ثماني سنوات على رحيل عمر أميرالاي: السينمائي السوري مفكراً

ثماني سنوات على رحيل عمر أميرالاي: السينمائي السوري مفكراً
برحيل المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي في ال 5 من فبراير(شباط) 2011 طويت صفحة نافرة واستثنائية في السينما السورية، لم تضاهها صفحة أخرى من حيث الشكل والمضمون، وربما طويت معه صفحة مثيرة للجدل يقف وراءها الجيل المؤسس للسينما السورية الجديدة.

فأميرالاي الذي تندمج ذكراه في مع هذه السينما دون غيرها، خلق اتجاهاً خاصاً به قائماً على المراقبة العيانية بالاعتماد على الحدس الملهم دون غيره، وكأنه لم يكن يكفيه السيناريو المكتوب على الورق. وربما يكون لهذه الأسلوبية الأثر الكبير في تكوين رؤيته الفكرية وتأكيدها عن واقع ثابت لا يتخلخل، إلا بعد نقله إلى الشاشة الوثائقية وتفكيكه إلى جزئيات تكونت منها سينما هذا المخرج وامتدت على حوالي عشرين فيلماً.

عمر أميرالاي الذي تندمج ذكراه مع هذه السينما دون غيرها، خلق اتجاهاً خاصاً به قائماً على المراقبة العيانية بالاعتماد على الحدس الملهم دون غيره، وكأنه لم يكن يكفيه السيناريو المكتوب على الورق. "

ربما لم يكن يكفيه أيضاً هذا الكم من الأفلام على مدى حوالي أربعين عاماً من الشغل المتواصل، فثمة أشياء كثيرة كان يمكن أن يقولها، وهو لم يتوان عن ذلك، اذ ربما تصلح عناوين أفلامه من بعد ذلك على المساعدة في تفكيك وتشكيل عوالمه الشخصية أيضاً ومواقفه وهو يعيد ضبط اللعبة الواقعية بلعبة أشد مضاء من الواقع نفسه، وربما أكثر مكراً ودهاء منه. وهنا بالضبط تكمن المسألة برمتها، فهذا الاحساس اليقيني بضرورة التغيير من خلال الصورة، هو ما دفع في جزء كبير منه إلى رسم تصورات مسبقة عن كل عالم قرر ولوجه ونقله بسرعة فائقة بوصفه استعارة عن واقع متردد وخجول، ويخشى الكشف عنه أو تعريته وما كان يفعله أميرالاي بالضبط ليس إلا الكشف متيقناً بسريرته و «سوريته» من لعبة الكشف ذاتها، وقد أوغل فيها بحيث إنها شكلت أسلوب حياة، وليس مجرد أسلوبه السينمائي الذي افتقدته السينما الوثائقية العربية والسورية في واحدة من أدق مراحل تطورها.

من المؤكد أن هذه الصيغة من الكتابة ستفتقد أداة الجزم والقطع الرؤيوي التي تكون منها عالم عمر أميرالاي، حتى وإن لم تعامل أفلامه أبداً بالطريقة التي قوبلت بها أفلام القطاعين العام والخاص السوريين على امتداد سنوات حفلت بالكثير من المنحنيات والتعرجات والكبوات والتي بدا هو فيها متحصلاً على هوية سينمائية خاصة به، منذ أن كان طالباً دارساً للسينما في فرنسا على يد جان بيير ملفليل، حيث شهدت باريس عام 1968 انقداح شرارة الوعي اليساري في ذهن ووجدان الطالب الشاب. وحتى عودته مطلع سبعينات القرن الماضي ليجرب أدواته الأولى في مجرى وسد نهر الفرات. ربما هذا ما دفعه حينها لينزل الى الشارع مع الطلاب مدفوعاً بحماسة السينمائي، صاحب العين المتوقدة، بكاميرا يكتشف لاحقاً أنها كانت مفرغة من الشريط السينمائي. مجرد كاميرا تحمل الخدعة وتكشف لعبة السينما نفسها بتصور ساخر ومؤلم عنها. ويقيناً أن عمر أميرالاي الشاب كان حينها يبحث عن المفكر في السينمائي، لا العكس، فقد شكلت تلك الأيام العاصفة الانعطافة الأكبر في مصير المخرج الذي لم يكف من حينها عن طرح الأسئلة عن واقع، متورم، وصدئ، كان يؤمن هو بسريرته الفاحصة والمتأنية، بإمكان تنقيته وملئه بالهواء النقي حتى من خلال عدسة كاميرا مفرغة من الشريط الخام.

