. لكن صاحب (دمعة الجلاد) يعرف كيف يقطف قمراً من الإخراج والتدريس في آن معاً. هنا حوار معه عن سنوات الدراسة الأولى، وذكرياته في معهد السينما الأوكراني، وأساتذته، وأفلامه، وكتابه الجديد المنتظر صدوره عن سينما الحالات القصوى:

*أين ليث عبد الأمير؟
**أتنقل بين معطيات الواقع وعوالمه الرحبة بأفلامه التي لا غنى عنها في بحثها عن قراءة مميزة لعالم متشظٍ ومنقسمٍ على نفسه، وعليه أجدني متنقلاً بين مقاعد الدراسة في معاهد السينما حول العالم لنقل تجربة تجاوزت ربع قرن في صناعة الأفلام الوثائقية. كذلك أجدني منكباً على الدراسة الأكاديمية لنيل شهادة الدكتوراه في النقد السينمائي، ومحاولة رصد سينما الواقع التي غيَّرت وجه السينما الوثائقية، بل ووجه السينما برمّتها، وأجدني أيضاً موزعاً بين تدريس السينما في معاهد وجامعات أوروبية وعربية وبين البحث عن دار نشر لطباعة كتابي "الأكستريم في السينما الوثائقية". نعم. أجدني بين صناعة أفلام تنتمي إلى سينما الواقع، وتغوص في غموضه دون أن تفقد صلة الرحم بالسينما الروائية، مايعني إخراج أفلام تتناول الواقع اليومي المعاش بمفردات تهتم باللغة السينمائية والشكل وتعطي مساحة للخيال رغم إخلاصها للواقع.

*لماذا يجب أن تُحضَّر السينما الوثائقية في العراق من خلال فوضى الأرواح؟
**العراق-جرح انفتح على الألم ولن يتوقف نزيفه قريباً. العراق بئر عميق مليء بقصص واقعية تشبه كوابيس مخيفة. العراق-قصص ألف ليلة وليلة مضافاً إليها قصص العبث الأمريكي واحتلاله البغيض + التدخل الإيراني والدفع به نحو هوية طائفية معينة. العراق-أرض هشَّة تنهشها دول الجوار دون رحمة لأسباب طائفية، لهذا هو منفتح على أربع جهات، وكل واحدة تقود إلى حكايات مؤلمة لبلد يعيش أسوأ فترة في تاريخه، سواء القديم أو الحديث. وقد يغدو صعباً تعثر عدسات المختصين على مكان مضيء إلا فيما ندر.

*هل يحاصرك الثلج في كييف (أوكرانيا) حيث كنت تدرس؟
**لا يحاصرني الثلج، لأنه انفتاح. الثلج فصل جديد وبداية، ودائماً للبدايات امتدادات على أشياء جديدة. الثلج بالنسبة لسينمائي انفتاح على ذكريات أفلام خالدة يستحضرها مشهد هذا البياض الهائل الذي ينفتح بدوره على الماضي وعلى تاريخ سينمائي ورثناه من العصر الذهبي للسينما الكلاسيكية. من منّا لا يتذكر فيلم "دكتور زيفاغو" وأثر الثلج ومشاهد الشتاء الروسي في رسم سينوغرافيا الفيلم وفصوله، وانطباعات تلك الصورة الرومانسية التي خلدَّتها مشاهد الفيلم رغم قساوة موضوعه.
العودة إلى الثلج هي العودة إلى أخضان ذكريات الدراسة والعلاقة الأولى مع مشاهد البرد القارص، وإلى أولى الانطباعات التي تولدها صورة الثلوج الهائمة لشتاءات طويلة وصعبة من النفي، ولكنها ظلت مثمرة على الدوام.


