باز شمعون ل (دفاتر غوتنبرغ): تحطيم ما هو مألوف وإعادة تركيبه بالذهب

باز شمعون ل (دفاتر غوتنبرغ): تحطيم ما هو مألوف وإعادة تركيبه بالذهب
مامن حيرة نقدية في الحوار مع المخرج العراقي باز شمعون. قد يكون السبب في اختيار واجهة الحسم في أجوبته هو خصوصية فيلمه الوثائقي الجديد (73 درجة مئوية).

حكاية عن الوجع العراقي الطويل الأمد. حكاية تنحني على مصائر3 شخصيات عانت أهوال الحروب المتتالية حتى صارت تعكس تلقائياً فاجعة بلد بأكمله. هل قلنا بلد؟

في الواقع من يشاهد فيلم باز شمعون الجديد يكتشف هنا أن (100 دقيقة) متقنة صورت على مدار 8 سنوات تقريباً ترسم معالم مصير منطقة برمتها، وهي تتداعى وتتشظى تحت ضربات الرماح السوداء، ويصبح الحوار من حولها منهكاً ويتطلب دربة خاصة في الالتفاف عليها للحصول على ما يمكن الحصول عليه، وهذا أقصى ما يشتهيه مخرج الأفلام الوثائقية ليصنع فيلماً عن موزاييك إقليم ينهكه العنف الطائفي والإثني.

المنتج ضعيف أمام السوق، وهذا أمر بدهي، ولكن نحن أقوياء بذكائنا المضمر في أفلامنا عموماً، وعندما تكون المجازفة مفتوحة على مصراعيها. المنتج الذكي لا يتصرف بهذه الطريقة، فهو يحتاج مادة يهضمها التلفزيون وكل عابر سبيل كسول. "

في المقلب الآخر يقف باز شمعون من بعيد ليقص حكاية مختلفة بهواجسها مع السينما. درس الإخراج السينمائي في وقت مبكر جداً في تشيكوسلوفاكيا قبل أن تتشظى هي الأخرى وتصبح بلدين حين سافر إليها وهو فتى.

باز شمعون صاحب هموم خاصة في الرسم وفي السينما، وهي هموم يمكن ملاحظتها بشكل خاص في فيلمه (الرغبة والطين). حين شاهدنا الفيلم في المجمع الثقافي في أبو ظبي قبل أعوام أدركنا أن شمعون لديه الكثير من غوايات الصورة السينمائية الخالصة، وهو في فيلمه (73 درجة مئوية) يمارس هذه الغواية من باب مختلف في التوثيق والتقطيع وتركيب ما يعلق في النفوس الآدمية من صور وحكايا عن إقامة مستحيلة تتركها الحرب كلما عنَّ لها أن تشتعل في شرقٍ دامٍ ولقيط. هنا حوار مع باز شمعون:

*الذي يشاهد فيلمك يخرج بانطباع قوي بأنك تكسر هنا حدّة وحدة الفيلم الوثائقي الكلاسيكي. تقفز عن مسوغات التأمل؟
**لا أخفي أبداً أن هذه كانت نيتي وهدفي، ولم يكن هناك في مخيلتي شيء آخر سوى تكسير ما هو غير قابل للكسير. لست مع الثوابت والأعراف الجاهزة، وأحب البحث المعمق في كل شيء حتى يتسنى لي تحطيم البنى الدلالية للأشياء وإعادة تركيبها ووضعها في سياق آخر مختلف عما هو معتاد، وغير ذلك لا يغريني لا شيء في عمل الأفلام.
لا أخفي أيضاً في هذا السياق أن الذي ساعدني بالأساس في تحطيم وحدة الفيلم الكلاسيكي هو الخوارزمي الذي قدَّم لي على طبق من ذهب ولادة مبادئ معالجة المونتاج لفيلم 73 درجة.
الفكرة التي ظهرت بعد بحث مضنٍ ومشاهدات امتدت زمنياً على أكثر من ستة أشهر هي فكرة واحدة بسيطة، ولكنها كانت بالنسبة لي أكثر أهمية من أي شئ آخر، وهي حضارة (الميزوبوتامية) التي حددت وجود مفهوم العجلة (الدائرة) في ذلك الزمان. كان هناك طريقة واحدة لا غير للتعامل مع العجلة. العجلة ممكن أن تلف في محور العجلة، أو تلف حول محور العجلة، وهذا المفهوم الفيزيائي قادنا الى النص الأساسي، وعبره تمكنا من تحديد ما الذي نريد تكسيره لنختلف في معالجتنا السينمائية عن نمط الفيلم التلفزيوني والفيلم الوثائقي الكلاسيكي.
كيف لك أن تعكس شكلاً ومضموناً متوازيين أو متقاطعين فيلمياً على سبيل المثال في الازدواجية الخاطئة التي تتحكم بمجتمع يعج بهذا الكم الهائل من التعقيد والمصائب والخراب؟ هذه الحالة أو الدلالة البنيوية أخذت مكانتها ومداها في تركيب مقدمة الفيلم معي أنا شخصياً، فعندما تنتقل في مشهد واحد من مقطع إلى مقطع آخر وبحوار متقطع مشوش مع نفس الشخصية، وتضع كل ذلك في سياق تعريف واضح ليكتمل المشهد. أعتقد أن المجازفة في كسر وبناء الأشياء مرة أخرى تكمن هنا بالضبط.