هذا الانقلاب في التفكير هو ما رسم فكر عمر أميرالاي المستقبلي، ومن دونه لم يكن ممكناً التوغل بدراية منقطعة النظير في عوالم أفلامه كلها، اذ بدا أن كل فيلم من أفلامه هو تتابع في الكشف والنقد والتعرية لا حواجز أمامها، فكل فيلم على حدة هو بساط بحث وتدليل وتورية في عالم يتقلب بثبات أمام الكاميرا التي ميزته عن سواه من المخرجين السوريين.

هنا قراءة مطولة في فيلم (الحياة اليومية في قرية سورية)، الفيلم الأبرز في مسيرة عمر أميرالاي، سورياً وعربياً، وهو يحمل نبوءات عدة على أكثر من صعيد ليس أقلها إن قرية مويلح التابعة لريف مدينة دير الزور الشمالي تعرضت للتدمير تقريباً على أيدي عناصر تنظيم داعش الإرهابي، وهي القرية ذاتها التي خصّها أميرالاي بإبداعه الفيلمي الكبير:


من الأمتار الأولى تبدو (الحياة اليومية في قرية سورية) 1974 للمخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي، وكأن ثمة مايشي بالفعل أن البداية تكمن هنا، وبخاصة في تلك الكادرات في " ذهب " الصحراء الذي لا يهدي سوى الرمال فقط. ثمة أيدي " بريئة " مخشوشنة تقوم بالفعل الشائن نيابة عن هذه الصحراء المتوحشة، حين تنحّل ذرات الرمال وتذوب أمام عدسة الكاميرا في أسلوبية قلقة يعلن عنها الفيلم السوري بصراحة، ولا يخفي تردداتها، وكأن كل التصورات البصرية التي وضعها المخرج برفقة المسرحي الراحل سعد الله ونوس عن أهل قرية مويلح، الواقعة شمال شرق سورية ، ستشكل بداية السينما الوثائقية الحقيقية، أقله هنا في سورية، حتى ليبدو أن حكاية هذه السينما تبدأ هنا، ويراد لها أن تنتهي هنا، اذ يبدو أن " الأشباح " المستغرقين في كادرات الأسود والأبيض ليسوا على عجلة من أمرهم، وانما من يبدو مستعجلاً في واقع الأمر ليس إلا الشريط المصور، ذلك أن شبحية الصورة تظل هي لغة الوصل بين الفلاحين الذين يتنقلون بين بيوتهم الطينية الموجودة في خلاء عازل، كما لو أنهم يقومون بعمليات توليف الفيلم من داخل الفيلم نفسه
. .
لاشك أن (استخدام) هذا الفيلم كذريعة للحديث عن بدايات السينما الوثائقية السورية،  وإن سبقتها (محاولة عن سد الفرات) 1972 ، يشكل سانحة ذهبية للقول إن هذه السينما بدأت مع (الحياة اليومية في قرية سورية)، وأن هذا الفيلم سوف يستمر من بعد ذلك بفتح الرموز المغلقة التي تتشكل منها حيوات أهل قرية مويلح على افتراض، وهذا سوف يقال حرفياً، إنه نوع قائم بذاته، ذلك أن الأيدي التي تقوم بين الفينة والأخرى بتخيل الرمل لا يبدو أنها ستدخل في عراك مع ذرّاته حتى لو أنها كانت تذروها على مهل على عظام جيفة متموّتة، أو في لقيا حذاء مقطّع .