*عندما تلتقي بمعلمك في معهد السينما ما هو نوع الدمعة التي تذرفها وسط هذا البياض المحيط بك؟
**تربطني علائق روحية بأساتذتي الذين تخرجت على أيديهم في الحقبة السوفيتية في ثمانينات القرن الماضي، ورغم كل هذه السنين لم أنقطع عنهم. لقد عدت قبل حوالي سبع سنين إلى كييف، وقد أصبحت عاصمة لبلد مستقل اسمه أوكرانيا. شكَّلت لي هذه العودة فرصة للّقاء بأساتذتي، والعودة إلى مقاعد الدراسة لنيل شهادة الدكتوراه في السينما.
مازال أساتذتي يواصلون عطاءهم رغم تقدم العمر بهم، وما زالوا يدرّسون فن السينما لأجيال جديدة فتحت عيونها على عالم مختلف تماماً عن ذلك الذي عاشه أجدادهم وآبائهم وأساتذتهم، بعد أن استقلت أوكرانيا إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي تبحث الآن عن هوية جديدة تشكل السينما أحد أعمدتها. 
مازال الهم السينمائي عند هؤلاء الأساتذة هو نفسه، رغم تقدم العمر بهم، بل على العكس تماماً، فقد أصبح همهم السينمائي أكثر توهجاً. وهو ربما نابع من القدرة على التشبث بالحياة وحبهم للسينما، كما أنهم يجددون شبابهم في علاقتهم مع تلامذتهم وفي المتعة التي توفرها لهم مهنة التدريس. تُدخل في الغالب لقاءات ليالي الشتاء الباردة، في مشهد الثلوج الهائمة الدفء إلى أرواحنا ونحن نتقاسم سوية همّنا السينمائي، الذي يشكل بالنسبة لنا العلاقة الأكثر تجذراً وتشبثاً بالحياة.

*تنتقل بين معاهد كثيرة لتدريس السينما؟ كيف توفق بين التعليم والإخراج؟
**المشاركة! الرغبة بقول شيء جديد. البوح بسر معين. مشاطرة الآخرين بأمر مهم. البوح بمعلومة ما! كل هذه الأشياء هي مشتركات بين صناعة الأفلام ومهنة التعليم. أنت ترغب في الفيلم أن تقول شيئاً مهماً وتحب أن تتقاسمه مع الجمهور، أمّا في التعليم، فأنت تتشارك معارفك وتجاربك مع الطلبة.
في الحالة الأولى تحصل المتعة لأن هنالك عملية "تطهير" catharsis أو متعة وتنفيس، أمّا في الحالة الثانية فإنك تحصل كأستاذ على المتعة عندما تقوم بنقل معارفك إلى جيل من الشباب المتعطش للمعرفة، وتجد ضالتك في نظرات الامتنان لأنهم حصلوا (أخيراً) على أجوبة لبعض ما يدور في خلدهم من أسئلة لن يجدونها في أمهات الكتب.
بالطبع ثمة حقيقة أخرى وهي أن المخرج بحاجة إلى العمل في فترات التوقف عن إخراج الأفلام، والبحث عن موضوع جديد لأفلامه. وهي مرحلة قد تطول أحياناً. وما يسد هذه الفجوة (في مرحلة التوقف عن الإنتاج) هي مهنة التعليم. إن التدريس يبدأ عندما تدخل مشاريع المخرج إلى مختبر البحث عن موضوع فيلم جديد أو البحث عن قناة تلفزيونية تقبل بتمويل أفلامه، ويتوقف التدريس عندما يدخل المخرج مرحلة إنتاج وتحقيق مشروعه السينمائي. هكذا يحدث التوازن والاتساق بين العمليتين وانسجام الفعل، وهو الإخراج والتنظير، أو عملية نقل المعرفة عبر التعليم.

*في كل ذلك تبدو بعيداً عن العراق؟
**نعم، أصبت! أنا بعيدٌ عن عراق الأمريكيين وما جاءت به الولايات المتحدة الأمريكية حين رسمت صورته المشوهة بقوانينها وديمقراطيتها الزائفة ونظامها السياسي لما بعد حكم الطاغية صدام حسين.
نعم، أصبت! أنا بعيدٌ عن عراق تتقاسمه القوى الموالية للجارة إيران، وبعيد عن الهوية الطائفية ونظام يتحكم به ملالي إيران بمواكبه الطقسية المهينة لكرامة الإنسان وذلك لغرض إلهاء الجماهير وتخديرها رغبة في سرقة خيرات هذا البلد وتجويعه تحت غطاء الدفاع عن المذهب.
نعم، أصبت! أنا بعيدٌ عن عراق المصالح ورجالاته الذين يهرولون إلى دول الجوار تحت ذريعة الدفاع عن العراق من التدخل الإيراني بهدف الحصول على منح مالية لجيوبهم وزعزعة أمن البلد واستقراره.
أنا أنتمي إلى عراق آخر، هو ليس كل ما ذكرت، وهو عراق يحلم به الملايين من العراقيين الذين لا حول لهم ولا قوة. هو العراق الذي أتطلع إليه بعيداً عن المصالح الذاتية والهيمنة الأجنبية أياً كان شكلها ولونها، وهو عراق بعيد المنال، ولكنه ما يزال ممكناً.

