علي البزّاز ل(دفاتر غوتنبرغ): ماكتبتُ كان بفعل الصدى، وهويتي هوية صدى!

علي البزّاز ل(دفاتر غوتنبرغ): ماكتبتُ كان بفعل الصدى، وهويتي هوية صدى!
صدر مؤخراً للشاعر العراقي – الهولندي علي البزّاز كتابه الشعري الثاني (كالزحف كالنذير، مهرّج في شكواي) عن مؤسسة "الموجة الثقافية" في المغرب

يقدم الشاعر البزّاز كتابه الجديد بنوع من التجريب المفتوح إلى حدود قصوى، حتى يخال القارئ معه أن له طبقات وأفواه في فحص الدلالات التي تتداخل في مفرداتها، فتنكر الكلمات، وتبقى على تماس مع اللغة بإشاراتها العلنية والمواربة، المخفية في قطبات المنفى، كنوع جديد قائم بحد ذاته في شذرات.

كلّ كتابة جميلة هي منفى، وكل كاتب هو غريب أصلاً واستعارة، وكما تقول جوليا كريستيفا" الغريب، هو الذي يسكننا على نحو غريب" فنحن كتّاب غرباء منبوذون، خوارج في اللغة، والشم والحسّ والحياة، ويسعدني الانتساب لأولئك الغرباء المكروهين مثل كتابي المكروه.  "

مفاتيح النصوص التي يهديها الشاعر البزّاز إلى القارئ تحيل أيضاً إلى الكاتب الذي يتلقف منه هذه الإشارات، ويتشارك معه اللغة حد التوصل إلى هدنة الشبيه في القراءة، والغياب، والألم، والحنين، وبرودة المنفى.

الشاعر العراقي علي البزّاز (مولود في الناصرية 1958)، يقيم في أمستردام، وسبق له، وأن أصدر أربع مجموعات شعرية باللغة الهولندية بين الأعوام 2002 – 2008، ثم أصدر كتابه الأول بالعربية (بعضه سيدوم كالبلدان) عن دار الغاوون 2009. هنا حوار معه بمناسبة صدور كتابه الجديد:
   
القارئ هو صلة، مثل الجسور والملابس


*أين تجد القارئ اليقظ في معاينته لتجربتك في كتاب أقل ما يقال فيه إنه يبحث عنه من العنوان؟
**سعيدٌ ذلك الكاتب الذي وجد قارئاً له، وستتفاقم سعادته، عندما يرتبط به بصلةٍ ما، فيتشاركان في قراءة الكتب ذاتها والأفكار. القارئ هو ليس ذلك الذي يقرأ في كتاب فحسب، ذاك بعض من القارئ، القارئ كما أفهمه، هو الصلة، هو الوسائط مثل الجسر والرصيف وعلامات المرور. سعيدٌ ذلك القارئ الذي وجد كاتبه، مانحاً إياه صفة الكاتب-الديمومة، وفي علاقة، القارئ-الديمومة، هكذا، يمكنني تصوّر(قارئي) على أنّه هو الكاتب، وعلى أنّي أنا القارئ. يتشارك كل شيء مع ضدّه أو مع شبيهه في صلة وفي علاقة، مثل الأحداث وسيرورتها، حتى علاقتنا مع الفراغ هي صلة، وعندما تتعزّز الصلة فيما بين الكلّ، هنا يشتغل الأدب والوجود، نحن نشتغل بالصلات، بالأواصر، كما تشتغل الوردة بعطرها، وبالناظر إليها، ويكون اشتغالها في الصحراء، أكثر من الحديقة. فيما يخصّ العنوان بشكل عام، أعتقد بأنّ العنوان، لا ينبغي أن يكون ثانوياً، ويؤلمني الرأي القائل بهامشية العنوان، العنوان هو صلة أوّلاً، صلة المُفكك، وليست صلة ترابط، لكي يشتق من مواضيع الكتاب. العنوان مستقلٌّ بذاته، وإن ارتبط ظاهرياً بالكتاب، كما الهوامش هي مستقلّة أيضاً، ولكن للأسف ننظر إليها كهوامش، كتبعات، وهي المتون، وربّما تنافس المتون ذاتها. يقول دريدا" العنوان هو الثريا للنصّ"، العنوان هو نصّ آخر، مثلما تصميم الغلاف، في استقلالية تامّة عن الكتاب، أو بمعنى يسبقُ الكتاب، هنا أود إلغاء تبعية أحد إلى أحد، تبعية القارئ للكاتب، تبعية العنوان للكتاب، وتبعية الغلاف للكتاب. عانينا، وما نزال من التبعيّات، نعيشُ راهناً في عالم الاستقلال، سواء كدول أم كمجتمعات وكأفراد، وإذا نحن لم ننل استقلالنا بعد، أو هو تابع أو غير واضح، فذلك بسببنا. نحن في عالم الاستقلال، أو في ممكناته. أود نفي صفة التبعية عن الصلات كذلك، على الرغم من وجود الارتباط في مفهوم الصلات والوسائط ظاهرياً. آن لنا الاحتفاء باستقلاليتنا، واستقبال صلات العراء وصلات الفجوات.

