مارشيللو ماستروياني: أحتاج لطبق السباغيتي وزجاجة النبيذ مثل كل ايطالي

مارشيللو ماستروياني: أحتاج لطبق السباغيتي وزجاجة النبيذ مثل كل ايطالي
كُتب وقيل الكثير عن مارشيللو ماستروياني حتى لم تعد أي كتابة أو معلومة تفاجئ معجبيه بأي شيء جديد. لكن ربما، وبحسب كاتب المقال، لا أحد يعلم شيئاً عن أصول والدته ايدا، التي لم تكشف هذا السر أبداً لأنه كان يحمل معنى حيوياً لها خلال فترة حكم موسوليني وسنوات الحرب التي سبقت وفاتها بقليل.


ولدت الأم لعائلة يهودية في مينسك سنة 1898 سرعان ماانتقلت إلى ألمانيا ومنها إلى إيطاليا حيث تزوجت من أوتورينو ماستروياني، والد مارشيللو، وكان نجاراً بالكاد يستطيع أن يسد رمق عائلته.

في الفيلم الوثائقي – (Mi ricordo, si, io mi ricordo) أتذكر، نعم، أنا أتذكر الذي صور في فترة قصيرة قبيل رحيله حدد مارشيللو ماستروياني فلسفته في التمثيل على النحو التالي:" أنا كسول جداً، سلبي للغاية.. أنا مجرد مراقب ولست رجل أعمال  "

طفولة فقيرة
ولد مارشيللو في 28 سبتمبر (أيلول) 1924 في فونتانا ليري، وهي بلدة صغيرة في وسط إيطاليا، ولكن العائلة انتقلت في وقت لاحق إلى تورينو، ثم إلى روما.
"نمت لفترة طويلة على سرير واحد مع والدتي، وأشقائي الأكبر سناً مني كانوا ينامون على الأرض، وأبونا في الممر، ولم أكن أرى شيئاً فظيعاً في ذلك، لأن الكثير من أصدقائي عاشوا ظروفاً شبيهة". يروي الممثل الكبير في وقت لاحق من حياته.

بعد انتهائه من المدرسة التقنية عمل كمدقق للحسابات، وفي نهاية الحرب انتسب إلى كلية الهندسة المدنية في جامعة روما وفي نيته أن يصبح مهندساً مدنياً. هناك التقى بجولييتا أمازينا زوجة فيدريكو فيلليني المستقبلية. معاً سيشكلان فرقة مسرحية طلابية للهواة، ويقومان بتأدية بعض الأعمال المسرحية الخفيفة وسرعان ما أصبحت من أفضل فرق الهواة في روما.

يلاحظه المخرج الإيطالي لوكينو فيسكونتي، فيستقطبه إلى مسرحه (إليزا)، الأمر الذي دفع مارشيللو للتساؤل بدهشة عما أعجب المخرج الكبير في أدائه. لكن فيتوريو غاسمان هو من ساعده على تطوير موهبته كممثل، وقد أصبح غاسمان أحد عمالقة السينما والمسرح الايطاليين في وقت لاحق، وحقق الاثنان نجاحاً باهراً في (عربة الرغبة) لتينسي وليامز، وحينها قرر مارشيللو أن يقطع دراسة الهندسة ويتفرغ للتمثيل على خشبة مسرح (إليزا)، واستمر على هذا المنوال حتى سنة 1956.

العمل في السينما:
الفترة التي اشتهر بها مارشيللو ماستروياني بدأت في واقع الأمر مع حلول سنة 1959 حين أسند له المخرج فيديريكو فيلليني دور البطولة في فيلم (الحياة حلوة) الذي ظهر للنور سنة 1960. وسوف تكرُّ سلسلة طويلة من المشاركات المتفوقة في أفلام كثيرة مثل فيلم (الليل) 1961 لمايكل أنجلو أنطونيوني، وتحفة فيلليني المبهرة (ثمانية ونصف) 1963.

