خالد الزدجالي ل(دفاتر غوتنبرغ): الهند أقرب سينمائياً من دول عربية كثيرة

خالد الزدجالي ل(دفاتر غوتنبرغ): الهند أقرب سينمائياً من دول عربية كثيرة
انتهى المخرج العماني خالد الزدجالي من تصوير فيلمه الروائي الثالث (زيانة) في الهند التي قصدها أساساً للبحث عن انتاج مشترك معها، فهي النقطة الأقرب إلى عمان جغرافياً وتاريخياً والتداخلات بين البلدين تكاد تطال كل شيء.

الفيلم من كتابة خالد الزدجالي وفاطمة السالمية، وفيصل ميران وتؤدي الدور الرئيسي الممثلة العمانية الشابة نورة الفارسية في أول أدوارها السينمائية، وهو يحكي حكاية الشابة زيانة التي تتعرض لحادثة مروعة تقلب حياتها رأساً على عقب تقرر إثرها مغادرة بلادها والتوجه للهند وهناك تختفي وتنقطع أخبارها ويتوجه زوجها إلى هناك ويدخل في سلسلة من المغامرات العصيبة.
المخرج الزدجالي درس السينما في المعهد العالي للسينما في القاهرة وتخرج منه سنة 1989. أخرج 3 أفلام روائية طويلة ومجموعة من المسلسلات الدرامية والأفلام التلفزيونية، وترأس لسنوات الجمعية العمانية للسينما، وأسس كذلك مهرجان مسقط السينمائي إضافة إلى كونه مستشاراً للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في سلطنة عمان.
هنا حوار معه بمناسبة انطلاق عروض الفيلم الروائي (زيانة) تجارياً في دور السينما العمانية، ويعد الفيلم باكورة الإنتاج بين سلطنة عمان والهند:

الإنتاج السينمائي في الخليج توقف تقريباً، والمهرجانات التي بدأت طموحة توقف معظمها، والمتبقي منها يجهد ليستمر بالبقاء، لهذا نرى أن مسألة انتاج سينمائي في الخليج وفي عمان تحديداً مرهونة بمزاج المسؤول الذي يمكن أن يقدم الدعم، ولكن بغير ذلك السينما رفاهية ليست مطلوبة "