*هل كان لطول المدة الزمنية (حوالي ثماني سنوات) التي بدأت فيها تصوير أولى لقطات فيلمك دوراً في تجاوز معطيات تفرضها طبيعة الإنتاج الوثائقي الجديد الذي يميل في معظمه لصالح كفة المنتج "الذكي"؟
**أنا لست منتجاً ذكياً، ولو كنت كذلك، فمن المفروض أن أختار السوق في غرفة المونتاج وقبل ذلك مجرد الشروع بكتابة الفيلم. لقد اخترت الاستقلالية المطلقة في الأداء والتركيب والتكوين السينمائي. وأعتقد أنني مع طاقمي الفني تآمرنا داخلياً على كل الفروض السينمائية الجاهزة، وتجاوزنا مطبَّات التوزيع والطبيعة الدغمائية التي يفرضها سوق الانتاج الوثائقي الكلاسيكي بكثير من الحذق.
المنتج ضعيف أمام السوق، وهذا أمر بدهي، ولكن نحن أقوياء بذكائنا المضمر في أفلامنا عموماً، وعندما تكون المجازفة مفتوحة على مصراعيها. المنتج الذكي لا يتصرف بهذه الطريقة، فهو يحتاج مادة يهضمها التلفزيون وكل عابر سبيل كسول.


*أنت تبدي تمرداً واضحاً على آلية عمل الإنتاج "الجديد". كيف لم يؤثر هذا على ميزانية فيلم حظي بساعات تصوير طويلة جداً؟
**لا نتآمر هنا على أحد بقدر التآمر على المفاهيم الجاهزة القادمة من فضاء فوضى الاعلام المرئي في عصرنا المعلب هذا. يبقى الخيار للمخرج هنا في اختيار الأسلوب الذي يعمل في إطاره، وبالتأكيد الأسلوب الذي تختاره هو الذي يحدد نوعية وسقف ميزانية الفيلم دون أدنى شك.


*شخصيات الفيلم الرئيسية (ريان، علي، آسيا) لا يظهر عليهم أنهم يستنجدون بك لعمل فيلم عن هشاشتهم وضعفهم في حرب طاحنة لا يعلمون عنها شيئاً سوى بما أنتجته منهم من أجساد محطمة؟
**هذا الاحساس كان بمثابة الدافع الرئيسي الذي قادني إلى هذه الشخصيات المهشمة بنيوياً ونفسياً. لم أكن أبحث عن شخصيات تريد الخلاص بقدر بحثي عن شخصيات تلتصق بأرضها وتاريخها دون أي إنكار لحالات الضعف والهشاشة القابلة للتفتت أكثر وأكثر، ويمكنني القول هنا إن المونتاج أعطى قوة إضافية لتجسيد هذا الشعور الحقيقي كما هو عند الشخصيات، كذلك عند المتفرج.

*بالرغم من طفولتهم ووقوعهم ضحايا إلا أنهم يخفون في عجزهم أيضاً ما يوحي بأزمة الهويات القاتلة. هل ما يميز هذه الأجيال من الآن فصاعداً هو هذه الهويات التي لن يفرون منها حتى لو ذهبوا إلى أقاصي الأرض؟
**أعتقد جازماً أن أمين معلوف لم يكن غائباً من هذه الفسحة أيضاً. لقد أثبتت فلسفته المروية مع مرور وقت قصير صحتها. إنها مشكلة الصراع الحقيقي الأبدي الذي تعيشه هذه الشخصيات مع هويات لم تخترها طوعاً أو جزافاً، والحالة المؤسية التي يجدون أنفسهم فيها هي مرآة عاكسة لوضع السلطة والصراع الدائر في بلدهم، والتي لن تتوقف لمجرد التسليم بنوع الهوية التي تخفي أيضاً جزءاً من عجز أكبر.