أن تكون مكروهاً، يعني أن تكون غريباً


*هل تجرّب في اللغة لبعث الألم في الأفكار التي لا تحيد عنها أثناء التفكير بالنص؟
**ثمّة ألم اجتماعي، وآخر معرفي، وستكون حياة الكاتب الشخصية كما نصوصه، وكراً للتعاسة، إن هو جمعهما معاً، بمعنى التعاسة الاجتماعية، فقر، غبن. لا أقصد في كتاباتي استهداف الألم، أو الترويج له مباشرة، كمعادل للخيبة والخراب، ولست داعية له، إنّما أقصد الألم المعرفي، تكريمه، والزّج به كمروّج للسعادة، على الأقل لسعادة النصّ، أفرّق ما بين السعادة الحياتية، وسعادة النص، هناك من يجمع بينهما، فطوبى له، وثمّة من يحوز إحداهما. لست مع الفكرة القائلة بأنّ البشر هم نتاج خطيئة، وبالتالي نتاج الألم. لم يعد الألم نتاج الفاقة، أو إحباط الرغبة، فهذا ألم مقدور عليه، وبئس الآلام تلك التي يمكن تهدئتها، أو المقدور عليها، تلك تبحث عن التعويض واستقرارها سيكون نتيجة المكافآت، بينما الآلام المعرفية، لا تقبل التعويض؛ تتصادم وتتجدّد، وإن هدأت نوعاً ما، تلك المعاناة التي تعنيني، وأشتغل في نصي عليها. عندما نعي الألم، نستطيع حينئذٍ تخليصه من فكرة العذاب المرتبطة به جزافاً وخطأً، العذاب هو غير الألم الذي هو فكرة شاملة بخلاف العذاب، الألم أسمى، وهو تربة، يمكن أن تنتج العذاب، ولكن العذاب نادراً ما ينتج الألم المعرفي، وهنا أشدّد لا ينتج الألم المعرفي، ربما يؤدي العذاب إلى الألم عامّة، لكن الألم المعرفي هو من اختصاص المفاهيم وحدها. الألم ذو تجربة واسعة، ذو يوميات، أي ذو حياة، بينما تجربة العذاب محدودة، تتلخص بالجسد أحياناً، أو بالعقاب الديني، أو نتيجة نظام سياسي واجتماعي، شعوبنا تتعذّب نتيجة الفقر والسياسة، لكنها لا تتألم للأسف، فالألم يقود إلى التغيير حتماً، بينما العذاب لا يحمل فرص التغيير كثيراً. ولتوضيح هذا: العذاب تجربة بدنية جسمانية، وإن اقترنت بالروح، كما قلت سابقاً.  بينما الألم يحوز المرتبتين: الفكر والجسد، طوبى عظيمة للمتألم معرفياً، وطوبى للمعذّب. هناك أمر آخر وهو: لا علاقة البتّة، ولا ينشأ أي احتمال من نوع ما، ما بين الألم والتشاؤم، ربما يكون المتألم معرفياً سعيداً، لكن ثمّة احتمالية كبيرة في كون المعذّب تشاؤمياً.
يقول نيتشه:" إنّني أملك الحقّ، في أن أعتبر نفسي أول فيلسوف تراجيدي، أي النقيض الأقصى، والضدّ المطلق للفيلسوف التشاؤمي" قال لي صديق حميم يشتغل بالفكر والفلسفة عن كتابي" كالزحف كالنذير، مُهرّج في شكواي" بأنّ كتابي هو الكتاب المكروه، وأنا سعيد بهذه الصفة، فالكراهية تستعمل الآن لشتم الغريب، أن تكون مكروهاً، يعني أن تكون غريبا ومهاجراً، يعني أنّك في مركز الآلام المعرفية.