*كيف وجدت السبيل إلى فكرة فيلم (زيانة)؟
**في الحقيقة فكرة زيانة هي بداية التأسيس لصناعة سينمائية في عمان، لأنه كما تعلم الإنتاج السينمائي في الخليج توقف تقريباً، والمهرجانات التي بدأت طموحة توقف معظمها، والمتبقي منها يجهد ليستمر بالبقاء، لهذا نرى أن مسألة انتاج سينمائي في الخليج وفي عمان تحديداً مرهونة بمزاج المسؤول الذي يمكن أن يقدم الدعم، ولكن بغير ذلك السينما رفاهية ليست مطلوبة، وحتى من خارج الرفاهية هي باب صداع، لأن الكل يقرأ من العنوان إن هذا باب للنقد وباب طرح قضايا، وبالتالي هم مكتفون بما هو موجود في القنوات التلفزيونية، ونحن طبعاً في عمان للأسف الشديد حتى الدراما بدأت تتوقف والوضع الذي كنا عليه قبل خمس سنوات مثلاً عندما كنت رئيساً للقطاع لا يشبه الوضع الآن الذي وصل فيه الإنتاج إلى الصفر تقريباً. أعتقد أن الجهات الرسمية بدأت تخاف من تأثير الدراما وتأثير السينما على المجتمع، وهذا موضوع كبير جداً في الحقيقة وأنا أتحدث فيه بأسى وحزن شديدين، لذلك تساءلت لماذا لا ننتج سينما، فإن كانت المسألة مادية، فنعمل على حل المشكلة، وتوجهت إلى المسؤولين، فأبدوا تردداً كبيراً، وكان طرحي متعلقاً بالتمويل، فإن كانت المشكلة تكمن فيه فقط، فنعالجها بالبحث عن الحلول والإنتاج المشترك، بمعنى أن المبلغ الذي يدفع لسهرة تلفزيونية عادية ممكن دفعه للحصول على فيلم سينمائي، وأنا أستطيع أن أشرك معي منتجين آخرين ونعالج قضايا اجتماعية، وعندما وضعت الأفكار والسيناريوهات أمامهم بدأوا بالتراجع وكان ترددهم ينبع أصلاً من خوفهم من مسألة واحدة وهي إن فتحوا الباب فإنهم لن يستطيعوا اغلاقه فيما بعد، ولأنني قطعت أشواطاً في مراسلة المغرب وسورية ومصر بحسب اهتمامات كل بلد على حدة فإنني وجدت أن استجابة الهند كانت سريعة جداً، فبمجرد أن أرسلت لهم ملخص فكرة الفيلم وافقوا عليها، وذهبت إليهم مباشرة وتحاورنا مطولاً واخترنا مواقع التصوير واستكملت كتابة السيناريو بحسب الإمكانات التي سيوفرونها وهم أدرى بها، ووجدت المنتجين مستعدين تماماً للتعاون معي. وما إن بدأت التصوير حتى واجهت هجوماً شديداً على هذه التجربة، لأن الوجود الهندي عموماً في الخليج غير مرغوب فيه، لكن في النهاية هم منتجون ويعملون في انتاج أشياء كثيرة غير السينما، وقد لا نرتاح لهم نفسياً في بعض الأحيان، ولكن عملياً واقتصادياً هم أناس محترفون، وربما أفضل من العرب أنفسهم، لأنه لا توجد مثلاً تجارة بينية بين عمان ودول عربية إلا فيما ندر، وربما مع الجيران فقط (الامارات وقطر والكويت) والتجارة مع الهنود لا تطاولها أي تجارة بيننا وبين الدول العربية مجتمعة، لذلك هي أمر واقع علينا التعامل معه، والأهم من هذا وذاك أن الجمهور الهندي هو الذي أبحث عنه أنا في الفيلم، فالجمهور العماني لايزال مقيد بأشياء كثيرة تمنعه من ارتياد السينما، وهو أساساً معتاد على الفيلم الأميركي الهوليوودي والفيلم البوليوودي، أما أن أضغط عليه لمشاهدة فيلم عربي، فهذا يعتبر من المستحيلات، لأن الفيلم المصري سقط من سوق الخليج ولم يعد موجوداً إلى حد كبير جداً. اذن لماذا لا أستغل هذا العدد الكبير من الهنود الموجودين في دول الخليج وعددهم يتجاوز عدد سكان هذه الدول بأربعة أضعاف. هم موجودون ويستغلوننا بطرق معينة فلمَ لا نستغل تواجدهم ونعرض عليهم الأفكار التي تمثلنا وتمثلهم. هذا جمهور موجود وهو من يذهب لمشاهدة الأفلام التي تمثل لهم الموت والحب وكل شيء، وأنا يمكن القول وجدت هذه الطريق أمامي وسأعمل فيلمين أو ثلاثة إلى أن يأتي أحد ما ويحل عقدة التعامل مع الدول الأخرى. نحن مرغمون في النهاية على إيجاد الأفكار التي تهم العمانيين والهنود على حد سواء.