الريح التي تهب على أهل مويلح من جهة الشرق ولا تحمل لهم سوى وعوداً بالغبار، تجعل منهم بشكل أو بآخر ممثلين يقفون أمام كاميرا عمر أميرالاي ليعيد تنقيط تلك العلامات بصمت، كما في صور العائلة المجتمعة على " وليمة " الخبز والشاي، ليخبرنا الفيلم أن زاد يومهم يبدأ في الواقع هنا، وأن على المشاهدين، أن يتوقعوا أن انصراف أفراد هذه الأسرة إلى العمل في الأرض والحقول القحطة على وقع الأهازيج الخاصة بتلك المنطقة، انما للتأكيد على أن مصائرهم لن تكون بعد اليوم إلا معلقة في ذلك "الخواء" المستقطع كلية من صمت مستحدث وبائن، ولا يقوم سوى على هداية الصحراء، فالفيلم عموماً يمكن له أن يظهر من قبل وجودهم كممثلين أو من بعد هذا الوجود، وهذا قد لا يشكل فارقاً جوهرياً، طالما أن أهل مويلح يمكنهم حجز أمكنة اضافية فيه للتثبت من يقين الرمال ومصير الزراعة الآيلة إلى تفكك التربة وعدم صلاحها، فهنا المعلم الذي سيقوم من بعد كل ذلك على رطانة اللغة المدرسية في الصفوف الابتدائية، ويقوم بتلقينها للطلاب الصغار في هذا المقلب الآدمي، وهي ذاتها الكلمات التي لن تجدي، ذلك أن مراد الجميع يتعدى هذه الرطانة اليومية إلى ما هو أبعد من شبحية اللغة التي يبصر بها المعلم طريقه إلى غرفة الصف الطيني.


كل هذه الموجودات والتفاصيل الصغيرة التي ينشأ عنها الفيلم، تخبر من زاوية أخرى أن اللقاء مع المختار الأمي جاسم الذي ورث "المخترة" عن أبيه عام 1952 لا يملك راديو، وسيلة الاتصال الوحيدة في تلك الأيام مع العالم المحيط ، ليعرف متى حلت هزيمة حزيران، إنما تشكل أسلوبية تجمع هنا بين المزاج التوثيقي وايقاع القصة الروائية التي جعلت من أهل مويلح مادة لها، وهذا المفتاح الأسلوبي – إن جاز التعبير – الذي اعتمده المخرج، أعطى المشاهد وقتاً للتأمل في مجرى العملية، كما لو أن الجميع هنا يتعاطون مع الواقع المرّ في لعبة تمثيلية، وأنهم ليسوا مجرد فلاحين بسطاء يقومون بلعب أدوارهم الصغيرة الثانوية أمام الكاميرا، وأنه يتوجب على الشريط الوثائقي أن يسجل بحرفية ما يدور أمامه من أحداث وأفعال دون الحاجة الفعلية إلى تصورات أميرالاي – ونوس، وهذا في الواقع ينجزه القطع بين الرموز الكثيرة التي تتجمع على أرض بائرة تتشكل بهدوء على مرأى من أهل مويلح، وبين المستقدمين إليها من معلمين وأطباء وبيروقراطيين.


