جريمة قتل في شارع عام: قصة مقتل أولوف بالمه

 جريمة قتل في شارع عام: قصة مقتل أولوف بالمه
مرّت بالأمس الذكرى ال 33 لاغتيال رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه. بالرغم من الغموض المستتر الذي مازال يلف جريمة اغتياله، إلا أن بالمه قد غدا رمزاً للصوت الحر الجريء الذي ارتفع عالياً حين كان يتطلب ذلك في مواجهة أصعب القضايا المتعلقة بالسلام والتفاهم بين الشعوب ومسائل التحرر من الاستعمار الحديث.

وربما تكمن مأساة بالمه أن نجمه الصاعد على مسرح السياسة الدولية قد ترافق مع انفلات السياسة النيوليبرالية بمباركة رونالد ريغن ومارغريت تاتشر في عقد الثمانينات من القرن الماضي.

في الساعة العاشرة والنصف صرف حراسه الشخصيين الى بيوتهم. بعد ذلك عقد لقاء صحفياً مع إحدى الصحف المحلية، وقد امتنع لسبب غريب عن التقاط صورة له قرب الشباك. - المرء لا يعرف أبداً ماذا يوجد هناك في الخارج. هذا ما قاله. "

هنا مقال عن اليوم الأخير في حياة رئيس الوزراء الراحل منشور في كتاب صادر عن الجريمة في السويد:  
لم يكن لأولوف بالمه دائماً حرس شخصي، فقد كان يفضل أحياناً أن يتدبر أموره من دونهم. ذات مرة - وكان يريد السفر خارج البلاد- رافقه اثنان من رجال الأمن الى المطار، ولكن حدث في الطريق عطب بإحدى عجلات السيارة، وتوقفوا لتغييره.
وبينما كان الشرطيان منهمكين بالعمل كان أولوف بالمه يروح ويجيء في المكان منزعجاً. ربما كان قلقاً على ألا يفوته موعد الطائرة. وفجأة فتح صندوق السيارة وأخذ حقيبة سفره، ووقف في الطريق مشيراً للسيارات العابرة. بعد دقائق توقفت سيارة خاصة، وأقلّته وسط ذهول الشرطيين، وهما يودعان رئيس الوزراء المكلفين حراسته بنظرات ذاهلة، فيما هو يبتعد بسيارة غريبة.

في اليوم الذي سبق مقتله كان بالمه يتجول في المدينة دون حراسه الشخصيين، فقد قطع الشارع مشياً من مبنى الحكومة الى شارع (الملكة) ليبتاع لنفسه بدلة جديدة. بعد ذلك عاد الى مكتبه حاملاً البدلة  في كيس. الناس الذين تعرّفوا إليه في الطريق، كانوا يلوحون له بأيديهم فرحين، وكان هو يبادلهم التحية. ربما كان هذا يشعره بالحرية والأمن، كأي عمدة في مدينة صغيرة، فقد كان يسير وسط الناس بغير انزعاج. وهذا يشعره أنه واحد منهم.
فما حاجته الى الحراس إذن؟
كان يوم 28 فبراير(شباط) 1986 يوم جمعة.
كان يوماً الهواء فيه بارد ورطب.

في الصباح ذهب بالمه كعادته في أيام الجمعة الى إحدى الصالات الرياضية في المدينة ليلعب التنس. بعد اللعب أخذ حماماً ساخناً (ساونا) مع زميله في اللعب تاركاً حراسّه يجلسون في الصالة بانتظاره. في الطريق الى مبنى الحكومة نزل بالمه من سيارته في شارع (الملكة) ليعيد البدلة التي ابتاعها بالأمس الى محل الألبسة الذي اشتراها منه.

كانت زوجته اليزابيث غير مرتاحة لهذا.
استمر يوم العمل كالمعتاد مشحوناً بالنشاط، فقد التقى بالمه بعض أعضاء الحزب وعقد لقاءين قصيرين مع سفيري العراق والنروج.
في الساعة العاشرة والنصف صرف حرّاسه الشخصيين الى بيوتهم. بعد ذلك عقد لقاء صحفياً مع إحدى الصحف المحلية، وقد امتنع لسبب غريب عن التقاط صورة له قرب الشباك.
- المرء لا يعرف أبداً ماذا يوجد هناك في الخارج. هذا ما قاله.


عند الغداء لاحظ بعض الوزراء شيئاً من التوتر بادياً على وجهه، ولم يعرف أحد منهم سبب ذلك.
هكذا انقضى ما تبقى من اليوم.
كانت الساعة قد تجاوزت السادسة بقليل، حين غادر بالمه مكتبه متوجهاً الى بيته في جانب المدينة القديم.

حول المائدة تحدث مع زوجته اليزابيث عن عزمه قضاء الأمسية في الذهاب الى السينما. احتار الزوجان أي فيلم سيشاهدان، لكنهما عقدا العزم على مشاهدة فيلم (الاخوة موتزارت) للمخرجة سوزان أوستن، لاسيما وأن ولدهما (مورتين) وزوجته سيشاهدان نفس الفيلم.
- سنلتقي أمام السينما.
قال بالمه لولده عبر التليفون.

قبل أن يأخذا طريقهما الى السينما أجرى بالمه بعض المكالمات التليفونية مع رفاقه في الحزب، ومع أن المكالمات كانت قصيرة، إلا أن اليزابيث كانت تحثه على الإسراع.