*كيف تظهر أغاني الغائبين في أفلامك؟
**"أغاني الغائبين"، فيلم أخرجته العام 2005 لصالح القناة الفرنسية الرابعة، وللأسف تحققت الصورة التي رسمها الفيلم للعراق، بل وظهرت أكثر سوداوية من تصورات الفيلم نفسه. انتهى الفيلم وانقضى زمنه. لكن بقيت أصداء أغاني الغائبين، هؤلاء الذين تركونا ورحلوا إلى عالم اللاعودة، تصدح في داخلي وتُلهمني أو تنير لي طريق العراق الذي أحلم به.
أغاني هؤلاء الغائبين حاضرة، وهي جزء أساسي من الهوية العراقية، فكيف يمكن تصوّر العراق دون الصوت العراقي، ودون الغناء الذي يرسم خارطة العراق ماضياً وحاضراً؟!  وهل يمكن وصف العراق دون تلك الأغاني الخالدة، دون صرخة عشتار ومناحاتها؟ هل يمكن منح اسم للعراق دون الصوت والموسيقى والغناء الذي يرسم خارطة العراق؟

*وضعت صورتين في مقهى أوكراني ومضيت ثم رجعت بعد انقضاء زمن طويل نسبياً ووجدتهما مكانهما. ما الذي تعنيه لك الحداثة؟
**أثناء دراستي لنيل شهادة الدكتوراة في أوكرانيا استأجرت شقة في مدينة كييف. فوجئت في احدى الصباحات عندما ذهبت لأشرب قهوتي في المقهى الذي يقع مقابل الشقة، بصورتين معلقتين على جدار المقهى. لا شيء فيه من ديكورات غير بضع طاولات وهاتين الصورتين من أهوار العراق استفسرت من النادل عن صاحب المقهى، فربما هو تاجر عراقي؟ فأخبرني العامل بأن المقهى يعود لرجل أوكراني يملك العديد من المحلات في مدينة كييف.
عدت بعد سنتين وسكنت في نفس الشارع، وأثناء مروري بالمقهى وجدت الصورتين على حالهما ولم يمسهما شيء. شخصياً، وكسينمائي أبحث دائماً عن معاني الصور، ولا أعتقد بأن الإنسان يعلق الصور لمجرد أنها صور فحسب. هناك دائماً معنى وشيء خفي يجب البحث عنه، داخل مضامين الصور.
الصورة تملك سطوة وحضوراً دائمين، ولكن ما معنى أن يعلق رجل أوكراني هاتين الصورتين؟ وما معنى وجودي هنا؟ أنا العراقي ابن الجنوب، ولدت في مدينة سوق الشيوخ، وهي تبعد بضعة كيلومترات عن المكان الذي التقطت فيه هاتين الصورتين من أهوار العراق.
لقد وجدت نفسي، وأنا الذي جرّب النفي وما زال منذ أكثر من اثنين وأربعين عاماً، منفياً من جديد، ولكن هذه المرة، داخل هاتين الصورتين. ولأول مرّة لم أشعر بطعم النفي المرّْ المذاق.