*كيف اخترت شخصياتك على التوالي؟
**وقع إختياري على آسيا عندما حددت تيمة الفيلم، فهي شخصية تحوي كل العناصر التي أبحث فيها أو عنها لبناء فيلم مثل 73 درجة مئوية، وهي كانت بمثابة المادة الخام التي عملت على إعادة صهرها، ومنها انتزعت الحالة البؤرية الأساسية لإنتاج وتصوير الفيلم.
إختيار ريان من كركوك، وعلي من البصرة ألهمني كثيراً في الواقع إثر رسم معالم وشكل الصراع والمواجهة بين الطرفين منذ لحظة لقائهما الأول، أو لقائي معهما في بيت السيد هادي بابا شيخ في ألمانيا أثناء مساعدتهما في العلاج لتخطي مصاعب حياتية ونفسية يمران بها، وكانت مشكلة الايمان الديني المتزمت والاثني التي ظهرت بينهما وفاقت كل توقع بمثابة صورة شعاعية عن مشكلة تلخص نظام الحكم في بلدي، وبأنه لن يكون بين الفرقاء في الدين والسلطة أي بوادر إيجابية للقاء فيما بينهم والعيش تحت سقف واحد. لقد ظهر ذلك مستحيلاً.

*من هم ريان وآسيا وعلي بتعريفك لهم؟
**إنها شخصيات مهمشة في الزمان والمكان المعني. شخصيات تتصارع على جميع الجبهات للبقاء على قيد الحياة، وهي من ضحايا العنف الديني والفساد وكل ما هو سلبي وقبيح في مملكتهم المشوهة. شخصيات تم نحرها قبل ولادتها. لقد جاءت مع ولادة هذا القرن العنيف، وهي تتصارع مع بعضها دون هوادة، ولا تعرف اطلاقا لماذا تتصرف بهذا الشكل عندما تقف وحيدة وعاجزة أمامك. الحرمان المستمر من الحياة والخوف الدائم من القتل المتعمد، كل هذا جعلها تحتمي بكل ما هو سلبي يمكنه الحفاظ عليها في حالاتها المهددة بالانقراض بكل ما تحمله الكلمة من معنى.



*هل كنت تستنطق "أمكنة الحشر" ان جاز تعريفها بالكاميرا الخفيفة بعد أن تخليت عن وهم المعدات الثقيلة التي لم تكن تصلح لكسر حدة الوهم الناشئ في الفيلم الوثائقي الجديد؟
**لقد استخدمت الكاميرا الصغيرة في بحث وتطوير الفكرة دون إخفائها بجانب الكاميرا الاحترافية. هذا لا ينطبق بالطبع على حالة الأداء المدروس والممنهج في الانتاج والاخراج الذي لا يكون فطرياً وعفوياً في بعض الحالات التي تتطلب ذلك ولا يتماشى مع موضوعي والتيمة التي كنت أقوم بمعالجتها بصرياً وسينمائياً. كسر الوهم لا يأتي بنوع الكاميرا أو طريقة استخدامها، بل بشكل وجوهر اختيار الأداء الفيلمي.
الفيلم الوثائقي يتغير كل 10 سنوات، ويواكب التغيير باستمرار، والمبدع يجب أن يأتي بمضامين جديدة، ومتغيرة للحكاية التي يقوم بمعالجتها بغية سردها على الملأ. جان لوك -غودار وغيره من مقلديه لا يستهويهم الشكل والمضمون الذي يقوم في اشتباك الحكاية أو النص مع البداية والوسط والنهاية. ما أسهل هذا التصنيف الذي جاء عبر الحقب الماضية عبر نصوص بسيطة وبهيكلة واضحة، كل هذا من أجل أن يتسنى للمتلقي فهم الحكاية ودوافع الكتابة الدرامية، ولكن في زماننا الآن عليك تحطيم الأشياء وإعادة ترتيبها وتركيبها عن عن طريق لصقها مع بعضها بالذهب، ليخرج الشكل النهائي باتزانٍ وثقلٍ واضحين.

