احتجاجات "موضوعية" على حضور "رسول الإمبريالية"* في العاصمة العُمانية - يكتبها: عبدالله حبيب

احتجاجات "موضوعية" على حضور "رسول الإمبريالية"*  في العاصمة العُمانية - يكتبها: عبدالله حبيب
١. (أ): "إنها ليست فحسب سفسطات [تومَس فرِدمَن] الكوميدية ما أجده صبيانيَّاً بصورة مدهشة، أو أخلاقه الوقحة والفجَّة، أو [....]" (إدوَرد سعيد). (ب): "لقد فاز [تومَس فرِدمَن] بجائزتَيْ بولتزر لتغطيته الإعلامية المتزنة والمطلعة. ولعلكم لاحظتم أن ذلك قد أعلن في يوم كذبة إبريل" (نوام تشومسكي). (ج): "[تومَس فردمَن] أحمق وجاهل [...] وتقريباً أميّ" (حميد داباشي).


٢. المصادفة الموضوعية" (objective chance) مفهوم فلسفي يتعامل مع مقاربة "الإمكانات" أو "الاحتمالات" (probabilities) لأن تكون مظهراً من مظاهر الواقع الموضوعي للعالم. وفي الفنون والآداب طوّر السورياليون ذلك لتصبح "المصادفة الموضوعية" لديهم (خاصة عند أندريه بريتون) الاتحاد النشط والحي بين العالمين الذاتي والموضوعي في التجربة الوجودية بحيث يتنبأ أحدهما بالآخر على نحوٍ حرفي أو مفارِق.

ان الدورة الفائتة من معرض مسقط للكتاب قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في حرية تداول الأفكار بعد أن كان يباهي مُحِقَّاً بسعة أفقه، حيث بلغ عدد الكتب العمانية التي أعلن عن منعها حوالي عشرين كتاباً، عدا الكتب غير العمانية. وفي هذه الأيام، وقبيل انعقاد الدورة الوشيكة للمعرض التي سيشرفنا فيها المستر فردمَن، تتردد أخبار هنا وهناك عن جولة جديدة من منع الكتب العمانية "

٣. ذكَّرني الفيس بوك اليوم بمادة نشرتُها في مثل هذا اليوم قبل عامين. وذلك المنشور تضمن بدوره مادة بعنوان "بيانات شديدة اللهجة" كنت قد نشرتُها في الملحق الثقافي لجريدة "الخليج" في ١٨ أكتوبر ١٩٨٢، أي قبل ما يزيد عن ست وثلاثين سنة من اليوم (تلك المادة موجودة في المنشور الذي يلي هذا). أتذكر الآن أنني كتبت ذلك النص في إثر زيارة لمصر في ذلك العام، أي بعد أربع سنوات من توقيع معاهدة كامب ديفد، وكانت الأطياف الثقافية والحزبيَّة المصرية محتشدة ضد الاتفاقية. وتلوح على شفتي الآن ابتسامة باهتة وأنا أعيد قراءة ذلك النص الذي استلهمتُ في إحدى فقراته (أنا الفتى "الواقعي الاشتراكي" الجامح ذو الثمانية عشر عاماً في ذلك الوقت) اللاءآت الثلاث ("لا تفاوض"، "لا صلح"، "لا اعتراف") لمؤتمر الخرطوم الذي تلا النكسة مباشرة، فوجدتني قد كتبت: ""البيان الرابع. اقتراح": اللاءات الثلاث: ١. لا اعتراف بغير أدب يسهم في التغيير. ٢: لا صلح مع ترف فني لا يخدم. ٣. لا تفاوض مع ثقافة تغض الطرف عن الدماء".
ستطول ابتسامتي الباهتة الليلة وأنا أتأمل في كم ونوع النقد الذاتي والمراجعات التي حدثت منذ كتابة "لاءآتي الثلاث"، وملاحظاً في الوقت نفسه أنه لم يحدث تغيير على الــ"لا" الثالثة: "لا تفاوض مع ثقافة تغض الطرف عن الدماء".