نفي الحلاّج والمعري، هو نفي كالسلسلة


*غربة المنفى بمستوياتها المتعددة تظهر في كتبك، أين يكمن المستوى الذي تحتفظ به في اللغة ليصونها، ويجددها من الداخل؟
**لا أحتفظ بنوع وبمستوى واحد من النفي ليس في لغتي فحسب، إنّما في شخصيتي أيضاً. إنّني ضد الواحد المعيّن، وضد المستوى الواحد، أن تكون منفياً، يعني أن تكون متعدّداً وبمستويات متنوعة، كلّ مستوى، وكلّ نوع واحد، يهديك إلى سواه، بمعنى، النفي الدائري، النفي المتوالي. يسرني تشبيه ذلك النفي، بالنفي السلسلة، كل حلقة منها تهديك إلى أخرى، ولا وجود للصلة ما بين الحلقات ذاتها، فكل حلقة في غربة عن الأخرى، فكل واحدة في منفى مستقلّ، ومنفية عن طريق العالم، هنا النفي داخل النفي، النفي المركّب.  النفي الحسي والمعرفي وهو، نفيُ الحلاّج والمعري. أود أن أشير إلى ملاحظة لطالما كررتها في كتابي، وهي:
لا علاقة للمنفى بالمكان، النفي هو في الزمان الذي يحوز المكان. النفي ذو المستويات وذو الأنواع.


الكاتب في منفاه.. الكاتب في ذاتيته إذن


*هل يعني لك أنك منفي في اللغة من داخلها، وكيف يكون رهانك عليها حين تنفرد بذاتيتك؟
**تحدثنا سابقاً عن النفي ذي المستويات والأنواع. منفى اللغة هو نوع من النفي، هناك نفي الصداقة والعائلة أيضاً. المنفى يكوّن الكاتب – المنفي، ثم يكون اللغة المنفية، ولا أقصد هنا باللغة، لغة الأم، أو اللغة الأجنبية. كما يقول دولوز كلّ كتابة جميلة هي كتابة منفية، ثمّة مَن يكتب بلغة الأم، وهو يكتب بلغة منفية، أي خارج دلالاتها المعرفية والنسقية، الأدب هو منفي أصلاً، مكتوب ضمن سياقات نفي، تحدّد معالمه وتوجّهاته. المنفى هو خاص بأقلّية ما، ولا يستطيع كلّ الكتّاب تحمّله، هناك نوع معين قادر عليه، نوع كتّاب أقلّوي، مع تمجيدي الدائم للقلّة ضدّاً من الوفرة. أنا كاتب القليل، والضعيف الكاتب، وليس الكاتب الضعيف. ذاتية المنفي، لا رهان عليها، هي ليست معادلة للربح أو الخسارة، بل هي كينونة هكذا، والمنفى يحدّدها، أي لا أنفرد بذاتيتي كما تقول في سؤالك، إنّما أنا في منفاي.. أنا في ذاتيتي إذن.

الشعرهو ما يقوله العقل البديل .. والقلب البديل


*لم تعد القصيدة فيضاً عاطفياً من اللغة، بل تشكيل على مستوى البنى الدلالية في كل مفردة على حدة. أين تجد مرجعية هذا التشكيل؟
**من المؤلم توصيف الشعر، بالفن المعتمد على الكلمات لا غير. الشعر أساسه الكلمات، نعم هذا ظاهرياً، بينما الشعر لغة، واللغة تختلف عن الكلمات، اللغة ترتبط بالمفاهيم سيمائياً، الباب مثلاً، هو كلمة، وكلمة مجرّدة، ولكن باب الحب، هو لغة، عندما نذكره، نصاب بالرعشة والخفقان. ما يعنيه باب الحب، هو الشعر كما أعتقد، وهو مصدر التأويل والمفاهيم. الشعر الذهني هو، غير شعر الأفكار، المبني على المفاهيم وعلى الرموز، ونحن نحتفظ راهنا من تراثنا العربي بجلّ شعر الأفكار والمعاني، على خلاف الكمّ الهائل من شعر الخطابة، الذي تجاوزناه. كما أعيد هنا للعاطفة موقعها الذي ظلمناه، عندما ربطناه بالمؤقت والزائل، العاطفة التي أقصدها هي العاطفة المُفكرِة، وأثبتت الدراسات راهناً، بأنّ العقل هو مصدر العاطفة، وليس القلب. الشعر الذي أطمح إليه هو شعر العقل، يحسّ ويخفق حبّاً، وليس شعر القلب المحبّ. هذا، ما يقوله العقل البديل، والقلب البديل.