* الإنتاج المشترك مع الهند له مزايا وله عيوب. ألم تخشَ على التجربة من طغيان الحالة الثانية على فيلمك؟
**طبعاً هناك مزايا وهناك عيوب، ولكن حقيقة المزايا أكثر من العيوب. يمكننا القول إنها 99 بالمئة. من العيوب يمكن ألا نحبذ بعض أفكارهم، ولكن هذه الجزئية في يدي ككاتب ومخرج ولاخوف منها أما فيما يتعلق بالجوانب الأخرى، فبدونهم لن نعمل وهذا أمر واقع. من المزايا الأخرى أنك تتعامل مع جهة عندها مستويات في الأسعار. في مصر مثلاً لا تستطيع أن تتعامل مع السوق عندهم لأن أسعاره مرتفعة جداً، وأقل فيلم يمكن ان تنتجه يكلف 5 ملايين جنيه وأكثر. في الهند يمكن أن تتحدث عن مليون جنيه مصري أو أكثر قليلاً، لأن عدد الشركات عندهم كبير جداً بالآلاف وأعداد الممثلين قد تتجاوز بضع ملايين دون حرج وفي كل مدينة عندهم مدينة سينمائية مجهزة بكل شيء، وبالتالي الأمر أصبح سهلاً جداً للتعامل معهم. أنا لا أجد أي خوف في الوقت الحالي فليس لدينا بديل، ولو امتلكناه يمكننا القول حينها إنه يجب أن نكون حذرين ودعنا نقول لإن أكثر ما يضرهم قد يكون مفيداً لنا. أنا لا أدافع عن السينما الهندية، ولكنني أجدهم الآن الأسهل والأقرب في الإنتاج ويمكن أن نستفيد كثيراً من هذه التجربة حتى يكون لدينا قاعدة وكوادر تمتهن العمل السينمائي بجدارة وهذا يحرك السوق لدينا، وقد بلغت عروض (زيانة) حتى الآن أكثر من 60 عرض سينمائي، وليس هناك فيلم خليجي أو عربي بلغ هذا المستوى من العروض في عمان.


* ما الذي يريده خالد الزدجالي من الإنتاج المشترك مع بلد مثل الهند؟
**كل ما أريده من الإنتاج المشترك مع الهند كما ذكرت هو إيجاد حالة سينمائية حقيقية في البلاد، ليس من خلال الأفلام القصيرة، التي لاتسهم بإيجاد قاعدة مادية حقيقية لصناعة سينمائية بالرغم من "مجاملات" المهرجانات لها حتى هنا في داخل عمان، ولكن لا يجب أن نكتفي بذلك، وبخاصة أن الأفلام القصيرة بدأت تنحدر بمستواها لأنه حتى طالب الكلية صار في أوقات فراغه يدّعي أنه مخرج سينمائي. على سبيل المثال أحد الذين انتقدوا تجربتي كان قد كتب سيناريوهين لفيليمين قصيرين وصار يدَّعي أنه كاتب سيناريو. هذه حالة تزييف للواقع السينمائي ويجب أن تدرس وتناقش لأنه إن استمر الحال هكذا: الفيلم القصير بدأ ينحدر والفيلم الطويل غير موجود فهذه مصيبة، لذلك كانت فكرتي تكمن في التساؤل إلى أين. أنا درست السينما وتخصصت ولدي خبرة طويلة في القطاع التلفزيوني من خلال المسلسلات وأخرجت فيلمين سينمائيين، وقد اتخذت قراراً بأنني لن أعمل في التلفزيون وسأعمل أفلاماً سينمائية، فعلي اذن أن أبادر وأجد الطرق إلى هذه الأفلام مع أي دولة يمكن أن تساعد. المهم أن نخلق هذه الحالة حتى لو بدأنا كل سنة بفيلم واحد، وهذا جيد أن أبدأ بنفسي، وأنتج هذا الفيلم سنوياً، ولو فكَّر ثلاثة غيري بعمل أفلام أخرى سيصبح لدينا مع الوقت حالة سينمائية في البلاد، وهذه الحالة تؤدي إلى المنافسة فيما بيننا، وأنا أجد نفسي الآن في سماء السينما لوحدي، ويمكن أن أستفز البعض وهذا الاستفزاز سوف يشجع للعمل وأتمنى حدوثه لأن هذا حدث معي عندما عملت فيلم (البوم)، فقد قام الممثل الراحل سالم بهوان وهو من طاقم الفيلم بعمل ثلاثة أفلام تجارية، وان كانت كذلك، إلا أنه في النهاية اشتغل "سينما"، وعندما أطلقت مهرجان مسقط السينمائي سنة 2000 استفزوا جيراننا في دبي وعملوا مهرجان دبي وأبوظبي والدوحة، واذا نحن لم نستفز بعضنا فلن ننجز شيئاً، وهذه هي القاعدة أن تفرض نفسك ويراك الآخرون ويتحركون.