*إذا أردنا الحديث عن ترميم ذاكرة المنفى. هل العودة إلى لغز البياض الأوكراني يحمل شيئاً من اصلاح عطب ما في الذاكرة؟
**كيف يمكن أن نعالج أنفسنا من الآثار السلبية للمنفى، خاصة عندما يصبح النفي قسرياً؟ سؤال سال عليه حبر كثير ومازال لغزاً. الكاميرا هي قبل كل شيء وسيلة لاكتشاف الذات، وقد أعطتني الأفلام التي صورتها على الصعيد الشخصي إمكانية الغور في عالم إنسان جرّب النفي منذ سن الثامنة عشرة، وما زلت أعيش فيه، ويعيش فيّ.
إنّ العودة إلى المكان السابق بالنسبة لشخص مثلي يعيش النفي طوال حياته بمثابة انتصار على الأمكنة التي فقدها وربما لن يعود اليها، بل حتى وإن صدف وعدنا لها يوماً ما، فلن تكون عودة إلى نفس المكان بسبب عامل الزمن. لأن الزمن يكون قد غيّرها. لكن تبقى الأمكنة التي تكسوها الثلوج سليمة كما هي لا تأبه بمرور الزمن وتقادمه، وتصبح كما الصورة السينمائية، نعود إليها بعد كل عرض ونجدها كما هي، لكن الشيء الوحيد الذي تغيَّر هو نحن!

*قلت إنك تبحث عن ناشر لكتابك الجديد. هل يحمل شيئاً من سنوات دراستك الأوكرانية؟
**لا يمكن أن ننتهي من الأماكن والمدن بمجرد أن نرحل عنها، فهي تبقى حاضرة لا كأشياء نتذكرها ونحّن لها فحسب، وإنما كمخزون ثقافي ننهل منه ما دمنا أحياء. وشخصياً عدت لأوكرانيا في كتابي "الأكستريم في السينما الوثائقية"، وهو عن سينما الأكستريم الوثائقية، وأعني بالأكستريم سينما الحالات القصوى، والأفلام التي تتجاوز حدود النظرة التقليدية للفن، وتعبر سوره الرصين كي تكشف على نحو مغاير كينونتنا وعالمنا الذي نرفض رتابة ايقاعه. كما وإنه يشمل تلك الأفلام أيضاً، التي تذهب إلى أبعد ممّا تعودنا أن نشاهده، وإلى ما يقع خارج حدود مخزوننا الثقافي. كما أنني أسترجع في هذا الكتاب بعض المخرجين الأوكرانيين الذين صنعوا أفلام أكستريم مهمة، وعلى رأسهم المخرج العظيم ألكسندر بيتروفيش دوفجنكو.
سبق وأن درسنا هذا المخرج الثائر أثناء دراستي في الحقبة السوفيتية، ولكننا لم ندرس آنذاك أجوبة مهمة من أفلامه ونشاطه لأنه كان معتماً عليه، وعلى أفلامه، ولم يكتب أو ينشر حينها إلا ما كان متوافقاً مع خط النظام السوفييتي في زمن ستالين، في حين أنا أتناوله في كتابي بالنقد والدراسة بناء على وثائق جديدة خرجت من أروقة (الكي جي بي) بعد سقوط صرح الإتحاد السوفيتي، كما بنيت دراستي على وثائق أخرى مأخوذة من سيرته الذاتية.

*لماذا أنت مقل في صناعة أفلامك الوثائقية؟
**هناك سببان مهمان: الأول يعود إلى أن صناعة الأفلام الوثائقية تحتاج عملية بحث ودراسة دقيقتين لأنها تتطلب نظرة فاحصة ورؤية جديدة للمواضيع التي تتناولها، وللأسف يستسهل الكثير من صنَّاع الأفلام هذه العملية ويقفزون عنها، وهي تحتاج إلى عمليتي دراسة وإعداد جادتين، ثم كتابة سيناريو دقيق بالضد مما يتصور الكثيرون بأن لا حاجة للفيلم الوثائقي للسيناريو لأنهم يعتبرون أننا نصور الواقع كما هو ودون تدخل من صانع الفيلم. وهذا وهم برأيي، كما أنني وهذا السبب الثاني، لا أنتج أفلامي على حسابي الخاص، ولا أصورها دون دعم مالي من قناة تلفزيونية أو شركة انتاج تمول الفيلم، وفي أحيان كثيرة يتأخر انتاج الفيلم بسبب انتظار موافقات الجهات المختصة.