في هذا الوقت بدأ مارشيللو ماستروياني يراكم النجاح تلو النجاح في الأفلام الهزلية الايطالية أيضاً، فظهر في أفلام مثل (الطلاق الإيطالي)، (بالأمس واليوم وغداً)، (الزواج على الطريقة الإيطالية)، (كازانوفا 70)، وبدا أن ذروة تطور أدائه وموهبته تجلَّت في فيلم (الغريب) للمخرج لوكينو فيسكونتي عن رواية ألبير كامو المعروفة.

وفي الوقت الذي بدأت فيه السينما السياسية الإيطالية تتفتح وتعرف طريقها إلى المجد في سنوات السبعينات من القرن الماضي، سوف نرى أن ماستروياني على العكس مما هو متوقع آثر الاستمرار بتصوير أفلام الكوميديا السوداء مثل (ليزا)، (الغداء الكبير)، (لاتلمس امرأة بيضاء) لماركو فيريري.

في هذا الوقت أيضاً من عقد السبعينات سوف يظهر مارشيللو ماستروياني في فيلم 1974Allonsanfan للأخوين تافياني، وفيه محتوى تهكمي صادم وغير مسبوق موجه إلى الثورة الفرنسية، كما سيظهر في فيلم (يوم خاص) 1977 لايتوريو سكولا الذي يكشف بعمق عن عنف المآسي الاجتماعية في إيطاليا أثناء حكم موسوليني. كما سيظهر في فيلم (سبليندور) 1988 الذي يحكي عن العشق المجنون للسينما. بطله مدير صالة سينمائية مهووس بالأفلام، وبسبب تراجع أعداد مشاهدي الأفلام يضطر للتخلي عن مهنته وينحني على الماضي الذي كان يحتشد بالجمهور المتعطش لمشاهدة السينما الحقيقية.

في سنوات الثمانينات من القرن الماضي سوف يتألّق مارشيللو ماستروياني في أفلام لاتنسى للمخرج الإيطالي الكبير فيديريكو فيلليني: (مدينة النساء) ، (جينجر وفريد) ، (المقابلة) ومع ايتوريو سكولا في فيلم (العالم الجديد) الذي يفسر بشكل جدي التعب من تذوق الملذات الدنيوية. وعلى غرار هذا الخط يجيء دوره في فيلم المخرج الروسي نيكيتا ميخالكوف (عيون سوداء) 1986 الذي فاز بجائزة مهرجان كان وثالث ترشيح للأوسكار بعد (الطلاق على الطريقة الإيطالية) و(يوم خاص).

في سنوات التسعينات عمل مع مخرجين من طراز روبرت التمان وجوزيبي تورناتوري وثيو أنجلو بولس ويمكن اعتبار أدواره في هذه الفترة بمثابة تحول كبير مدروس على صعيد أدائه الدرامي لشخصيات تقدم بها العمر وصار لها نكهة وايقاع خاصين.
في الفيلم الوثائقي – (Mi ricordo, si, io mi ricordo) أتذكر، نعم، أنا أتذكر الذي صور في فترة قصيرة قبيل رحيله حدد مارشيللو ماستروياني فلسفته في التمثيل على النحو التالي:" أنا كسول جداً، سلبي للغاية.. أنا مجرد مراقب ولست رجل أعمال وأسترشد في حياتي بالمبدأ الإيطالي القائل بتأجيل كل شيء للغد، وفي المساء أحتاج لطبق من السباغيتي وزجاجة من النبيذ وشلة من الأصدقاء. في جميع أفلامي الجيدة أؤدي أدوار شخصيات لا تعمل، ولكنها تتفاعل. أنا أشعر براحة أكبر في هذه الأدوار".