*هل هناك خصائص مشتركة بين المجتمع الهندي والمجتمع العماني لإثارة الجدل حول قضايا المرأة والعنف الذي قد يمارس عليها كونها الحلقة الأكثر تهميشاً؟
**نحن تعاملنا مع قضايا بسيطة وتملك أوجهاً للشبه قد تكون موجودة في كل مكان في العالم، ولكن في عمان مثلاً ان حدث شيء للمرأة، فهذه قد تكون نهاية حياتها مجتمعياً وعليها أن تهرب أو تموت لأنه مجتمع صغير، وحتى ان التصقت بها إشاعة فسمعتها ستكون في الحضيض. في الهند العكس، فالمرأة تضطهد هناك كثيراً أمام المجتمع الذي لا يبالي بمآسيها. أنا اعتمدت هذا التضاد بين المجتمعين المثقفين في نفس القضايا، وقضية الاستغلال وسوء معاملة المرأة والتحرش، ولكن بين عمان والهند هناك الفارق في نفس القضية ولذلك كان مقنعاً للغاية الاستفادة من هذا التضاد، مع أن القضية تمس المرأة، ولكنني مشيت في خط الرجل الذي يتصادم مع هذه الأشياء مثل المرأة فيبدو الأمر طبيعياً بالنسبة له، ولكن المرأة مجرد خدش بسيط جداً في مجتمعنا العماني قد يودي بها إلى التهلكة، وفي الهند مهما ارتفعت حدة الإساءة لها تظل عادية جداً.


* هل كانت قصة الفيلم جاهزة حين وافق الطرف الهندي على المشاركة في انتاجها؟
**كما تعلم أنا في معظم أعمالي اهتممت بقضية المرأة إلى حد كبير وفي المسلسلات التي عملت عليها مثل (البريق) و(الوهج) تناولت قضايا المرأة والاضطهاد الذي يمارس بحقها عندما تريد على سبيل المثال أن تكون صحفية والمجتمع يعاملها بقسوة وللتخلص من مصيبتها تلجأ للزواج من رجل مسن وفي أفلامي التلفزيونية أيضاً مثل (العرس) الذي يحاكي قصة الفتاة التي تربط مستقبلها بالرجل ليأتي ويحل لها مشاكلها، وكذلك المرأة التي تفرض عليها العائلة الزواج وفق هواها، وفي فيلم (البوم) تعاملت مع موضوعة المرأة القوية لذلك تراها تقود أهل القرية ضد المخربين الذين يعيثون فساداً فيها، ويكاد يكون فيلم (أصيل) الوحيد من بين أفلامي التي لم تناقش قضايا المرأة بشكل موسع، وقد رجعت للمرأة في فيلمي من جديد، وقضايا المرأة كثيرة ويمكن عمل آلاف الأفلام عنها، وانا أفضل بالطبع ألا نعزل المرأة عن السياق المجتمعي ككل، وان كانت تتولى الخيط الرئيسي في الحكاية، فنحن نعيش في مجتمع فيه عشرات القضايا التي يمكن مناقشتها أيضاً وقد لا أصل بالطبع إلى كمال الفكرة، ولكنني أجرب وأحاول، فعلى سبيل المثال عندي مشهد في فيلم (زيانة) يلتقي البطل الهندي فيه مع البطلة الهندية بعد طول غياب، فيحضنان بعضهما، ولكن مع الممثلين العمانيين لم أتمكن من فعل هذا لأن ثمة مليون رقابة على هذا الفعل. القصة تطورت بعد اللقاء مع الجانب الهندي لأنني صرت على بينة من الميزات التي يمكن أن يقدمها لي لإنتاج هذا الفيلم.