٤. خلال الأيام القليلة الفائتة حدثت عدة "مصادفات" أظن أن علينا أن نتأمل فيها "موضوعياً".
"المصادفة" الأولى هي أن مهرجان مسقط قد اتخذ قراراً بإلغاء دعوة المفكر السوري فراس سواح، والذي كان من المفترض أن يلقي محاضرة ليلة الثامن من فبراير 2019، وذلك بسبب تصريح له عن الحجاب. وقد بررت جهة الاستضافة الاعتذار بأنه جاء "تفاعلاً مع المواطنين".
أما "المصادفة" الثانية فقد طالعتنا بها الصحافة المحلية يوم أمس في تغطية للمؤتمر الصحفي الذي عُقد يوم أمس الأول بخصوص الدورة الوشيكة من معرض الكتاب، وهي "مصادفة" كادت تصيبني بالغيبوبة حين قرأت: "أبرز ضيوف المعرض من الشخصيات الثقافية هو الكاتب والصحفي الأمريكي المعروف توماس فريدمان الذي سيقدم محاضرة في المعرض حول كتابه الجديد «شكرا لأنك تأخرت: دليل المتفائل للنجاح في عصر التسارعات»، وهو آخر كتاب لفريدمان. وسوف يوقع الكاتب على كتابه خلال أيام المعرض".
و"المصادفة" الثالثة حدثت في وارسو، حيث نقلت إلينا الشاشات لقطات للوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العماني وهو يحاول أن يتلافى الأسئلة والكاميرات في مرآب سيارات فندق، ثم لقطات له وهو يتبادل الحديث مع بنيامين نتنياهو. ولم يكن هذا الحدث معزولاً عن لقاءات أخرى بمسؤولين خليجيين مماثلين تتواصل الاحتجاجات عليها من مؤسسات المجتمع المدني في بلدانهم (سنلاحظ هنا أن عُمان لا تزال لا توجد فيها جمعية، أو هيئة، أو حملة وطنية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني).
المصادفة الرابعة جاءت من وارسو أيضاً؛ حيث أماط كوشنر اللثام عن موعد نشر "صفقة القرن" قائلاً بأن ذلك سيكون بعد موعد انتخابات الدولة الصهيونية في إبريل القادم.

٥. لكن من هو الفاضل/ تومَس فردمَن الذي ضاقت الأرض بمن رحبت من أهل الإعلام، والفكر، والثقافة على إدارة معرض الكتاب فلم تجد غيره لاستضافته في هذه البرهة التاريخية والسياسية بالذات؟ حسن جداً، لا يحق لنا أن نعترض على أقدارنا وعلى أقدار السيد فردمَن التي جعلته يولد لعائلة يهودية أمريكية، وأن يتلقى تعليمه العام في مدارس يهودية خاصة. لكن مشاكلنا مع السيد فردمَن ستبدأ اعتباراً من ١٩٦٨ حيث بدأ ما تصفه وسائل الإعلام الأمريكية ذاتها بـ"العلاقة الغرامية" بالدولة الصهيونية، بحيث أنه كان يقضي عطلاته الصيفية أثناء دراسة المرحلة الثانوية في "كيبوتز" (تعاونية زراعية) قرب حيفا. وبلغ الغرام صبابته للحد الذي جعل فردمَن يصرح بأن تلك العطلات كانت "احتفالاً متصلاً كبيراً بانتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة". ومع مجيء السنين أصبح فردمَن المنافح الأعظم عن الدولة الصهيونية في الإعلام الأمريكي، لدرجة أنه في تغطيته للعدوان "الإسرائيلي" على لبنان في ١٩٨٢ أصر على أن الصهاينة لم يكونوا متواطئين مع الميليشيات اللبنانية اليمينية في مذبحتي صبرا وشاتيلا، ما عرضه لسخرية حتى بعض زملائه الإعلاميين اليهود. ولهذا فليس من المستغرب أن يواصل فردمَن أدواره باعتباره من المحركات الإعلامية للمحافظين الجدد، وهو من أكثر مناصري العولمة مهما كانت نتائجها، ووقف ضد كل القضايا العادلة في الميدان الثقافي والنقابي الأمريكي. وفي أية حال فإن ما أقوله ليس سوى رأس جبل الجليد العائم كما يقولون؛ فكل شيء متوافر في المكتبات وعلى الانترنت صوتاً وصورة؛ بما في ذلك حماسه المحموم للغزو الأمريكي للعراق في ٢٠٠٣ لدرجة أنه قال في تسجيل موثق إن على الأمريكان أن يذهبوا إلى العراق كي... (ثم أورد ألفاظاً نابية). ولن ينسى أحد ان مبادرة السلام العربية (وهي مبادرة منبطحة في الأساس) والتي رفضتها القيادة السياسية "الإسرائيلية" مع ذلك، كانت من بنات أفكار فردمَن في سياق علاقته الوطيدة بأحد الأنظمة الحاكمة في المنطقة. بهذا يكرر فردمن بوصفه مستشرقاً ما فعله برنرد لِوِس في "كامب ديفد"، وما فعله لورَنس العرب في "سايكس – بيكو".