 

*لو لم تملك مثل هذه الكاميرا. هل كنت ستدخل في أعماق أبطالك وأنت تبحث عن دروب مغلقة فيها لا يبدو أن فيها متسعاً للنفاذ إلى الجانب السوي من نفسياتهم الممسوخة؟
**لا بالتأكيد. تصور قبل 20 سنة كيف كان المخرج يذهب الى ساحة حرب ومعه كامل العدة والأجهزة والفنيين المحترفين الذين كان يتجاوز عددهم خمسة أشخاص، هل كان يتسنى للمخرج الوقت الكافي لمحاولة الدخول في عوالم مظلمة ومغلقة ومحطمة بالسهولة التي يقوم بها الآن!
كان هذا من رابع المستحيلات. ولهذا إن قمت اليوم بدور المراقب في الأفلام الوثائقية القديمة سوف تجد الكثير من الاغتراب في هذه المساحة بين جسد الحدث والكاميرا.


*هل كنت تعي أنك كنت تقدم على مغامرة مهولة بتصويرك "عجز" شخصياتك كان من الممكن أن تفضي إلى نتائج عكسية تؤذي بنية فيلم؟ هل كنت تراهن على الحظ بأن تحصل على فيلم قوي ومتماسك في بنيته السردية بالرغم من تفتيت متعمد لظاهرها؟
**المغامرة في إنتاج 73 درجة كان يكمن في الأساس في اختيار تيمة الفيلم، وما يليها في عملية اختيار المكان والزمان. من المستحيل أن تحصل على فيلم متماسك ورصين من خلال مطاردة الحظ فقط، لأن هذا عادة يفضي بالفعل إلى نتائج سلبية، سواء أكان ذلك في انتاج أو اخراج الفيلم خاصة ان كان مشروع فيلم طويل الأمد. من الممكن أن يحدث ذلك في المشاريع التلفزيونية الاخبارية القصيرة الأمد والروح، وهذا لم يكن حال 73 درجة على أية حال.
العجز لم يكن عائقاً أمام شخصيات الفيلم، بالعكس من ذلك حيث ظهر الأطفال وفي وهم يمتلكون الدوافع والطاقات الهائلة لتجاوز العجز كما لاحظت بالفيلم، وتحويله الى فعل وبحث مستمرين لا يتوقفان لمجرد الخلاص من بؤسهم وأزماتهم المتفاقمة، وهذا هو أحد الأسباب التي أقنعتني باختيار هؤلاء الاطفال الأبطال، من خلال كفاحهم المستمر لتغيير واقعهم المظلم وليس الاستسلام. أنت كمخرج قد تقع في مغامرة مهلكة عندما تكون الشخصيات مستسلمة لواقعها المرير، وهذا لم يكن خيارنا في الأساس.

  

*أنت تتعاطى مع شخصيات كانت مجهولة لك حتى بداية تصوير الفيلم، وبالمقابل هناك شخصيات أنت على علاقة خاصة بها. "والدك" مثلاً. كيف أمكنك خلق توازن بصري وسردي في فيلم طويل نسبياً وأنت تسور هذه العلاقات في لتفعيل بنية صعبة كل ما فيها يشي بخطر التوقف عند نهايات معينة؟
**كل جسد له عمود فقري سواء أكان في حال متحولة أو ثابتة. والدي هو العمود الفقري المرصوص بقوة في تركيبة الفيلم عبر سرده التجربة الخاصة به والتي هي في الواقع جزء أساسي من حكاية العراق نفسه. إنه يمثل العوالم التاريخية التي يتحرك فيها ومن خلالها، وهذا الأمر بكليته كان جاهزاً من قبل وبعد العمل في الفيلم.
تبقى بطبيعة الحال خيارات الفكرة والأزمة التي أعالجها وثائقياً مرهونة بالعلاقة المباشرة بين الكتلتين (الشخصيات المجهولة والوالد) ليتسنى تفعيل الواقع الحقيقي، وتربيط خيوط حياتية ملموسة ببعضها البعض، وأعتقد أن والدي خلق توازناً في رسم وتحديد معالم تجربة جيل القرن الحالي وجيل بدايات القرن الماضي.