* هروب زيانة من واقعها الحياتي في السلطنة للدراسة في الهند هل هو متاح فعلياً، أم محاولة درامية للانتقال بالأحداث إلى هناك واستغلال شروط وظروف الإنتاج الأكثر تطوراً فيها؟
**هذه مسألة درامية بالدرجة الأولى أو تحكم درامي أوجدناه، ولكن على مستوى التاريخ العماني والهندي هناك حالات كثيرة من الهروب إن كان من الهند إلى عمان أو العكس، أو من عمان إلى زنجبار والعكس أيضاً، وكان أكثر من أي مكان آخر في العالم وحتى من الفترة 1600 – 1700 فترة التجارة المزدهرة لعمان ومابعد ذلك وصولاً إلى ستينات وسبعينات وثمانينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ونحن فتحنا اعيننا والجنس الآخر غير العربي الذي نراه هو الجنس الهندي والمسافة بين عمان والهند حوالي ساعة بالطائرة والسفن العمانية كانت تجوب المحيط الهندي، فالعلاقة مع الهند تاريخية والعمانيون في غالبيتهم يتحدثون بعض اللغات الهندية، وأنا شخصياً أتحدث اللغة الهندية (الأردية)، فبالتالي العلاقات فيها تمازج كبير وتداخل، وعندما نقول إن شخصاً هرب إلى الهند، فهذا يكون مقبولاً أو إن شخصاً يدرس فيها أيضاً هذا مقبول، وعندما نقول إن شخصاً يذهب للعلاج هذا أيضاً مقبول، ويمكن القول إنه مع مطلع الألفية الجديدة بدأ الناس يذهبون باتجاه أوروبا مع تحسن الأحوال الاقتصادية أو يذهبون باتجاه ايران. حتى الدعارة في بانكوك التي تستقطب الآن كثيرين من دول الخليج ودول عربية وأجنبية أخرى، فبحسب ما أذكر في السبعينات والثمانينات كان يدور الحديث عن بومباي في الهند، والجميع يسعى لفسحة فيها لأنها منطقة قريبة كما هو حال تركيا مثلاً وقربها مع سوريا، لأن القرب له دور والتداخل له دور ومعرفة ثقافة الآخر له دور، وهذا جانب مهم جداً، لذلك أعتقد أن الموضوع طبيعي جداً، ولم أسمع بتعليقات تطال الهند لأن هذا طبيعي، وسؤالك في مكانه، ولو كنت اخترت ماليزيا كانت الإجابة ستحمل بعض التردد، ولو قلت ايران أيضاً سيكون هناك بعض التردد أو أي دولة أخرى.


* قلت إن هناك دول وافقت على مشاريع مشتركة مع السينما العمانية. لماذا لم تختر مثلاً مصر أو إيران. مصر حيث درست السينما أنت، أو إيران الجارة القريبة والتي تتمتع بسينما متطورة؟
**بالنسبة لهذه الدول مازال الأمر قائماً، لكن البيروقراطيات العربية كما تعلم متعبة للغاية. مع مصر الآن يوجد مشروع يقبع بين مرحلة استبدال النص بآخر، وقد قطعنا شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه، وهذا ينطبق على سورية أيضاً حيث أرسلنا النص ولم يأت الرد. ليس هناك جدية في التعاطي مع هذه المشاريع حتى يخيل أن المرء يبحث هنا فقط عن نقطة الرفض. بالنسبة لإيران أنا التقيت بجهات رسمية فيها هناك، وأعتقد أن التعاون معهم بحاجة لمزيد من الضغط والاجتهاد، ويظل التعامل مع الهند هو الأسهل لنا. الهنود تجار وإن أحبَّوا شيئاً يقومون به على أكمل وجه، وثمة آفاق مفتوحة لتعاون أكبر، وأنا أعتقد أن أقرب مشروع للتنفيذ بعد الهند هو مشروع مصر، فأنا درست السينما في مصر، ولي أصدقاء فيها لا يحصون، ناهيك عن أن الجمهور العماني يريد مشاهدة فيلم عربي – عربي.