الفشل ناجحاً، إذا ما كسرنا روتينه


*نظام المعنى هو نظام لغوي أيضاً. هل يتكون عالمك من هذا النظام الصارم، أم ينحو نحو أن يكون متبدلاً في كل نص على حدة، ونصوص الكتاب الجديد تحفل بعناوين متبدلة؟
**أوّلاً، لا أؤمن بالنظام كنسق، وإلّا فما فائدة الجديد القادم من النظام، النظام مهما كان حديثاً، لا ينتج سوى القديم، بسبب من آلية النظام، وهي الجمود والرتابة، في النظام السياسي وفي المباني وفي الحب والعلاقات حتّى، وعليه، إذا أردنا الاحتفاظ بالنظام مبدعاً، علينا تجديده، أو كسر أنساقه، أسير مع المتعدّد، والمتعدّد في داخل بنياته، بمعنى، لا يهمني النظام مطلقاً، وخصوصاً في الأفكار والمعاني، أي أنكر النسقية في الأفكار، وتعني رحلة خطيّة معلومة، أسير مع الجزيئي، هكذا نتغلب على الروتين وعلى الفشل، أو نجعل من الفشل- النسق غاية ناجحة. إنّني أعي أنّ لا بدّ من النسق، لا بدّ من الروتين، وربما سير الحياة ظاهرياً في فكرتها التراجيدية والمأساوية هي نوع من الروتين (ولادة موت)، ولكن لا بدّ من التغلّب على النسقيات والأفكار ذات الاتجاه الواحد، اتجاه السكة. الرحلة الخطّية، مهما اشتملت على الذهاب والاياب، فإنها تبقى نسقية ومملّة ومقدّرة سلفاً، والجزيئي هو القادر على تحطيم النسق، يقول دولوز" إن الفعل الجزيئي هو وحده الثوري" بعيداً عن المركزيات والشموليات. يكمن الترقي والتحديث والثورات في الفعل الجزيئي الخالي من النظام. كما يقول بول فاليري" شيئان يهدّدان العالم الفوضى والنظام". نعم، يتكون عالمي من شحنات جزيئية صارمة، وليس من نظام واحد صارم. فالصارم الواحد لا يتبدّل، إنّما الجزيئات الصارمة، تتبدّل، وكما قال نيتشه" إن التغيير هو الثابت الوحيد" بمعنى لا شيء ثابتاً سوى التغيير.

كتبت باللغة الهولندية كنوع من العودة إلى لغتي العربية


*لماذا عدت عن الكتابة باللغة الهولندية إلى اللغة العربية. هل تشعر بالإقصاء الذي قد تشكله اللغة الثانية الدخيلة عليك؟
**لم أعد من الكتابة بالهولندية إلى العربية، بل بالعكس، كنت أكتبُ أوّلاً بالعربية ولكن لم أنشر ما كتبت، أي العربية أولاً، وهكذا، كتبت بالهولندية كنوع من العودة إلى العربية، بمعنى العودة إلى لغتي، أعود إلى العربية من خلال اللغة الأجنبية، ذلك ما قصدته بالكتابة باللغة الأجنبية، أي تكتب بالعربية الأجنبية خارج سياقاتها، كان فالتر بنيامين يبخس جهود بعض المترجمين الألمان بقوله، بأنّهم ينقلون الأدب المترجم بألمانية قحّة، فما فائدة الترجمة إذن؟ فيقول، نحن نريد ألمانية مفرنسة، أو معرّبة، هجينة، وعلى ذلك النحو كانت تجربتي:
أكتب بالهولندية كأنّها لغة أجنبية عن الهولندية، كما قال الناقد الهولندي ريمكو أكر، وأكتب بالعربية وكأنّها أجنبية، ولم أضع اللغتين قطّ، كتحدٍ بعضهما لبعض، أو كمواجهة، إنّما كعودة أو عملية ترقيّة لعالمي الشعري والمعرفي.