*ليس بوسع مشاهد فيلمك اطلاقاً التنبؤ بمصائر أبطالك. هل هذه "معجزة" الفيلم الوثائقي الجديد، ليس كل الجديد بالطبع، هنا نقف أمام حالة خاصة تحمل التمرد والتهور في التركيب؟
**المصائر في 73 درجة مفتوحة وليس أمامها أو وراءها أي آفاق مقفلة لأنها تجارب شعوب تعيد وتكرر نفسها بين الحين والآخر بأشكال تختلف في أبعادها وسلوكياتها، لهذا فإن التنبؤ بمصائرها يكون عادة غير واضح وصعب المنال على المبدع، وأنا بطبعي لست منحازاً كلياً الى ترتيب وتنظيم حالة أجتماعية فكرية في قوالب الالف باء. أنا أطرح أسئلة ولست مسؤولاً عن معالجتها في حيز زمن الفيلم.
الفيلم الوثائقي لم يعد كاميرا تلاحق وتصوب في اتجاه ضيق. الفيلم الوثائقي المؤلف والمستقل هو أداء، وليس متابعة لحالة بعينها، وإذا حددت مصائر هذه الأفلام سلفاً، فستخسر الكثير من التأمل والبحث القادم ولن يبقى ما تضيفه للمتفرج بعد أن ينتهي عرضها. التمرد والتهور في التركيب يعكس حالة الشخصيات والأزمة التي تعيشها بكل مفرداتها، والواقع هو متمرد بطبيعته، والحالة التي ينبثق منها تتأتى من تمرد الزمن.

*هل تعتبر نفسك مخرجاً مغامراً يمكنه كسر قوالب نمطية فرضها منتج غامض وذكي ويسعى لخلق قواعد خاصة به؟
** نعم أنا مخرج مغامر، والا لماذا سأعمل في هذه المهنة، إن لم أكن قادراً على الخلق والإبداع. أعتقد في مثل هذه الحالة أنه من الأجدر بنا أن ننسخ حكاياتنا من عن الآخرين كما يتوجب أن يحدث، ونكون مستهلكين، مملين، وفخورين بقاماتنا المشوهة. المغامرة هي اكتشاف ما هو غير مكتشف. 

*ألم تخشَ من اتهامك بأنك تسعى لخلق فتن طائفية في دفاعك عن الأزيديين، لأن المساحة الإعلامية المتاحة لهم تكاد تكون معدومة، بعكس الذين قد يقفون وراء الترويج لها وهم مسلحون بكل شيء. المال والاعلام الخ؟
**تفضل وارجع معي للوراء قليلا، أي قبل دخول تنظيم داعش ومعه كل أدوات الشر العنيف الى ديار ومعابد هذا القوم الجميل والمسالم في أخلاقه وتكوينه الإيماني. لقد انتفض الجميع بدءاً من الاعلام الرخيص والخبيث الذي انضمت إليه جحافل المشاهير والسياسيين والحكام والمفكرين والفنانين، وزاد في الطنبور نغماً زعيق الأمم المتحدة من بعيد ومعها جميع منظماتها الانسانية عبر التصدي خطابياً ضد هذا الشر دون تقديم أي مساعدة فعلية لهم. دعنا نتساءل أين كان هؤلاء من تاريخ الأزيديين في الماضي، أي قبل حرق أطفالهم واغتصاب نسائهم وقتل شيوخهم أمام شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، وقبل أن يدخل تنظيم داعش ووحوشه الهالكة باتجاه مدنهم ومعابدهم؟ لماذا لم يقع مزاج نوبل على حظوظ هذه الملَّة التي جرت ابادتها في ال 100 عام الاخيرة قبل هذا التاريخ، عندما كان الشعب الأيزيدي يصرخ من أجل حماية أرضه وعرضه ومقدساته. لماذا لم يكونوا يهتمون بصراخ هذه الأمة العريقة في تقاليدها وإرثها؟ كثيرون في العالم لم يسمعوا بالأيزيدي قبل الكارثة، وأنا أملك دلائل دامغة عن مؤسسات لم تكن تعرف من هو الأيزيدي بالضبط كما هو الحال مع المكونات الاثنية والعرقية الأخرى في بقاع شتى.
أثناء عودتي إلى بيتي بعد المنفى الطويل، وبالتحديد في سنة 2007 لم أشاهد أي فيلم قصير أو طويل، روائي أو وثائقي يدور موضوعه عن هذا القوم إلا القليل، وفي خلال 4 سنوات بدأت الأفلام تمطر علينا من كان إلى برلين وغيرها من المهرجانات وهي تنطق بالصورة والصوت عن أحوال هذا القوم، ولكن أين كانت قبل الكارثة. إن الانتهازية والسمسرة والتجارة أصبحت من سمات البشر في العصر الحديث.


