(خارجاً في الظلام): عتمة رام الله لا تشبه عتمة تل أبيب

(خارجاً في الظلام): عتمة رام الله لا تشبه عتمة تل أبيب
استعادت القناة الثانية في التلفزيون السويدي مؤخراً عرض فيلم (خارجاً في الظلام) للمخرج الاسرائيلي ميخائيل مائير، وفي الاستعادة نوع من "الاحتفاء" بالطبع ان لم يكن خاضعاً لبرمجة متقنة تبررها بعد مرور حوالي سبع سنوات على تحقيقه.


حتى وقت قريب كان يمكن القول إن الأدلجة التي يخضع لها المجتمع الإسرائيلي، بماهي منسوبة للعقيدة الصهيونية نفسها غير مؤهلة لإعادة انتاج فن وفكر لائقين انسانياً، وهذا ثبت فعلياً، وثبت أكثر فشل اسرائيل في اعادة تسويق نفسها ثقافياً. لكن هذا قد لا يعني أن اسرائيل مستمرة بمراكمة هذا الفشل، والدليل هو صعود نوع وكم من الأفلام السينمائية التي صارت تفهم لغة المهرجانات العالمية وتتوجه إليها، وهذا ليس أمراً منوطاً فقط بنوع رأس المال المستخدم في انتاجها، بل إن هناك رسائل في غاية الخطورة تحملها في ثناياها وتبثها في كل الجهات، وبالطبع هذا لا يشمل نوع الأفلام التي تحاكي نفسها بلغة الوجود، أو ماهي الأسباب التي تدفع بالإسرائيليين للبقاء في أراضٍ ليست لهم، وهي حركة تشبه حركة في الأدب الاسرائيلي برزت خمسينات القرن الماضي محملة بنوع من الأسئلة الوجودية ذات الطابع الانساني.

ليس موضوع قبول الآخر مادة للنقاش هنا في هذه المقالة بالطبع التي قد لاتعجب كثراً متربصين، وبخاصة أن مواقع التواصل الاجتماعي أخذت على عاتقها ليس فقط تحرير آراء كثيرة من التصلب والتحجر التي قد تتهم فيها هذه الكتابة، بل أنها صارت تفرض وتتسلط في نوع الآراء التي يمكن الكتابة بها من الآن فصاعداً، وهذا يستدعي تفكيك المادة المحمولة عن الفيلم تفكيكاً هادئاً "

فيلم ( ظلام ) الذي يتخذ من حكاية شابين مُثليين، أحدهما فلسطيني (نيكولاس يعقوب ) والآخر اسرائيلي ( ميخائيل آروني ) ليس الا ستاراً خطيراً لتمرير هذا النوع من الرسائل، مع تعاظم دور الحركات المُثلية في العالم، ودور الحركات التي تتبنى قضاياهم والدفاع عنهم، وهنا يفرد الفيلم أيضاً مساحة مناسبة لاستعراض دور الحركات الاسرائيلية التي تقوم بتبني المُثليين الفلسطينيين الذين يهربون من "واقع البؤس والتكتم والقسوة" الذي يعيشونه في الأراضي الفلسطينية إلى جنة حقوق الانسان في مدينة تل أبيب، وما تمثله في هذه العتمة التي يركز عليها المخرج مائير في حلوله البصرية، حتى أنه يمزج بين عتمتين طوال الفيلم: عتمة رام الله المنكوبة المتبلدة، وعتمة تل أبيب التي تشع بالفرح والسهر.

من الصعب استكناه مادة مقبولة عن هذا الفيلم لدى الكثيرين. ليس موضوع قبول الآخر مادة للنقاش هنا في هذه المقالة بالطبع التي قد لاتعجب كثراً متربصين، وبخاصة أن مواقع التواصل الاجتماعي أخذت على عاتقها ليس فقط تحرير آراء كثيرة من التصلب والتحجر التي قد تتهم فيها هذه الكتابة، بل أنها صارت تفرض وتتسلط في نوع الآراء التي يمكن الكتابة بها من الآن فصاعداً، وهذا يستدعي تفكيك المادة المحمولة عن الفيلم تفكيكاً هادئاً، حتى لاتتهم هذه الكلمات بأي نوع من التصلب والتحجر غير القابلين للنقاش كما قد يتصور البعض.