نتصوّر النهرَ ممدوحاً على صورة القائد


*اللغة التي تكتب بها تبدو بمنظور دائري مستقل تماماً ولا يخص السرد الحالي. ماهي الإشارات التي ترتكز إليها للتحقق من هذا المنظور المتعالي على القارئ؟
**للأسف جعلنا من اللغة، لغةً بالية، ولم ندعها تلتحق بعصرها، لا على مستوى الدلالات فحسب، بل وعلى مستويات التعبير أيضاً، لماذا؟ لأنّنا لا نمارس اللغة كلغة، فيها دلالات ورموز، نمارسها ككلمات، نمارسها لكي نتفاهم بواسطة الكلمات وليس بواسطة التعبير. ما تعني التعابير؟ هي أنساق متغيرّة بحسب الحاجة إليها تربط ما بين الكلمات والدلالات، فيصبح الكلام اليومي مجرّداً من التعابير. صرّح دريدا قائلاً، بأنّه غير مسؤول عن آرائه في المقابلات-الكلام، بل هو مسؤول عن كتاباته، أي التفكير والتعبير بالمفاهيم. لا يُعبّر مطلقاً بالكلام، إنّما يُعبّر بالكتابة، فالكلام وسيلة تفاهم يوميّ. يُعبّر بالإشارات راهناً ما بين الشعوب، وبالموسيقى وبالرسم أكثر من الكلمات. كيف سنجعل اللغة تلتحق بعصرها؟  وذلك عندما نجعلها تتضامن مع العصر، فلا نعتبر العاهة إعاقة مثلاً، بل هي محفّز على السير والنجاح، ولا نعتبر الصحراء موحشة ومفزعة، ففيها الكثير من الدلالات والرموز، كما لا نعتبر الرمال قاحلة وعقيمة، فالجدب هو محرّض على الماء والخصوبة. لماذا اعتبرنا كلّ الأمثلة الأنفة سلبية؟ لأنّنا سلفيو المقارنات والتشبيهات. كيف؟ نحن نمتدح النهر، لأن صورته إيجابية في أذهاننا، والأنكى تلك الصورة مطابقة لصورة القائد الضرورة الذي نخضع إليه، ولأننا شعوب أخروية، فإنّ صورة النهر مطابقة لصورة الجنّة، بخلاف صورة الصحراء، التي لا تعني القائد ولا الجنّة. الأفدح كذلك، إنّنا نعتبر الجنّة كمكان، كصورة لا تتغيّر، وليس كمفهوم:
الحبيب جنّة، الثقافة والعلم جنّة، بل نستبعد كون الآخر جنّة، لأنّنا نريد جنتنا الأخروية السماوية فقط. وعليه، أسترسل بإشاراتي مادحاً الخردة والعطب وسوق هرج والمتلاشيات، والهوامش. عجباً نطالب بالحداثة هنا، ونطالب بالقائد والطائفة والأحزاب والعشائرية الثقافية هناك. لعلك قصدت " بالمنظور المتعالي على القارئ" بالمنظور غير المتوقع:
دعني هنا أستعمل كلمة الكُره أوّل مرّة في حياتي، الكُره الاجتماعي والمعرفي، فأنا أكره التعالي والمتعالي مفهوماً وسلوكاً، والكتابة الجديدة تسلب الكتّاب تعاليهم وتساويهم بالقارئ، بل وأحياناً يكون الكاتب بمرتبة أدنى من القارئ، كيف؟ الكاتب عندما يكتب، يكون ذاته لمرّة واحدة، بينما سيُعاد مرات ومرات من قبل القارئ الذي يقرؤه، مثلما كتبت عن مفهوم "العنعنة" مادحاً له درامياً، فمن المعلوم أنّ تاريخنا يوصف بتاريخ "عنعنة" ذمّاً، أي قال فلان عن فلان، فنظرت تفكيكاً ثم درامياً إلى "العنعنة"، التي هي نتاج رواة عدّة، فاكتشفت أنّ الأصل يُذكر مرّة واحدة، بينما يتناوب سلسلة من الرواة عليه، في علاقة قال فلان عن فلان، فيستطيع الرواة تحريف وتزوير الأصل الذي لا وجود له من دون الرواة، أين الأهم في هذه التوليفة، الأصل أم الرواة؟ بالتأكيد الرواة، وعليه، أعتبر الراوي مبدعاً مثل الكاتب، ومتفوّقاً على الأصل. طوبى للنصّ الذي يجذب سلسلة أفواه.

كلّ ما كتبتُ، كان بفعل الصدى، وهويتي هي صدى كذلك


*كيف تتشكّل هويتك الشعرية بعد أربع مجموعات باللغة الهولندية، ومجموعتين بالعربية، وما بينهم أنت تتفرغ للرسم، والنقد التشكيلي؟
**أود التعبير عن الهوية، بمفهوم الصدى والتصادي. في ثقافتنا السائدة نمتدح الأصل ونذمّ الصدى، وكما قال المتنبي يوماً ما قدحاً " أنَا الطّائِرُ المَحْكِيُّ وَالآخَرُ الصّدَى" وهذا تفاخر كان مقبولاً حينذاك، ما عنيت برواة العنعنة آنفاً هو، الثانوي يستعمل ما يسمّى "الأصل". الصدى ظاهرة فيزيائية، والآن تُستعمل في الطب والتكنولوجيا لمعرفة أعماق البحار، فلماذا نذمّه؟ بسبب شعور الاستعلاء والتفاخر. الصدى ظاهرة فعل وردّ فعل، ظاهرة فعل طبقات، (يُظن بأنّ الثوب أو النسيج من طبقة واحدة، بل هو من طبقات وإن بدا مستوياً. مثل الجماد، يُعتقد بأنّه خالٍ من الماء، ولا شيء خالياً البتّة من الماء، كما ولا شيء خالياً من الطبقات مطلقاً، إلّا الأصل الذي لا وجود له)، والصدى ظاهرة تحدث في كل مكان، سوى في الصحراء، حيث لا يرتدّ الصوت بسبب من عدم وجود غطاء نباتي، فأي قدرة عظيمة فيزيائية للصحراء، تستطيع بواسطتها منع حدوث الصدى، ونحن في الآن ذاته نذمّ الصحراء، وهنا فقط أتحسّر على الصحراء لمنعها ظاهرة الصدى، ولكن أشيد بها لأنهّا تسمح بظاهرة السراب التي أثني عليها في كتابي. الصدى إذن طبقات، فيه الفعل وردّه، وفيه فعل التصادي، وأنا في كلّ ما كتبت، وما سأكتب، أودّ أن أكون كتابة صدى، وهويتي هي، هوية صدى، وليست هوية "أصل" وهكذا، تتشكّل هويتي من أصداء متنوعة، ومن صدى ذي طبقات، فالشعر بالعربية وبالهولندية، النصوص، الرسم والصحافة، ويجمع الغريبُ الذي يشكّلني وأشكّله كلّ ذلك. عودة على ذمّ الصدى في ثقافتنا، لماذا نمتدح المفتاح دائماً، ألأنّه يفتح، فنسميه مفتاحاً؟ لكنّ المفتاح يغلق أيضاً، فيكون سجناً وقتئذٍ، فلماذا لا نسميه مغلاقاً إذن؟ نسمّي المفتاح مفتاحاً مانحين له صفة الإيجابية فقط، تيمّناً بالقائد والأحزاب والعشائر، وصورة هؤلاء في أعماقنا إيجابية، ذلك ما عنيت بسلفي المقارنات والتشبيهات.