*هل كنت تعي كل المادة التي تصورها، أم تركت لنفسك مساحة في الارتجال وترقب الأحداث التي لا تخطر ببال أحد؟
**أنا لست سياسياً ولا رجل الخطابات الرنانة، كما إنني لست مخرجاً يقتنص فرصاً دراماتيكية في ساحات المدن والحروب.  لست من يلاحق الحدث، بل دوري عادة يأتي بعد ترقب الحدث ومعاينته وقرءاته من مختلف الزوايا الممكنة وغير الممكنة.

 

*لم تكن تخاطر برسم خطوط عيانيه أمام شخصياتك وإلا بدا أنها تخرج عن فيلم يرصد صراع وطن محتدم في نفوس شخصيات سحقتها الحرب بالكامل من الداخل والخارج؟
**كما قلت لك في سياق الحوار إن الفشل سيكون من نصيبك إن وضعت أي نوع من الخطوط الجاهزة المسبقة في معالجتك الوثائقية قبل البحث المستفيض.


*كيف فهم أبطالك الكاميرا بعد طول معايشة معهم؟
** أعتقد إن هذا لا يعتمد على فهم حالة الكاميرا من طرف الشخصية. الأداء هو الوحيد القادر على خلق علاقة كيميائية بين الكاميرا والشخصية والمخرج الوثائقي، غير ذلك قد نسقط في فخ التركيب التدرجي.


*لماذا ريان يعشق سلاحه، هل كان يحاول الانتحار؟
**ريان شخصية ممتلئة شعراً وحساسية بالرغم من صغر سنّه، ولديه شوق للتعلم والاستمرار في حياته دون النظر الى الوراء. إنه كأي فتى كردي يطمح للاستشهاد في صفوف البيشمركة، فوالده ينتمي إليهم، وعملياً فإن عائلته تقاتل من أجل هدف، وهذا سبب فقدانه بصره. أطفال الأكراد يكبرون وينامون وبجانبهم السلاح، والسلاح متوفر في كل مكان. أما هذا المشهد الذي تقصده عندما تنهار العائلة وتبكي ابنها العائد من المانيا فاقداً بصره. هذا المشهد أعيد تكوينه ليعكس مفهوم واضحاً وصريحاً: السلاح أصبح أولا في أيادي الأطفال، وهذا يمهد لخلق وتضخيم الشعور بالانتقام عندهم أو الانهيار الفردي المتوقع.


*كيف تفهم استقلال المخرج الجديد وأنت نفسك كنت منغمساً بالصراع؟
**سلاح المخرج الجديد (في الفيلم الوثائقي) هو الموضوعية مع جودة الأداء التي لا يجب المساومة عليها إطلاقاً. أعتقد أن هذه الموضوعية هي بمثابة حبل متين يمشي عليه المخرج المستقل حتى بعد إطلاق فيلمه للمتفرج. 

 

تعليقاتكم

  1. Fahri

    ابراهيم السليمان   2/10/2019 6:59:05 AM

    عندما يخرج المبدع من القوقعة
    مما لاشك فيه ان الفنان باز شمعون هو شخصية إكسنتريكية من حيث إستقطابه للمعلومة وحتى في نظامه الحياتي؛ لذلك نراه من خلال إجاباته على تلك الأسئلة الجوهرية من قبل المحاور؛ غير ممل وغير مؤطر ضمن سياق كلاسيكي إعتدنا عليه في مجتمعاتنا الشرقية؛ والتي تصل في بعض الأحيان إلى الإبتذال. أعجبتني كثيراً هذه الجملة التي قالها بأحد أجوبته حول البحث عن شخصياته " لم أكن أبحث عن شخصيات تريد الخلاص بقدر بحثي عن شخصيات تلتصق بأرضها وتاريخها دون أي إنكار لحالات الضعف والهشاشة القابلة للتفتت أكثر وأكثر". أخيراً أحب أن أُذَكِر؛ بأن الصورة هي من تصويري للمخرج باز شمعون

أضف تعليقك