هذا القطع يشكل أيضاً في وجه منه "فلتراً" يقوم على تنقية الدور الواقعي الذي ينشده هؤلاء الفلاحين في مواجهة لعبة السينما الوثائقية المصورة، ويقدمهم بوصفهم أولئك الممثلين الذين يمتلكون عوالم داخلية حارة تزيد من حضور الصورة وتكويناتها الشفافة الأنيقة، ذلك أن عنوان الفيلم لا يشي من الآن فصاعداً عن حدث يدور في قرية بعينها. إنه ينكر الاسم، لابل وينقحه على نسج الحياة اليومية من خلال نول بصري، كما لو أن هذا يتكرر من قبل، وسيتكرر من بعد من دون حصول كل تلك الأخطاء الفادحة لدى الآخرين الذين ينتظرون مثل هذه الأخطاء ليقدموها بوصفها دروعاً في الاملاء البصري الذي يقوم عليه التصور الدرامي للفيلم، لأن بناؤه المشروط يبدو كما لو أنه يقوم على تصورات وتخيلات مسبقة، ولكن هذا نتاج وثائقي يقيض له أن يشكل تلك العلامة الفارقة في السينما الوثائقية السورية خاصة، والعربية عموماً التي أطلقها عمر أميرالاي في ( الحياة اليومية ) ولتكر من بعده كل تلك الأفلام التي انشدّت إلى الريف السوري بغية محاكاته، ومحاكاة الجدات والأمهات الريفيات فيه علّ وعسى يمكن اقتناص موجودات جديدة سوف تتشكل منها بعض الأفلام اللاحقة في سجل هذه السينما الوثائقية التي لم تفقد نضارتها، ولكنها لم تتجاوز هذه الحياة اليومية في محاولة تخفيف وطأة القطع والتركيب والمراقبة والتسجيل، وإن قدم بعضها رؤى جديدة في بعض الأحيان، ولكن دون شرط اعادة تركيب الواقع بالطريقة ذاتها، اذ لم تنص الحياة الطبيعية في أي شرط من شروطها على تجاوز التركيب الذكي الذي اعتمده أميرالاي وقدّم له امكانية أن يصبح علامة فارقة في مجاله، لأن السقالة الدرامية في هذا الفيلم ستتشكل على مدى ثمانين دقيقة من يوميات هؤلاء الفلاحين البسطاء، ومن نفسيات الطاعنين في السن منهم، وقد خبروا الحياة بطرائق مختلفة، لهذا سوف يلجأ المخرج إلى ذلك العجوز الذي ينزع ثوبه عن صدره أكثر من مرة، وليجمده في كادر منتقى بعناية في نهاية الأمر ليبوح بما يثقل صدره بالذات، ذلك أن بعض هؤلاء الشيوخ انما يشكلون فاكهة لمراقبة دقيقة، وما علينا كمشاهدين سوى التحقق من هوياتهم، لأنهم هم من سوف يستثيرون فينا الرغبة في التأمل .