غرباء من ناحية اللغة والشمّ والحسّ


*ماهي الفكرة الدالَّة على نتاج المنفى في تجربتك؟ وأين يكمن المنفى في مثل حالتك؟
**كلّ كتابة جميلة هي منفى، وكل كاتب هو غريب أصلاً واستعارة، وكما تقول جوليا كريستيفا" الغريب، هو الذي يسكننا على نحو غريب" فنحن كتّاب غرباء منبوذون، خوارج في اللغة، والشم والحسّ والحياة، ويسعدني الانتساب لأولئك الغرباء المكروهين مثل كتابي المكروه. كلّ ما كتبت هو نتاج المنفى الأدبي والمنفى الاجتماعي بكوني غريباً وأعزب، أجمعُ الصفات التي ينفر منها الجميع، متلذّذين بالصفات الحميدة، وكلّ أعزب هو غريب أصلاً، وليس كل غريب هو أعزب. أحبّ المنفيين، ولا أحبّ الاقتران بسواهم، ويا ليتني أحبّ الأسوياء، وهكذا أنا متطرّف في منفاي، وفي حبي، متطرّف، ولكني لا أريد الحفاظ على صورة المفتاح في نتاجي ولا في حياتي. أتركُ المفتاح لأولئك الكتّاب-المفاتيح، وللدولة-المفاتيح.

التقنيّة تحاكي قصيدة النثر


*لو افترضنا أن الغياب هو مجرد شذرة شعرية أو شذرة نثرية. إلى أيهما ستميل في تقبل مثل هذا الافتراض؟
**لا أميل إلّا إلى جهات متعدّدة، إلى طبقات وإلى غير واحد. الشعر كما أراه، يستدعي الفنون لكي تلتحق به، يضمّ الفكر والرسم والمعرفة، بل وحتى الاقتصاد والتكنولوجيا، بسبب أن الشاعر كائن متحوّل، وهو في ذاتيته شمولياً، وتعبيره متعدّد، والشاعر، ليس نتاج نفسه فحسب، بل نتاج محيطه، من ثورات وتقدّم واقتصاد وملابس، كما أن البناء الدرامي للأدب، يّشبه الصناعة والتعدين والخياطة، فأساسهما واحد وهو البناء، فيكون الشاعر جامعاً لعصره أدباً وتقنية. كيف؟ التقنية الراهنة تميل إلى الاختزال طمعاً باختصار التكاليف، ولكن بتقديم أجود الخدمات، الشعر بناء مقتصد، يقدم صورة عن العالم بسطر واحد، تعجز الفلسفة عن ذلك والرواية، اللتين تميلان إلى الشرح والقصّ. سطر شعري واحد، يعبّر عن مأساة عظيمة، بخلاف الفنون الأخرى، فالشعر يعتمد الصدمة، وعلى الجزيئي، وخاصة في قصيدة النثر، التي لها قابلية اختصار الكلّ واحتواء الكلّ، إن هي اشتغلت على مفهوم الشذرة الشعري. التقنية تحاكي الشعر (وخاصة قصيدة النثر) من ناحية الاختزال، والقابلية على التطور، الشعر يحمل التطوّر في بنيته، والتقنية كذلك، وهكذا، تحاكي التقنية قصيدة النثر، ومحال أن تحاكي بناء الرواية. الشعر هو التغيير، هو الترقية، على الرغم من وجود سائد شعري مترهل، وهذا كلام آخر.