*هل تعتقد أن العراق بحاجة لعدسات مصوري الوجبات السريعة التي ترتهن للفضائيات التلفزيونية؟
**للصورة image شقّان: الأول إيجابي وهو الجانب المعرفي فيها، بسبب من المعارف والخبرات التي تنقلها لنا الصورة. والثاني سلبي وتدميري ولا معرفي. وهو ما تحمله "عدسات الوجبات السريعة". والصورة الملتقطة بعدسة الكاميرا برهان، (وخاصة إن جاءت متحركة)، لا ينازعها أي شكل فني آخر. وقد دفعت وفرة الصورة وتعدد استخداماتها إلى وصف عصرنا بـ "حضارة الصورة ". 
يجب عدم الاستهانة اذن بالجوانب التدميرية-التي تحملها تلك الصور، وهي موجهة أساساً إلى عقل المتفرج، وتقلل من شأنه وتهينه لأنها تستخف بعقله وتراهن على الإبقاء على جهل المتفرج فيه. هذا هو شأن وعمل القنوات التلفزيونية بشكل عام التي تنتج صورة فاعلة ذات غايات ليست بريئة كما يتصور البعض.
العراق كباقي دول العالم يواجه غزواً حقيقياً للصور التدميرية التي تبثها مختلف القنوات من (فوكس نيوز) و(سي ان ان) و (الجزيرة) و(العربية) والكثير غيرها. إننا نعيش بحسب جيل ليبوفيتسكي وجان سيرو زمن "الصورة الفائقة"، وعلينا فهم دور الصورة ومجال نشاطها من أجل تحقيق استخدامات علمية وليست عشوائية في صناعة أفلامنا.

*هل نزل الجلاد عن ظهرك أخيراً؟
**كنت أحاول دائماً رسم صورة للجلاد أو الامساك بملامحه، ولكنه كان يفلت مني ببراعة. يعيش هذا الكائن فينا ويطارد أحلامنا أينما حللنا. مرة كتبت سيناريو لفيلم روائي طويل في تسعينات القرن الماضي. وحاولت في هذا السيناريو أن أجسد شخصية الجلاد الذي كان يقلق نومي رغم بعدي عن العراق طويلاً. كتبت مشهداً بكى فيه الجلاد قبل أن يهمّ بقتل ضحيته، ولكنه عفا عنه بعد أن سمع منه مقطعاً شعرياً مؤثراً. نسيت هذا السيناريو الذي وقع بين يدي مصادفة بعد حوالي خمسة وعشرين عاماً من إخراج فيلمي الوثائقي (دمعة الجلاد) ،2013 وفيه بكي الجلاد أيضاً لأنه تأثر بقصة موت أحد ضحاياه قبل إعدامه.
كنت قد نسيت تماماً أنني كتبت مشهد سيناريو فيلمي الروائي وانهيار الجلاّد باكياً أمام ضحيته، ولكن عادت نفس حالة الجلاّد بكل تفاصيلها الدقيقة في فيلمي الوثائقي.
الغريب في الأمر، أنني بعد فيلم (دمعة الجلاد)، لم أعد أرى الكوابيس ذاتها التي كانت تأتيني، واختفت صورة الجلاد وهي تطاردني في شوارع باريس وكييف وموسكو ومختلف عواصم العالم.
انتصرت عليه بفضل السينما، وهذه حقيقة، فالسينما علاج نفسي وحائط صدّ يقف ضد الخوف والانكسارات، وهي تعيد تشكيل حياتنا بالصورة التي نحب أن نعيشها.
 
*من هو المخرج العراقي إن أردنا تعريفه؟
**المخرج العراقي هو ذلك المخرج الذي لا ينتمي إلى أية طائفة أو عرق أو قومية أو دين وينحاز إلى العراق فحسب. المخرج العراقي هو المخرج الذي لا تتوقف موضوعات أفلامه على العراق فحسب، بل وتدور عدسته في كل مكان من العالم، وهو المخرج الذي يغرف معارفه من مختلف ثقافات العالم. المخرج العراقي هو ذلك المخرج الذي عندما يصور أفلامه يمكن أن يفهمها ويتفاعل معها أي انسان في أي بقعة من العالم. وأخيراً هو المخرج الذي لا أعرفه، ولكن عندما أشاهد أفلامه أقول هذا ابن الرافدين.

تعليقاتكم

أضف تعليقك