حين خرجا من البيت كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة والنصف بقليل. ذهبا الى محطة مترو المدينة القديمة، واستقلا الخط 17 ليذهبا الى شارع (رودمان).
كان قطار مترو الأنفاق مزدحماً، فظلا واقفين طيلة الطريق. من محطة (رودمان) سارا الى مبنى السينما في شارع(سفيا)، كأي فردين عاديين من أبناء العاصمة، ومنحهما ذلك شعوراً ممتعاً بالحرية، فقد كانت ليلة دون ازعاجات الحراسة.
أمام السينما التقيا ولدهما (مورتين) وزوجته. كانت تذاكر السينما على وشك النفاد، إلا أن الحظ حالفهما وحصلا على آخر التذاكر المتبقية.
هكذا دخلا ليشاهدا الفيلم معاً، وليقضيا معاً آخر أمسية في حياتهما.
انتهى الفيلم في الساعة الحادية عشرة والربع، وبعد أن ودّعا ولدهما وزوجته، ذهب الزوجان بالمه جنوباً في شارع (سفيا) باتجاه محطة المترو القريبة.
كانا يسيران الهوينى ويتحدثان عن الفيلم الذي شاهداه.
كانت ليلة مدلهمة بدرجة حرارة دون الصفر بست درجات وهواء قارص.

الشارع شبه فارغ. كانت العطلة الرياضية على وشك الانتهاء، والكثير من أبناء ستوكهولم كانوا في الخارج لتمضية العطلة الشتائية. بعد قليل اتجه الزوجان بالمه الى الجانب الآخر من الشارع حيث كانت اليزابيث ترغب في رؤية بعض الملابس في الواجهة الزجاجية لمحل (ساري) الهندي. وقفا قليلًا ينظران الى تلك الملابس ذات الألوان المبهجة، ثم واصلا طريقهما الى محطة المترو القريبة.

لدى مرورهما من أمام محل (ديكروميا) للألوان الواقع عند تقاطع شارعي (سفيا) و (تولين) كان هناك رجل، أربعيني، متوسط القامة بشعر وملابس داكنة، يقف قرب الجدار ويحدق بهما.
بعد أن تجاوز الزوجان الرجل ببضع خطوات، تحرك هو ببطء تاركاً مكانه قرب محل الألوان، واقترب من رئيس الوزراء وقام بلمسه من كتفه، وحين التفت رئيس الوزراء ليرى من ذا الذي وضع يده على كتفه سُمع صوت إطلاق مسدس. في نفس اللحظة التي ظنّت بها اليزابيث أن الصوت جاء من مسدس لعبة للأطفال، سقط زوجها قربها مغشياً على الأرض. بعد لحظة جاء صوت اطلاقة ثانية.
وقع ذلك بخفة وسرعة قرب اليزابيث دون أن تشعر به.
نظرت الى الرجل ذي الملابس الداكنة، وأدركت حينها أن زوجها قد أطلقت عليه النار، وأن القاتل يقف أمامها. بادلها القاتل التحديق لبضع ثوان،ثم  دار حول رئيس الوزراء، ووضع المسدس في جيب معطفه الداكن، واستدار مشياً على قدميه في شارع (تولين). سار في البدء متمهلاً، ثم أسرع يغذّ الخطى، ليختفي ركضاً وسط الأزقة المعتمة من دون أن يستطيع أحد ايقافه.
خرَّت اليزابيث على ركبتيها قرب زوجها المضرج بالدماء، وأدركت أن حالته صعبة، وربما يكون ميتاً.
في هذه الأثناء اتصل أحد سائقي الأجرة بالشرطة التي هرعت الى المكان بعد بضع دقائق. فيما انتشر بعض رجال الشرطة في الشوارع المتفرعة عن جادة (تولين) مشرعين أسلحتهم بحثاً عن القاتل.
اقترب أحد مفتشي الشرطة من المرأة الراكعة على ركبتيها وسألها من تكون.
-هل أنت عاقل؟؟
صرخت اليزابيث.
ـ أنا اليزابيث بالمه، وهذا زوجي أولوف بالمه.
على الفور قام المفتش بالاتصال بمركز الشرطة من جهاز اللاسلكي الذي يحمله، وكان قلبه يخفق بقوة حين قال:
- أتعرفون من هي الضحية؟ حوّل.
- كلا لا نعلم من تكون؟ حوّل.
- إنه رئيس الوزراء! أكرر: إنه رئيس الوزراء أولوف بالمه. انتهى، حوّل
- واضح، انتهى.

كانت الساعة 11,21 حين أطلق الرجل ذي الملابس الداكنة النار على رئيس الوزراء. وفي الساعة 11,28 وصلت سيارة اسعاف، وحملت المصاب الى المستشفى. أكد طبيب التخدير أن أولوف بالمه قد مات سريرياً عند نقله الى المستشفى، فقد كان جثة هامدة، ونبضه قد توقف، وكذلك تنفسه. وقد أجريت عدة محاولات لإعادة الحياة اليه لكن دون جدوى.
في الساعة 00,03 أعلن الأطباء أن رئيس الوزراء أولوف بالمه قد مات.
 

تعليقاتكم

أضف تعليقك