نمر مشهراوي (نيكولاس يعقوب) فتى فلسطيني يدرس علم النفس في جامعة بيرزيت الفلسطينية، وهو شعلة في الذكاء كما يقدمه سيناريو الفيلم، ومتفوق في دراسته، وان بالغ في هموده وأصبح يسهو كثيراً بين أفراد عائلته حين كان يلتحق بها بعد زيارات مدينة تل أبيب للتدليل على انجذابه عاطفياً للمحامي الاسرائيلي الطموح، الوسيم روي شافير (ميخائيل آلوني)، واذ تنطلق شرارة هذه " العلاقة " من احدى حانات المُثليين في مدينة تل أبيب، لا يعود بالإمكان ايقافها تحت أي سبب من الأسباب. لا الترخيص المؤقت بدخول "القلعة الاسرائيلية" الحصينة قادر على فعل ذلك، ولا الشاباك الاسرائيلي (الأمن الداخلي) يمكنه فعل ذلك سواء من طريق مطاردة نمر للإيقاع به وتطويعه بابتزازه وجعله أداة للتجسس على طلاب جامعة بير زيت، أو برمي المُثليين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية بعد الانتهاء من تقديم خدماتهم للعدو، ليتكفل أهاليهم و" المتعصبين " الفلسطينيين بالقصاص منهم، وغالبا ما يتم قتلهم وتصفيتهم كما يخبرنا الفيلم، أو كما يحدث مع مصطفى الذي تضيق الأجهزة الاسرائيلية ذرعاً به، لأنه لم يعد لديه ما يقدمه لها مقابل الابقاء عليه في مدينة تل أبيب التي تصر على تنظيف نفسها بنفسها تلقائياً من كل فلسطيني يمكنه أن يتجول فيها بحرية، وهو شعار الشاباك الاسرائيلي على أية حال.

يرفض نمر مشهراوي في البداية عرض مسؤول الشاباك، ويبدي عنداً لا يتناسب مع طبيعته الهادئة والمسترسلة بالذبول، مقارنة مثلاً مع شقيقه نبيل (جميل خوري) المتشنج، والعدواني، والمتكلف في أحاديثه، وهو من يرعى مجموعة فدائية تقوم بتصيد العملاء والمُثليين على حد سواء وتخزين الأسلحة في أمكنة مهجورة يعرف الشاباك عنها كل شيء، وهو ما يفضي الى اعتقاله لاحقاً على أيدي جنود وحدة اسرائيلية خاصة، الا أن رفضه وعناده لن يستمرا طويلاً، اذ سرعان ما يلغى ترخيصه المؤقت بدخول تل أبيب للتمرن على يد بروفيسور اسرائيلي في جامعتها، ويصبح مادة دسمة لعناصر الشاباك الاسرائيلي الذين لن يتوقفوا عن مطاردته، فيما ينجح روي بتهربيه أكثر من مرة بعد مناقشات صاخبة مع والديه عن نوع "العشيق الارهابي" الذي يحميه.

نوع المونتاج المتوازي بين عائلتي نمر وروي يقود الى التمعن بالنموذج المعلَّب الذي يولد في الفيلم بالتدريج، ويقصده المخرج ميخائيل مائير، وان حظي بالتصفيق في مهرجانات عالمية كثيرة، ولقي الكثير من التعاطف في صفوف الحركات المُثلية حول العالم، الا أن الفيلم الذي يخلق توتراً مقبولاً على مدى تسعين دقيقة يسقط في امتحان التعليب الذي قد لا يهم كثيراً المدافعين عن ذرائعه في خلق شخصيتين متناقضتين في كل شيء يدور من حولهما، وجعل الأضعف (نمر) هو الخاضع، والمأسور، الذي يجب أن يدفع ثمن كل شيء في أرضه بغض النظر عن ميوله الجنسية التي يكتشفها في سن متقدمة نسبياً كما يخبر روي، فيما يبقى هذا الأخير (روي) متعالياً في كل شيء، حتى في نوع الأحاسيس والمشاعر التي يمّن بها على نمر. اصراره على تنجيته تحاكي غروره وصلفه وولعه بالهيمنة، ان افترضنا تحليل هذا النوع من العلاقات، وحتى افشاء سره بركوب اليخت من " "المارينا" أمام مسؤول الشاباك متوجهاً إلى فرنسا يحمل رغبة دفينة غير واعية بالتخلص منه أيضاً، فنحن لن نعرف أبداً ما إذا كان نمر سيصل الى فرنسا تهريباً، وأمامه ستة أيام لبلوغ شواطئها، وقد عرف الأمن الإسرائيلي وجهته.

ينتهي الفيلم بلقطتين عامة وقريبة لنمر مشهراوي على متن اليخت، لكن أحداً لم يقل إن كان سيبلغ فعلاً وجهته التي يحددها رجل المافيا رامون الذي يقدم خدمات جليلة لشركة والد روي الجندي السابق في الجيش الإسرائيلي، وهو سبق له وخدم في مدينة رام الله ويعرفها شبراً شبراً كما يخبر نمر في حوار غير متكافئ بينهما. لا أحد بالتأكيد.

تعليقاتكم

أضف تعليقك