بسبب مزاجه العاطفي الحيوي وعلاقاته بالعديد من أشهر جميلات العالم أطلق عليه لقب (الزير الإيطالي) و(العاشق اللاتيني) وبالرغم من الشهرة التي حظي بها، فقد تزوج مرة واحدة فقط سنة 1950 من الممثلة الإيطالية فلورا كارابيلا ولديه منها ابنة وبقيت زوجته قانوناً حتى نهاية حياته بالرغم من خياناته التي لاتحصى، ظل خلال 46 سنة يتصل بها هاتفياً من أي مكان يتواجد فيه، ويرسل لها الورود في عيد زواجهما.

مع تزايد شعبيته كممثل زادت شهيته للنساء الجميلات والتي غالباً ما شاركنه الشاشة نفسها، وكن في ذلك الوقت من ألمع النجمات مثل: أنيتا ايكبرغ، أنوك ايميه، أورسولا أندرس، بريجيت باردو، جين مورو، ستيفانيا ساندريلي، مونيكا فيتي، كلوديا كاردينالي، صوفيا لورين، كاترين دونوف، شيرلي ماكلين، جولي أندروز، جيسيكا تاندي، لوسيا بوس وغيرهن وكان لديه علاقات حميمة مع بعضهن ليس على الشاشة فقط، على سبيل المثال: أورسولا أندرس، جاكلين بيسيه، فاي دونواي، ناستازيا كينسكي، مارثا كيلر.

قال ذات مرة "لم أعدّ النساء اللواتي حصلت عليهن أبداً. أنا كنت أحبهم فقط". ولم يتوان في اعترافاته أن يقول إنه ربما أعطاهم أقل مما حصل عليه هو.
في فيلم (المقابلة) لفيديريكو فيلليني تسأله صحفية أميركية متى لاحظ لأول مرة أنه معبوداً من قبل النساء. وقد أجابها ماستروياني ضاحكاً: دعينا نقول كالآتي. منذ اللحظة الأولى التي أعجب أنا فيهم.

حكايته مع كاترين دونوف:
العلاقة العاطفية الأطول والأكثر اثارة في حياته كانت مع النجمة الفرنسية كاترين دونوف، وقد اشتعلت شرارة الحب بينهما أثناء تصوير فيلم (هذا يحدث فقط مع الآخرين) 1971 من اخراج نادين ترنتينيان.

في البداية لم يعجب ماستروياني بشريكته الجديدة على الشاشة. " الساحرة المحترفة" كان هذا هو تقييمه للصبية الفرنسية ذات ال 27 ربيعاً، وكان حينها يعاني من أزمة نفسية جرّاء انفصاله عن الأميركية فاي دونواي، كما أن دونوف نفسها كانت تعاني بسبب انفصالها عن المخرج فرانسوا تروفو. ولكن حدثت مفاجأة بأسرع مما هو متوقع اذ سرعان ماتعمقت صداقتهما وتحولت إلى علاقة عاطفية عاصفة استمرت عدة سنوات، وبدأ ماستروياني التنقل مثل مجنون بين روما وباريس للإقامة معها، وبالرغم من أنه أنجب منها ابنته كيارا سنة 1972، وبدأت كاترين دونوف تمهد لانسحاب تدريجي من علاقتهما بالرغم من وعوده بالطلاق من زوجته من أجل الاقتران بها وعاد هو إلى روما يجر أذيال الخيبة كما يقال.

كيارا أصبحت ممثلة مشهورة أيضاً، وقبيل وفاته بوقت قصير ظهر معها في فيلم (ثلاث حيوات وموت واحد) لراؤول رويز.
وفي سنواته الأخيرة عاش مارشيللو ماستروياني مع الفرنسية أ. تاتو، وفي صباح مبكر من يوم 19 ديسمبر(كانون الأول) 1996 توقف قلبه للأبد، وكانت كيارا وكاترين دونوف بمحاذاة سريره في شقته الباريسية.

 

 

تعليقاتكم

أضف تعليقك