*ألا تخش على فيلمك من تسويق "الأكشن" والتوابل الميلودرامية الهندية فيه، وهو ما قد يؤثر على مشاركاته في المهرجانات؟
**كنت حريصاً جداً على ألا أقع فيها رغم أنها جميلة والجمهور العماني معتاد عليها، وقد حافظت على مسافة بعيدة منها مع الاحتفاظ ببعض اللمسات حتى أعطي شعوراً للهنود بأن الفيلم يخصهم، ولكن في العموم كنت بعيداً عن التوابل الهندية، وحاولت أن يكون بعيداً عن الميلودراما الموجودة في الدراما الخليجية والعربية عموماً. نحن اشتغلنا على وتر الأحاسيس ولكننا لم نستغرق فيها وحاولت أن أكون حذراً إلى أبعد الحدود في هذه الجزئية وخاصة أنني عملت بإمكانات متوسطة في انتاج شخصي لا يقوم بين الدول وبالتالي كان الاعتماد على الفنانين في حدود معقولة، فلم أعتمد نجوماً كباراً باستثناء نجمين من الهند، وأصلاً لم يكن لدينا الإمكانات لولوج هذا الجانب المكلف انتاجياً.


* هل استطاع الطرف الهندي أن يقدم لك كل ما هو مأمول منه على الصعيد التقني؟
**كما ذكرت، الفيلم أنتج بميزانية متوسطة، وماطلبته منهم جرى توفيره بشكل مقبول جداً، وبما أنها التجربة الأولى فقد اتسمت بالبساطة ما يعني أنني لم أحصل على كل شيء، وفي الحقيقة نحن نتعلم منهم عن السوق والإنتاج بالرغم من أنني لم أوفق مائة بالمئة في مسعاي وأرى أن هذه التجربة كانت بمثابة وضع أقدام وتقبّل الجانب الآخر. استخدمنا بالطبع إحدى اللغات الهندية واللغة العربية وفي بعض الأحيان اللغة الإنكليزية مع وجود تيترات بالطبع، والجميل في التجربة أن الهنود قبلوا المشروع أكثر من العمانيين، ففي عروض عمان التي بلغت حتى لحظة حديثي معك 60 عرضاً سينمائياً كانت غالبية الجمهور تتألف من الهنود الذي بدا أنه مستمتع بعرض فيلم هندي عربي عليه في قاعات السينما العمانية، وكتب البعض منهم عنه في صفحات الفيس بوك وتويتر والجرائد، والحق أن الإشادة الهندية بالفيلم أكبر بكثير من الإشادة العربية. أنا لا ألوم الجمهور العماني لأنه برأيي فقد الأمل من السينما العربية والخليجية التي لاتصل إلى مستويات السينما الهوليودية أو البوليودية اللتين اعتاد عليهما بحكم طغيانهما على الثقافة السينمائية في دول الخليج. السينما العربية (المصرية) فقدت مكانتها في هذه الدول، وبقدر ما تتزايد صالات السينما في السلطنة سنوياً ورغم فرحي بها في البدايات، إلا أن مخاوفي آخذة بالازدياد، فقد أصبحت نوعاً من الاستعمار الثقافي، وليست قرانا ومدننا من تعاني من الهيمنة الأميركية فحسب، فحتى أوروبا تعاني أيضاً من هذا السجال.


* هل قرب المسافة جغرافياً بين السلطنة والهند مبرر لإنتاج مشترك؟
**قرب المسافة يجب أن يُستغل. نحن في عمان لدينا أزمة داخلية في التجارة، والهنود يحتكرونها في السلطنة وفي دول الخليج عموماً، ودائماً هناك امتعاض من الجمهور تجاه هذه القوى الهندية الكبيرة التي تسيطر على مفاصل الاقتصاد في البلاد. بالمقابل هل نحن مستفيدون من هذا الحضور الهندي الذي يملك إيجابيات وسلبيات في نفس الوقت. هم مستثمرون ولديهم حقوق تعيين أبنائهم في مواقع تنفيذية والحل يكمن في أن نتعامل معهم ندياً للسيطرة على بعض الجزئيات، وفيلم (زيانة) على سبيل المثال انتاج مشترك، ونحن اعتبرناه فيلماً عمانياً أيضاً بالرغم من أن مساهمتهم فيه كانت أكبر، وبالتالي نحن امتلكنا المبادرة ولو جزئياً، وهم يملكون الإمكانات ويريدون الاستثمار في دول الخليج وبخاصة عمان التي هي أقرب نقطة من الهند.


