لارس فون ترير: ثلاثية الاكتئاب

لارس فون ترير: ثلاثية الاكتئاب
يتسبّب المخرج الدنمركي لارس فون ترير في ردود فعل مضطربة ومناقشات لا تنتهي حول ثلاثية له تحمل اسم (ثلاثية الاكتئاب)، وهذه الثلاثية تتضمن أفلام (المسيح الدجّال)، (ميلانخوليا)، (نيمفومانياك). تتصارع الشخصيات في هذه الأفلام، وتغرق في سوداوية، وحزن ويأس ووحدة لا توصف.

ربما هنا تكمن طريقته الاستفزازية التي يديرها باقتدار، للتعامل مع حالات الاكتئاب والاضطرابات العاطفية.

أثناء تصوير فيلم (المسيح الدجّال) وقع لارس فون ترير في حالة اكتئاب شديدة، ولم يُسمح له بلقاء ممثليه، وبالرغم من ذلك تمكن من الانتهاء من الفيلم، وحتى أنه أنجز فيلمين آخرين من بعده. "

لا يكمن تفرد الأفلام في تصويرها السينمائي الجيد، بقدر ما يكمن في تسليطها الضوء على حالة المخرج الشخصية في كثير من الأحيان. أثناء تصوير فيلم (المسيح الدجّال) وقع لارس فون ترير في حالة اكتئاب شديدة، ولم يُسمح له بلقاء ممثليه، وبالرغم من ذلك تمكن من الانتهاء من الفيلم، وحتى أنه أنجز فيلمين آخرين من بعده.

يعرض كل فيلم من هذه الأفلام على حدة حالة مختلفة عن وضعية المخرج النفسية، ويركز فيلم (المسيح الدجّال) على سبيل المثال نوبات الذعر والقلق. (ميلانخوليا) يجسد الاكتئاب وعمقه المظلم، فيما يتوجه (نيمفومانياك) إلى انكار الذات وعدم تقبل المرء لشخصيته.


(المسيح الدجّال):
طبعاً (المسيح الدجّال)، ربما يكون الأكثر شهرة من بين هذه الأفلام، وبالتالي يحمل وزناً أكبر بالاستناد أيضاً إلى بطليه: وليام ديفو، وشارلوت غينسبور.

فيلم يفيض بالرمزية والاستعارات، بعضها واضح، وبعضها خفي، ويصعب تفسيره. القصة مثيرة: طفلة صغيرة تسقط من النافذة، فيما والداها مشغولان تماماً بممارسة الجنس. فيما بعد تغرق في حفرة قاتمة، وتهيم بين الاكتئاب واليأس التام، (ولأنه طبيب) نفسي يحاول علاجها، عن طريق اقتيادها إلى شاليه يُطلَق عليها (الجنّة). بمجرد وصولهما إلى هناك ينفجر بينهما عنف عاطفي ونفسي قوي، إلا أنه يبدو صعباً تحليل الفيلم دون التدخل في ظاهرة "كره النساء".

تبدأ البطلة شارلوت في الخوف من كل شيء، وهي لاتجرؤ على الخروج حتى لا تجرحها ملامسة الأرض.

مشاهد القلق جرى تصميمها بطريقة احترافية عالية. زوايا التصوير مشوهة، والأصوات تملأ كل جزء في الصورة، واللقطات القريبة (التفصيلية) لعروق شارلوت التي تضخ الأدرينالين بقوة في دمها تعطي انطباعاً إخراجياً مبهراً.

وراء استنساخ أعراض نوبات القلق والهلع ثمة معركة بين ايديولوجيتين تتقدمان في الفيلم، إحداها مرتبطة بالخوف الذي يبدو فيه كل شيء خطيراً وبدائياً، والأخرى ترتبط بالعلاج، حيث يمكن الحديث فقط عن جذر المشكلة بغية أن يقمع التفكير العقلاني هذه المخاوف.

هي تجسد الخوف، وهو يجسد الشفاء، وحتى التناقض بين السبب، وعقدة الخوف الأساسي تصبح الموضوع الرئيسي، وهي تذهب بعيداً جداً في خوفها الفطري، حتى أنها تطلق على الطبيعة لقب كنيسة الشيطان، وتبدأ بالاعتقاد إن جميع النساء في العالم شريرات، لأنهن لا يتحكمن بأجسادهن بأنفسهن، وانما يخضعهن للطبيعة، وبالتالي للشيطان.

هذه هي الطريقة التي تحدث اضطراباً مزعجاً، ويصبح ما هو مألوف مهدداً، والتوقعات غير السَّارة بحدوث نوبة ذعر جديدة سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان السيطرة على وظائف الجسم.

يبدأ المرء بالاعتقاد حينها أن شخصاً آخر يستولي على "مقود" جسمه عندما تجلب الغابات التي تحيط بالجنّة، عنفاً نفسياً في أعماقه غير قابل للإصلاح لدرجة يعتقد معها أن أفكاره صحيحة تماماً.

إنه، بدوره، غير مستعد، وغير قادر على تقبّل قسوة العالم المحيطة به.

حتى عندما تحاول هي قتله، وهو يكبح جماح غريزتها الأساسية بغية وأدها، يتضح أنه لا معنى لما قام به، اذ لا يمكن كسب المعركة ضد العالم المنحرف الذي يبحث عن أذيتنا.