هل يمكن القول بعد كل ذلك أن ( الحياة اليومية في قرية سورية ) هو نوع سينمائي قائم بذاته ؟
قبل الاجابة عن هذا السؤال ربما يجب تغطية ذلك بالقول إنه في الفيلم الروائي يتجلى الفعل قبل كل شيء في الممثل، وأن العلاقات المتبادلة مع المحيط تلعب هنا دوراً درامياً نشطاً في تقديم هذا الممثل للناس، وبالتالي فإن مأزق البطل الدرامي في السينما يقبع في الوسط بين النظرية والتطبيق في فن الممثل. والبناء الناظم للفيلم السينمائي يطل هنا بوصفه علامة غير قابلة للقسمة مع أبطال غير قابلين للقسمة أيضاً. هنا البطل يجد نفسه في أوضاع قائمة ومكتملة وعليه أن يتحرك ضمنها. أما الأبطال في الفيلم الوثائقي، فهم يجدون أنفسهم في أوضاع أكثر تأزماً من أبطال رواية ما، وكأنه لا حلول أمامهم ، وليس لديهم امكانية إلا في تجاوز ما يمكنهم قوله عن أحوالهم ، وما آلت إليه أوضاعهم المكربة في قرية يمكنها أن تصبح افتراضية أيضا وتقع في أكثر من منطقة جغرافية، فليس هناك تعداد فعلي للرمل الذي يتشكل منه عالم هؤلاء البسطاء، وهذا فيه استحالة بالطبع، ولا يبدو أن هذه القسمة ستكون مجدية في الواقع، لأنها قابلة للانشطار أو التعدد، وعليه يمكن القول إن عمر أميرالاي أسس هنا بشكل مبكر أسلوباً يغطي هذه الفكرة، لأن هذا الفعل الذي يخلقه هذا الفيلم عبر اعادة رسم الواقع بغية توثيقه واعادة تركيبه بأدوات الواقع نفسه، اذ يمكّن حبّات الرمل التي تنخّل بالأيدي ذاتها أن تملأ حذاء فارغاً، وأن تغمر علبة سردين فارغة، وأن تظلل حيوات ما تبقى من أشباح آدميين ليس بوسعهم سوى الانتقال إلى امكانية التأكيد أن كل قراءة متشكلة في الوضعيات التي وجدوا فيها ليست إلا ملجأً آخر، يقومون بالاحتماء واللوذ به، حين يعاد رسم الظلال البشرية في كادرات متقنة ومونتاج داخلي ذكي، يؤكد أن فكرة الانشطار والتعدد التي تميز هذا النوع لم تجيء من فراغ، وهذا ما يفعله عمر أميرالاي، على امتداد الفيلم، وهو ما شكل في الحقيقة بدايات الجدل حول السينما التي سيصنع منها أفلامه اللاحقة، وملاحقة واحدة لأبطال الفيلم تؤكد هذه النظرة، ويصبح اللجوء إلى هذا الانشطار الذي ينتج عن أحوال صادمة يعيشها هؤلاء الفلاحون، وبعضهم غارق عن عمد في أمية متحققة، حتى حين يلجأون إلى الخبز المصنوع من القمح والشاي الأسود الثقيل اللذين يشكلان تسعين في المئة من طعامهم اليومي، وإلى أفعال الشعوذة المتعلقة بأوضاعهم الصحية، فإن أميرالاي يستبق هذه الطروحات بصور لا تتعدى مضغ اللقيمات، ذلك أن الايقاع الداخلي للفيلم ينشا في مثل هذه الحالة عن التصادمات الدينامية التي يلجأ إليها الشريط، كما هو حال المرضى في الأوتوبيس المتوجه إلى مدينة دير الزور لمراجعات مستشفياتها بعد أن أكدوا عجزهم عن تأمين الطبابة الصحية في أماكنهم، حين تحل الشعوذة محل كل شيء،  حتى في أبسط العلامات الطبية. هذه التصادمات الدرامية تؤكد بالفعل أن السؤال عن دينامية السلوك الانساني المتجذر في هؤلاء "الأبطال" يكمن في الواقع في مادة هذا الفيلم دون سواه، وهو ما يقود إلى دينامية نفسية ليست أقل انعكاساً من كل تلك الوسائط الداخلية المتصلة بالعالم الخارجي المحيط بهم، وهم يعيشون ويدورون فيه. والمثال العاكس الذي ينشأ عنها يكشفه احساس مبكر بواقع مترد ليس ثمة امكانية لإعادة تركيبه إلا من خلال هذه الفرضية حول الانشطار والتعدد الذي ينطلق منه الفيلم .


هل كان يحدث كل ذلك مصادفة ؟
لا يمكن الاجابة بنعم عن مثل هذا التساؤل، ذلك أن الاشكاليات التي يطرحها فيلم (الحياة اليومية) كما سبق وأسلفنا، قائمة بالفعل على فرضية من هذا النوع تتجلى أكثر فأكثر على متعة الكشف من خلال كادرات متقنة تشكل بنية درامية متصاعدة مستقلة يمكنها خطف المشاهد من مقعده الوثير ليفكر، علماً أنه ليس من الأكيد أن جميع "المختطفين" هنا سوف يقبلون بمثل هذه الاضافة من حول هذا الفيلم – العلامة، وربما يقبلها البعض بتشكك، باعتبارها موضوعاً اجتماعياً قابلاً للحل والمعاينة والمساومة إن أمكن على أوضاع حيّة. وحتى يصبح الموضوع الذي نقاربه أكثر جلاء في مثل هذه الحالة، يمكن القول إن التعبير الوصفي ينتج هنا عن مشاعر الأبطال الواقعيين، وهم ينكبون على لعب أدوارهم كي يعاد تشكيل هذا الواقع من خلال حيواتهم، اذ تبدو أن ثمة ازدواجية في المعنى يمكن المراهنة عليها بوصفها علامة جديدة في التأليف الوثائقي، وهي في نفس الوقت معطى عن العلاقة مع العالم المحيط. سيتحصن المؤلف خلف هذه الازدواجية، لأن السؤال سيتأكد خلف شحوب الصورة نفسها التي يلجأ إليها وهو يعاين الواقع في مويلح عبر قوانين داخلية، هي كل ما يبقى له في هذه اللعبة الواقعية المثيرة .


