صموئيل بيكيت في باريس: الغريزة تحدد اللغة

صموئيل بيكيت في باريس: الغريزة تحدد اللغة
بينما كان يدخل في المقهى الصغير في شارع "سانت جاك"، كل شيء في صموئيل بيكيت كان يبدو مألوفاً، وغير منتظر. العيون الزرقاء الحادة. الحاجب المتجعد.

الأنف المستدق. الوجه كما لوكان منقوشاً من الجرانيت المصقول: كل هذه العلامات كانت هناك. لكن التعابير المؤلمة وغير المستقرة التي اعتدنا عليها لا تتطابق مع هذا الشخص. كل شيء فيه أكثر ليناً ودفئاً مما يبدو عليه في صورته. الصوت اللطيف. التوهج الساخر في العينين، والهواء الدافئ المحيط بالغريب الذي يجعله يشعر بالترحيب في مدينته الحبيبة.

إن الكتابة باللغة الإنكليزية سهلة جداً بالنسبة له، في حين أن اللغة الفرنسية تقدم نقاءً أكبر، مما يجبره على التفكير بصورة أكثر جوهرية، والكتابة بشكل أكثر وضوحاً، لكن الغريزة هي التي تحدد اللغة التي سيتم بها كتابة مسرحياته. إن شرح بيكيت عن "ثنائيته" الخاصة يعطي معنى جديداً أعلى لهذا المفهوم. "

بيكيت لا يعطي مقابلات، وهو أمر مفهوم. لقد تمَّ تكريمه بما يكفي من الأوسمة، بما في ذلك جائزة نوبل للآداب سنة 1969. تسليط الأنظار عليه يبعده عن الكتابة، وهذا هو الأسوأ الذي يقود إلى "تفسير" غير صحيح لحياته، ونواياه حول الأعمال التي يريد إنجازها. حظوظ سوء الفهم من حواليه ليست قليلة البتة: تقريباً تُعاد طباعة "بانتظار غودو"، "الأيام السعيدة"، أو "نهاية اللعبة" في أوروبا والولايات المتحدة دون انقطاع.

نواصل دون مقابلة، ودون ملاحظات. بالرغم من هذا لا شيء يمنعنا من شرب عدة أكواب من القهوة، وتدخين السيجار، والتحدث لمدة ساعة أو ساعتين. لقد أحضرت له صحيفة مكتوباً فيها أن مسرحيته "سولو" سوف تعرض في بوفالو (نيويورك) بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيسه. نظر إلى الصحيفة، ثم أعادها إليَّ، وهو يقول إنه لا يحتفظ بالأشياء التي تُكتب عنه.

قال إن ما يهمه هو سلامة عمله، ولذلك هو يفضل دور النشر الصغيرة نسبياً مثل "Grove" في نيويورك، و” Les Editions de Minuit" في باريس. كان يراقب وضع مسرحياته عن كثب، وأخرج بعضها في دوسلدورف، وأبدى ملاحظة متواضعة عن معرفته ما يكفي باللغة الألمانية حتى تغدو أفكاره مفهومة فيها.

قاده اهتمامه بالآداب الرومانية إلى فرنسا سنة 1926. في هذا الوقت كان يجهّز، لأن يصبح معلماً في كلية "ترينيتي" في دبلن. حول سؤال عن السبب الذي جعله يكتب بعض أعماله الأولى باللغة الفرنسية ثم يقوم بترجمتها للّغة الإنكليزية. أجاب إنه كان يرغب بالابتعاد عن لغته الأم. إن الكتابة باللغة الإنكليزية سهلة جداً بالنسبة له، في حين أن اللغة الفرنسية تقدم نقاءً أكبر، مما يجبره على التفكير بصورة أكثر جوهرية، والكتابة بشكل أكثر وضوحاً، لكن الغريزة هي التي تحدد اللغة التي سيتم بها كتابة مسرحياته. إن شرح بيكيت عن "ثنائيته" الخاصة يعطي معنى جديداً أعلى لهذا المفهوم.

لقد أبديت اهتماماً بما فعله بيكيت أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا (بعد تحرير باريس مُنح ميدالية عن نشاطه السري). أنكر أنه قام بشيء غير عادي، وقال كم إنه كان مفيداً وضرورياً "الاقتصاد" في كتابة المعلومات التي قدمتها المقاومة للحلفاء. لقد أعطاه شخص فرنسي معلومات حول "تقسيمات" النازيين، وقام هو بنقلها باللغة الإنكليزية إلى لندن.

كان بيكيت يكتب في الشقّة التي يقيم فيها مع زوجته. (كان مكتوباً على واجهة البيت بيكيت ببساطة). قال إنه يعمل باستمرار نسبياً، وبالكاد يجد وقتاً للانتقال إلى الفيلا التي يملكها في مارن. كان يقرأ كتباً لأصدقائه القدامى مثل كي بويل، وكان معجباً بهاينريش بول، وسول  بيلوي، ولكنه لم يهتم بحركات الأدب المعاصرة. في القهوة الصغيرة التي كنّا نجلس فيها لم يكن بيكيت معروفاً.

هذه مجرد انطباعات مع بعض الحقائق المضافة حول المؤلف الذي يربط جيمس جويس بأكثر الكتّاب الطليعيين معاصرة.

عندما غادرنا المقهى الصغير طلبت من بيكيت أن يسمح لي بالتقاط بعض الصور له، لأنه يبدو في معظم صوره كئيباً. وقف بجانب لوحة طرقية صغيرة كتب عليها "مخرج طوارئ ممنوع الوقوف".
-هل هذا مناسب؟ سأل بصوت عال، وهو يبتسم.

 

*هربرت ميتغونغ - يناير 1981

**نشرت هذه المقالة الاستذكارية في صحيفة نيويورك تايمز.            

تعليقاتكم

أضف تعليقك