الفيلم بالطبع لا يضع المرأة في مواجهة الرجل، بل يعارض الخوف الأساسي من فكرة العقلانية والنظام الذي يمكن أن يهزم هذا الخوف، ولهذا يبدو الادعاء في الفيلم أن العقل القلق هو الصحيح، وأنه ينظر إلى العالم كما هو حقاً – قاسٍ وشريرٍ وفوضوي.

 

(ميلانخوليا):

هو الفيلم الثاني في هذه الثلاثية، وبالرغم من أنه الأكثر قابلية بينها للفهم، إلا أنه الأكثر تأثيراً. وحتى لو كان فيه أبطال أكثر من سابقه (المسيح الدجّال)، فإن (ميلانخوليا) يصور العلاقة بين جوستين كيرستن دونست وشقيقتها كلير، ومرّة أخرى شارلوت غينسبور المفضّلة عند فون ترير.

العلاقة بينهما ليست مستقرّة بشكل خاص، ولكن يتم الحفاظ عليها مع مرور الوقت، بالرغم من المشاكل التي تواجه الشقيقتان، اذ يبدو أن كوكباً جديداً يسمى ميلانخوليا في طريقه من الأعلى للاصطدام بالأرض ليدمرها، حتى أن لارس فون ترير يكشف نهاية فيلمه منذ اللحظات الأولى حين يعرض في لقطات بطيئة الحركة تدمير الكوكب الأصلي.

تتقبّل جوستين فكرة التدمير، بينما تعيش شقيقتها كلير في قلق مخيف، بالرغم من وقوعهن في طائلة الفكرة ذاتها: أي التدمير. رفع الستار عن النهاية يتيح للمشاهد عدم التركيز على الكيفية التي ينتهي فيها الفيلم، بل على المعنى الذي يحدثه الفعل في حياة الشخصيات.

إذا كان (المسيح الدجّال) يشكل في المقام الأول تناقضاً بين الاضطراب العقلي وكيفية انعكاس ذلك على العالم المحيط، فإن (ميلانخوليا) هو النقطة الرئيسية للتواضع، اذ يصوّر فون ترير القلق على أنه معركة، في حين أن (ميلانخوليا)، هو حالة من التوقع والغرق، حيث يلقى المرء نهايته.

منذ اللحظة الأولى التي تشاهد فيها جوستين النقطة الحمراء الصغيرة في السماء، فإنها لا تبدي مجرد فضول، بل إنها تنجذب إليها تماماً، بينما تشعر أختها بالقلق من الإبادة المحتملة، إلا أن جوستين على العكس منها تقبلها وتشعر بالطمأنينة تجاه هذه الحقيقة. في واحد من أجمل مشاهد الفيلم تستحّم البطلة مساءً، في نهر يجري في أعماق الغابة، وكأنها تستقبل موتها، بوصفه عشيقاً منبوذاً.

كلير منشغلة على الدوام بمخاوفها الخاصة، في حين تشير جوستين إلى أن الأرض مكان سيء جداً، ولن يفتقدها أحد عندما تختفي يوماً ما. وفي نهاية الفيلم عندما يتضح أن الكوكب في الثواني الأخيرة قبيل زواله وتدميره، فإننا نشاهد جوستين هادئة ومتوازنة، وتحاول تهدئة أختها كلير، التي تفقد أعصابها، ولا تعود قادرة على انقاذ نفسها، أو انقاذ أقاربها.

لارس فون ترير يجد بعض الجمال في حالة جوستين، ويمكن القول إن سحر الفيلم يكمن في تقبل ما هو مقدر، وحتى التصالح معه.
في (ميلانخوليا) يتواجه الأبطال، ولكن ليس ثمة منتصرين!


نيمفومانياك:

الفيلم يعكس انكار الذات وتأكيدها في آن. هذه المشاعر تعكسها البطلة جو التي تعاني شبقاً غير مسبوق مع سيلغمان الذي يغرق في وحدة وعزلة كاملتين.

يستمع سيلغمان إلى قصتها حيث تخبره جو بكل شيء قامت به وكيف أنها تقدم نفسها بوصفها مخلوقاً سيئاً، وهنا يولد التناقض بين كراهية الذات، والصوت العقلاني الذي يفترض أنه يمثل قناعة زائفة.

يستطيع المشاهد تلمس التوافق في الحوارات بين جو وسيلغمان عندما يتهمان بعضهما البعض بإتقان التاريخ، أو عندما يولي أحدهما أهمية لشيء لا أهمية له في الواقع. هنا يمكن القول إنه يتم تمييز الصراع بين فون ترير وفون ترير نفسه. إنه قلق –ربما-بشأن التكثيف الذي طغى رمزياً على الفيلمين السابقين، حتى أنه لا يكلف نفسه عناء الدخول في الموضوعات، بل ويبدو محرجاً مع الجمهور، ومعظم مشاهد الجنس فظة ووحشية.

كذلك لا يقدم الفيلم وصفاً لهذه الاضطرابات النفسية العميقة، ومدى تأثيرها على الشخصيات، فهي لاتزال تمثل جانباً من جوانب حياة المرأة التي تقع في تجارب متطرفة في محاولاتها قبول أو عدم قبول رغباتها.

في نهاية الفيلم يحاول سيغلمان اغتصاب جو في غرفة مظلمة، ويُسمع في العتمة صوت عيار ناري.

تشير هذه الخاتمة إلى أن قصة الفيلم تدور حول مدى سوء عالمنا وعنفه، ولكن في الوقت نفسه، يعد هذا نمواً للبطلة التي تملك الشجاعة لمواجهة مخاوفها ووضع حدٍ لهذه المسيرة الطويلة.  

 

تعليقاتكم

أضف تعليقك