من فيلم ( الحياة اليومية في قرية سورية ) بدأت مرحلة نوعية في ابداعات السينما الوثائقية العربية دون شك، وبالتأكيد ليس الكمّ، بل النوع الذي يتحقق فيه، وهو بالتأكيد ما حدث ، ويحدث في سينما عمر أميرالاي اللاحقة التي تشكلت منها بعض أفلامه الأخرى مثل (الدجاج) و(طبق السردين) على سبيل المثال ، ذلك أن المؤلف الوثائقي هنا لا يحصر خياراته وموضوعاته في قالب واحد، بل يدعو أبطاله الواقعيين بجرأة إلى فكرة الانشطار والتعدد بغية الانكشاف أمام الكاميرا، وليظهروا عراة من كل ستر، ولهذا سيظل يحمل مغزى أكبر أن تقوم أفلامه اللاحقة بعكس المصائر المختلفة لأبطاله المنتقين بذكاء مدروس، بوصفهم النموذج المحتذى من خلال تأكيدهم بعفوية على مرونة المحتوى، ذلك أن الشكل يظل في المقام الأول ملقى على عاتق التوصيل بين فكرة الانشطار والتعدد التي يخبئها عمر أميرالاي في معظم أفلامه تقريباً، ذلك أن حيوات هؤلاء "الأبطال" تحمل معنى الازدواجية وهي تظل محك الوصف والسرد الوثائقيين اللذين يبعثان على تحييد المنطق النقدي في محاولة تتبع هذه السينما الشديدة الخصوصية القائمة على العلاقة بين السلوك الداخلي والخارجي لهؤلاء الأبطال ، لأنها لا تجيء مباشرة ، فهم ينهون شيئاً أمام الكاميرا ويخفون شيئاً آخر، وهذا ينتج عن تلك الرطانة التعليمية المدرسية التي يعيشون على وقعها، ويؤكدون من خلالها على واقع أشد رطانة، يتفكك ويتحلل بدهاء ذرات الرمل وهبوبه المنقطع النظير. والسؤال الأول الذي يمكن له أن ينتج بالعلاقة مع كل ما تقدم يكمن فيما إذا كانت الواقعة الدرامية في هذا الفيلم ايجابية لجهة العلاقة مع التيمة المطروحة سينمائيا بوسائط اللغة الوثائقية ذاتها. يمكن القول هنا إنه من المهم في الاجابة ليس الكم، بل الجانب النوعي في السؤال ذاته، ذلك أن الواقفين بدراية أمام الكاميرا يقبعون خلف الاشارات بوصفهم رموزا واقعية، وليس مجرد أعداد مؤلفة صمّاء، وهم أقلية في النوعية، ولكنهم يشكلون ما يمكن تسميته بإيديولوجية التمدد في الفراغ، لأن نظرية الانشطار والتعدد التي نحيل إليها الفيلم لا تقدم سوى وعياً ذاتياً يكاد يغطي الأبطال أنفسهم ببديهيات تنشأ عن السينما الوثائقية نفسها. وفي النهاية، فإن مؤلفاً من طراز عمر أميرالاي يتوجه نحو اشكاليات قريبة من جوهر تفكيره تقوم على بناء متعدد أيضاً في الشكل والمضمون، وهذا يشكل عن سابق تصور وتصميم علاقة ايجابية بين هذه الفروقات، فثمة سؤال كان ينشأ هنا على الدوام بشكل واضح وصريح عن العودة دائماً إلى المدرسة لتقديم أفضل ما فيها من رطانة يومية. وإذا كان عمر أميرالاي ينجذب نحو هذه العلامات التي يرسمها في الفيلم بوصفها حلولاً مسبقة، فإنه من غير المشكوك به أبداً أن تكون أشكال هذه العلامات تنص على اعادة ملء الفراغ برمل التفاصيل اليومية لحياة هؤلاء غير القادرين على الانعتاق إلا من خلال التدرج في الرطانة غير المؤجلة، ولكن إذا كانت علاقة المؤلف تتشكل من خلال عوالم أهل مويلح، فإن ذلك يجب أن يتبعه اعتراف أن الشكل في الفيلم محلق فنياً ، والفضل في ذلك يعود إلى الأسلوبية وآلية العمل عليها، وهو ما أعطى نتاجاً متعطشاً لفرضية الانشطار والتعدد في حيوات أبطاله المتجددين، القائمة على خضّ الوعي دون تردد ورجّه في أماكنه المرئية وغير المرئية اذ يبدو أنه من خلال هذه الوجهة الدرامية المعقدة يمكن استمالة كثر منهم نحو جراحة أشد صرامة بغية توصيف أمراض مزمنة يعيشها الريف السوري .