تُعمّق لغتنا العربية منافينا

*لا تضع أهمية للمنفي في المكان، ويبدو أن التعويل قائم على المنفي في الزمان؟
**تقول الأغنية السومرية:" نفتنا الآلهة، غرباء حتّى مع أنفسنا.. نجوس أزمنة الماضي" بمعنى النفي الزماني، وليس العاطفي-المكان. البعد عن المكان، هو مقدور عليه، نسترجعه بالذكريات، أمّا النفي الزماني، فهو موغل بالتقادم كسرداب، كالغار، ومتجه نحو الزمن مباشرة، ولا يمكن التخفيف منه، أو استعادته. دع الحزين يتألم كلياً، كي يتخفّف من آلامه، ولكن كيف يتخفّف المنفي من الزمان. ثمّة قانون اقتصادي بيولوجي، أرغب أن أعبّر به عن فكرة النفي الزماني وهو الاندثار:
يعني الاندثار في الاقتصاد التقادم الزمني للآلات والمكائن، ويحسب ككلفة في تسعير البضائع، ولكلّ آلة قيمة اندثار سنوية، تطرح من سعر الرسمي الأصلي للآلة منذ شرائها، بما يسمّى العمر الدفتري للآلة والعمر الإنتاجي، إلى وقت يسجّل فيه تصفير سعر الآلة دفترياً، بينما عمرها الإنتاجي ما يزال فاعلاً. ولكن راهناً، يدخل الموديل الذي هو نتاج الزمن في تسعير الآلة، الزمن أصبح عامل كلفة، وهو سابقاً كذلك، ولكن حالياً أصبح عامل كلفة سريعاً ومتغيّراً، فمن يشتري الآن هاتف نوكيا جديداً، ولكنه غير ذكي؟ الجواب، لا أحد، لماذا بسبب التقنية، التي هي نتاج الزمن، خلاصة القول:
المنفى الزماني لهو منفى عميق ومتحوّل، يُشبه الاندثار الذي يقضي على كلّ شيء، ويقضي على الوقت-الموديل والأعمار بوصفها نظاماً اقتصادياً وبيولوجياً، يقضي على المكان ويحوّله كما الذكريات إلى طللٍ. بينما المنفى المكاني، هو منفى أحادي غير متحوّل، وبالمناسبة، لا علاقة للذكريات بالمكان، وهذا حديث آخر، إنّما علاقتها المباشرة بالزمن، وهناك إشكالية معرفية في المنفى الزماني، متعلّقة باللغة العربية تحديداً، التي لها تعابير كثيرة ذات مفاهيم عميقة للزمن، منها، السرمد، الأزل، الفناء، الزمان إلخ، بخلاف اللغات جميعها، وهكذا، تعمّق لغتنا العربية منافينا وآلامنا، بسبب النظرة إلى الزمن.

لا مفردة ناجحة من دون دلالات


*هل تعاملك مع المفردة الشعرية يتقصد الإهمال في طيّ دلالاتها، والابتعاد قدر عنها؟
**لا ينبني الشعر على مفردات، بل على اللغة في دلالاتها، فلا مفردة في الشعر. تنوجد المفردات في الكلام المحكيّ اليومي، أمّا في الأدب، فالوضع التعبيري يختلف، وخاصة في الشعر المبني أساساً على التعبير، أكثر من الرواية مثلاً. يحتاجُ التعبير إلى دلالات ورموز وإشارات. وكما أعتقد لا تنجح المفردة، وهي خالية من الدلالات، ولكن، أي الدلالات يحتاجها الشعر راهناً؟ يحتاجُ الدلالات غير السائدة، يحتاج الهوامش، تتقدّم كالسادة، يحتاجُ السلالم، ليس بوصفها تعبيراً عن النجاح والصعود، يحتاج المفتاح-المغلاق، والفشل بمعنى النجاح. الدلالات والرموز تغيّرت عما كانت عليه، فلغة الشاعر الكلاسيكي هي، غير لغة الشاعر الحديث، ولغة شعر التفعيلة، غير لغة قصيدة النثر، بسب اختلاف الحساسيات والتعابير الجمالية، ما بين قصيدة النثر والتفعيلة، وهكذا تحاكي التقنية الشعر، وتحديداً قصيدة النثر، لأنّها قصيدة متحوّلة جمالياً. نستطيع الوقوف ضدّ العدالة كمفهوم تارة، وطوراً نقف معها، إن نحن غيّرنا النظرة الجمالية للعدالة. المفهوم الجمالي، هو الذي يعطي لنا الحقّ في التغيير والانكار والاثبات.