٦. العجيب الغريب ان فردمَن لن يحل ضيفاً على معرض مسقط الدولي للكتاب لإلقاء محاضرة تحمل عنواناً من قبيل "ليس أمامكم أيها العرب سوى الخنوع" كي تتم مقارعته حجة بحجة أو رأياً برأي، ولكنه سيأتي من أجل الحديث عن كتابه الجديد (الذي لم يترجم لقراء العربية لغاية الآن) وتوقيعه. العجيب الغريب أيضاً ان المصادر المقروءة والمرئية والمسموعة حافلة بمختلف العروض لهذا الكتاب؛ وبهذا فإنها في متناول يد كل من هو مهتم بما يكتبه فردمَن، ولا داعي أن يتجشم عناء السفر من "العالم الجديد" إلى "العالم القديم". هكذا يصبح معرض مسقط الدولي للكتاب ضالعاً نهاراً جهاراً، وبأقصى درجات الصور صراحة، في حملة علاقات عامة مدفوعة كافة التكاليف والمصاريف لترويج مؤلَّف لكاتب صهيوني من الدرجة الأولى.

٧. الأنكأ من كل ما ورد ان كل هذه "المصادفات الموضوعية" تحدث في الوقت الذي تتم فيه الاجهازات النهائية على القضية الفلسطينية من قِبل أشقائها وأعدائها معاً (بل كذلك ونتيجة للأخطاء التاريخية التي ارتكبتها قيادتها حتى وجدت نفسها في الزاوية الضيقة الأخيرة). لكن شأن السياسة شأن غير شأن الوجدان الشعبي والموقف الأخلاقي والمبدئي. وإذا كان قطاع من العمانيين قد عبروا عن رأيهم في تصريحات فراس السواح التي اعتبروها غير مقبولة عن الحجاب، فإن كل العمانيين قد عبروا مرات ومرات عن موقفهم، العقائدي، والروحي، والوطني، والأخلاقي، والقومي، والمبدئي من قضية أهلنا في فلسطين. والرهان دوماً على مواقف الشعوب وما هو ثابت في وجدانها، وليس على طوارئ السياسة.

٨. تبقى لي القول ان الدورة الفائتة من معرض مسقط للكتاب قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في حرية تداول الأفكار بعد أن كان يباهي مُحِقَّاً بسعة أفقه، حيث بلغ عدد الكتب العمانية التي أعلن عن منعها حوالي عشرين كتاباً، عدا الكتب غير العمانية. وفي هذه الأيام، وقبيل انعقاد الدورة الوشيكة للمعرض التي سيشرفنا فيها المستر فردمَن، تتردد أخبار هنا وهناك عن جولة جديدة من منع الكتب العمانية. في أية حال، سيتسنى لإدارة المعرض توكيد هذه الأخبار أو نفيها في حينه.

*عنوان هذه المداخلة مستوحى جزئياً في عبارة "رسول الإمبريالية" من عبارة "الرسول الإمبريالي" في عنوان ما يعتبر أهم مصدر نقدي بالإنجليزية عن فردمَن.


 

تعليقاتكم

أضف تعليقك