* لماذا لم تختر مثلاً دولة من مجلس التعاون الخليجي للإنتاج المشترك وبينكم روابط ثقافية وتاريخية أقوى من الهند؟
**لقد تحدثت مع إخواني في الكويت والبحرين والامارات وقطر والسعودية من أجل عمل مشترك وبخاصة أنني قررت منذ عام 2017 ألا أنتظر الفرص الحكومية. لا أخفي أنهم لو دخلوا معي في انتاج مشترك، فإن الفائدة ستعم على الجميع ويكون مردودها أكبر، ولكن كما قلت لك هناك نوع من التردد أو التكاسل، أو أن الأفلام التي عملوها فشلت تجارياً وتسويقياً في الخليج ودفعت المنتجين للتخوف من الإنتاج المستقبلي. نقاشاتنا كانت مضيعة للوقت في الواقع، ولو كان الأمر متعلقاً بمسلسل كوميدي هابط يمكن لقناة واحدة أن تشتريه وتعيد تكاليف انتاجه لبدا الأمر مختلفاً.


* أنت صاحب أول فيلم روائي طويل في تاريخ سلطنة عُمان (البوم)2005، واليوم تدشن أول انتاج عماني-هندي وبينهما فيلم تسجيلي طويل (سفينة سلطانة). هل هذا امتياز شخصي لك في بلد لا يعرف صناعة الأفلام السينمائية؟
**أنا أيضاً لدي فيلم (أصيل)2012 وهو ثالث فيلم روائي لي، وعدت في أوقات متباعدة للتلفزيون وعملت أفلاماً قصيرة بثت من خلاله، وعملت مسلسلات درامية، ولكن يظل عشقي الأول والأخير للسينما، والامتياز الذي أملكه هو أنني آخر رجل درس السينما بشكل جدي وحقيقي وعملت الماجستير والدكتوراة في مجالي السينما والدراما وهذا دافع بأنني مهما تأخرت فسأعود إلى السينما دائماً، وبما أنني استوفيت من عمري 20 سنة في الدراسة بين الولايات المتحدة ومصر ورومانيا وبريطانيا فهل أندم؟ لا ليس هناك وقت للندم، ويجب أن أستفيد من هذه الحالة التي أنا فيها. لقد أسست جمعية السينما وأسست مهرجان مسقط وأشياء كثيرة في السلطنة، ولهذا لا يجب أن أتراجع.
بالنسبة لفيلم (سلطانة) ما يزال في طور العمل، وقد أنجزت منه تقريباً عشرة بالمئة، وأريد له أن يختلف عما قدم تسجيلياً سابقاً، وأعتقد أنه يحتاج لوقت طويل نسبياً بسبب عمليات الغرافيكس، وهناك أسفار إلى مناطق كثيرة لتغطية الأماكن التي قصدتها سفينة سلطانة.


* هل سيشاهد الجمهور فيلمك في مهرجان مسقط السينمائي القادم؟
**طبعا إذا أقيمت الدورة 11 من مهرجان مسقط القادم، فإن الفيلم سيكون موجوداً ضمن فعالياته، ومن حقنا كمنتجين للفيلم أن يشارك في المهرجان، والباقي يعود إلى لجان التحكيم والتقييم.


* حتى تنتج فيلماً مع الهند ما الذي يجب أن يتوفر لديك؟
**حتى أنتج فيلماً في الهند يجب أن تكون المنفعة موجودة أولاً، فلا أحد يعطيك المال دون مقابل وتحت أي ظرف من الظروف. الجميع يبحث عن مصالحه في أي عمل يقدم عليه. هم في النهاية تجار ويهمهم الكسب المادي من وراء العمل، وان وجدوا أنهم لا يكسبون منه شيئاً فمن المؤكد أنهم سيتوقفون عن الإنتاج المشترك معنا وهذا أمر طبيعي. نحن نريد تحسين هذه الصورة، فهم يربحون من التجارة البينية مع عمان ويمكنهم ويمكننا أيضاً الكسب من هذا النوع من التجارة. هم يعتبرون الفيلم تجارة وأنا أعتبره عملاً ابداعياً من الأعمال النادرة التي أقوم بها في السينما.

 

تعليقاتكم

أضف تعليقك