هنا في (الحياة اليومية) تظهر الوجوه دائماً في مقاطع منفصلة، كما لو أنها تخضع بالفعل إلى جراحات غير تجميلية في كادرات متتالية، وهي جراحات من غير مخدر، اذ لم يكن متوفراً لحظة الانحناء عليها بمشرط البحث والكشف، كما لو أن المخرج لا يستعيض عنه إلا بنصل مشرط حاد لا يمكن القبول به، كما لا يمكن الاستغناء عنه. وهذا لا يحدث إلا في السينما الوثائقية، اذ لا يمكن اعادة ترتيب الواقع – فنياً – إلا باللجوء إليه، وعمر أميرالاي لم يكن يفوت فرصة دون الاستقواء بهذه الجراحة الضرورية (الحديث عن حلول عشائرية في علاقات الناس ببعضهم البعض – رطانة الدروس اليومية – اتقان الجهل في معارك الحياة اليومية) للخروج بتفاصيل مؤرقة ليس لأصحابها فحسب، بل ولجملة مشاهدين يقعون في مستقبل الصورة، لأن الاطلالة من خلال وجوههم على خيبات الرمل بعد ذره في الفراغ، وهي ذرات لا يعاد صوغها ابداعياً إلا من خلال مأثرة الانشطار والتعدد التي تقوم عليها حيوات أهل مويلح، والتي تسمح بنشوء ازدواجية في المعنى والمبنى في حياة من سبق له وشارك في فيلم وثائقي يعتبر بحق بداية السينما الوثائقية في سورية، بالشكل الذي يجب أن تكون عليه، كتحقق في الشكل والمضمون الذي يقوم على دعائم فلسفية وتعبيرية وبصرية لا تهادن، فالأفلام الوثائقية لا تخون صاحبها،  وهذا نزوع خاص بهذا المخرج الذي لم يخن ولعه بهذه السينما يوماً في حياته ، الولع القائم على الانشطار والتعدد، اذ لولاهما لبدت سينما عمر أميرالاي في حياته ضالعة في فراغ لا يستهان به، ولما تمكن فيلم (الحياة اليومية في قرية سورية) من الصمود في هذا الفراغ والاستقواء عليه بما يضمن له البقاء الدائم والمتجدد في أي مستقبل يعرض فيه.

 

تعليقاتكم

أضف تعليقك