أحاول تهدئة القلق لئلا يربك شعري


*لا يبدو من كتابك الجديد أنك استدليت على تضاريس مخفية في الطمأنينة حين كتبت عنها باللغة الهولندية. هل تشرع الأبواب على قلق أبدي؟
**تضاريس الطمأنينة هو كتابي الرابع بالهولندية، ويشي بتورية في العنوان، فذلك الذي يتحدّث عن الألم المعرفي، ليس بمقدوره الاطمئنان سوى على آلامه ذات الطبقات، ومنفاه ذي الطبقات، ولا أعتبر ذلك حيفاً، بل هو مكسب، نافعٌ ومجيدُ هو الألم كما هي العاهة والعثرة والمنبوذ، وهذا التوتّر لهو نافع، وخاصة إذا انطوى على التضاريس، وعلى الوجه والقفا، وأعتقد، كل شيء سيكون هيّناً، إذا اشتمل على الوجه والقفا، بما فيه السعادة العدالة المساواة إلخ. هذا الوجه والقفا هو واحد لا غير، ولكنّه بوجه وقفا، وليس هو اثنين، إشارة هنا إلى الجزيئي ضدّ السلطة والمركزيات، وهكذا هو القلق الأبدي كما تصفُ، لا بدّ منه، كما قال سلفادور دالي" الفنان، ينام على وسادة القلق"، وليس الفنان وحده كما أعتقد:
القلق صفة بشرية وعلامة حياة للجميع. هو كامن في المقاوِم كما في المساوِم، في الضعيف وفي جبّار المكانة الاجتماعية أو السياسية. هكذا ينطوي ادّعاء بعض المثقفين على أنهم يمتلكون القلق وحدهم من دون سواهم، على تضليل أنفسهم أولاً، ثم تضليل العملية الإبداعية ثانياً. نعم، القلق ضروري للنجّار المبدع وللكاتب المبدع، ولا فرق هنا إلاّ في أدوات الإبداع التي تعني الخشب، الكلمة أو الفرشاة. يؤلمني التصّور القديم للشاعر الذي يميّزه متشرّداً، هائماً، غير مبالٍ باليقظة. أُسمّي هذا الشاعر «الشاعر الإنشاء» أو «الشاعر الواصف». تهميش الشاعر على النحو هذا يُلحق الإهانة به، بينما يُنتظر منه ليس الإشارة فقط إلى الحق أو الباطل، بل أيضاً العمل على إشاعتهما وجعلهما غاية القصيدة، إلى جانب الجمال والرهافة. فالعدالة تقتضي الجمال، مثلما هو التعامل مع المرأة والوردة. هذه الكائنات الجميلة ضد الخراب، وبالتالي ضد الموت. لكن، للأسف، يرُاد حشر المبدع في عالمنا في جهة الواصف، المقترب صدفة من فعل الأشياء
يشهد عالمنا العربي تراجعاً اجتماعياً ومعرفياً نحو الوراء، وفعل تجاوزه نحو الخلف. الكثير من الكتّاب الذي يصرخون بالحداثة يكتبون عكسها، مخالفين عبارة رامبو الشهيرة: «يجب أن نكون مطلقي الحداثة». يجب ألاّ نعصي حداثتنا هنا، ونكرّمها هناك. وعليه، من العار أن نرمي الوردة بالسخام، عندها سنوافق طواعية أو لجهة المنفعة أن نُشيد بالاحتلال، جغرافياً أو فكرياً. أحاول في شعري تهدئة القلق كي لا يُربك أفكاري، ومخالفة النظرية الشائعة «الشعر يأتي من القلق»، لأني أعتقد بشعر الأفكار، الذي يحتاج إلى الصبر والهدوء، وأنظر بكبير الشك إلى شعر الصراخ.
طوبى لمن يجعل الفراغ كنباتات فارهة، ولليتم صفوفاً غير مرئية، مسّعفاً الأنقاض بالجوهر. على مقاعد غير موجودة، سيجلسُ الغريب أخيراً، لا نعرضُ الأصلي، لا نصاحبُ الجوهري، نُرحّب بالمزيف ونجنبُ العار الحضيض. نحن المجانية، الاسترسال في الخرائب، نستعيدُ القيمة المُضحّى بها.

 

طوبى لمن يجعل الفراغ كنباتات فارهة، ولليتم صفوفاً غير مرئية، مسّعفاً الأنقاض بالجوهر.

على مقاعد غير موجودة، سيجلسُ الغريب أخيراً، لا نعرضُ الأصلي، لا نصاحبُ الجوهري،

نُرحّب بالمزيف ونجنبُ العار الحضيض. نحن المجانية، الاسترسال في الخرائب، نستعيدُ القيمة المُضحّى بها.

 

 

 

 


 

تعليقاتكم

أضف تعليقك