المافيا الإيطالية لا تغلق الباب إلا بقتل أشهر صيّاديها

المافيا الإيطالية لا تغلق الباب إلا بقتل أشهر صيّاديها
قبل 27 عاماً بالضبط، في 23 أيار من سنة 1992 قامت المافيا الإيطالية بقتل القاضيين جيوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو. الشابان ولدا في أحياء باليرمو الفقيرة، وتمكنا من النهوض في الحياة والمجتمع بفضل صفاتهما الخاصة.

رجلان يعتقد أنهما سيعيشان مطولاً في فكر الناس بوصفهما رمزين للشجاعة والكرامة. رجلان شريفان في عالم يفتقد للشرف، وقد أظهرا أمام العالم أجمع أنه ليس هيناً أن يعيش المرء بوصفه كائناً حقيقياً يؤمن بالعدالة.

"المافيا " ظاهرة بين البشر، وهي مثلها مثل كل الظواهر البشرية، لها آلية تطورها الخاص ونهايتها". جيوفاني فالكوني. "

قبل 27 عاماً بالضبط قتلت عصابات كوزا نوسترا الصقلية أشهر صيّاد المافيا في تاريخ إيطاليا المعاصر: القاضي جيوفاني فالكوني. كاباتشي – إحدى ضواحي باليرمو – من هنا تمر الطريق السريعة المؤدية إلى المطار. في 23 أيار 1992 كان فالكوني مسافراً على هذه الطريق يرافقه في سيارته المصفحة زوجته، وثلاثة من حراسّه الشخصيين. في 15:75 سمع صوت انفجار هائل لعبوة ناسفة شديدة الانفجار موضوعة في أحد أقنية الصرف الصحي على الطريق السريعة، وبالنتيجة أن ركاب السيارة المصفحة قتلوا جميعاً في مكانهم: القاضي فالكوني وزوجته، وحراسّه الثلاث.

كيف أمكن للمافيا أن تضرب بهذه الدقة ان كانت طرق جيوفاني فالكوني كلها محاطة بسرية مطلقة؟ فالكوني هو أشهر صيّاد لمجرمي العالم السفلي، ومن مزاياه تمكنه من ادانة المئات منهم؟!
"من كل شيء أخبرتك به للآن، هو أن المافيا إما ستعتقد إننا مجانين، أو سيقوم رجالاتها بقتلنا. المافيا ستفتح حساباً، ولن يتم اغلاقه إلا بقتلك".

كانت هذه كلمات أحد رموز المافيا من كوزا نوسترا تومازو بوشيتي، للقاضي فالكوني بعد أن كشف له تسلسلها الهرمي. بعد بضعة أشهر من هذه المحادثة في صقلية تم القاء القبض على 474 من "الطوابق العليا في العائلات". 370 فرداً منهم حكموا بالسجن لسنوات طويلة. كان جيوفاني فالكوني أول قاضٍ في تاريخ إيطاليا يجرؤ على كسر قاعدة "التعايش السلمي" مع كوزا نوسترا التي حولت صقلية إلى دولة ضمن دولة. منظمة تخضع الناس لقوانين غير مكتوبة، وتكون القواعد السائدة فيها الخوف والقتل والابتزاز.

نجح القاضي فالكوني في مهاجمة المنظمة التي لا يمكن ايقافها من خلال اتباع التكتيكات الفائقة الخداع وذلك باستخدام المعلومات المصرفية أيضاً. اليوم هذا مستحيل بالطبع لأن المافيا لا تستخدم خدمات شبكات المصارف التقليدية، وحتى التنصت على المكالمات الهاتفية لم يعد يجدي نفعاً، ونادراً مايمكن التقاط مكالمة بين ثرثرة رجلين من عصابات المافيا. اليوم يتم استخدام المشاركين في العمليات الخطيرة جداً لمرة واحدة ويتم التخلص منهم، وبالتالي تكمن الفرصة الوحيدة في التعاون بين العدالة وبين أعضاء المافيا.

في أواخر الثمانينات قدّم جيوفاني فالكوني مع زميله باولو بورسيلينو تعديلات على القوانين الإيطالية. برنامج حماية الشاهد أعطى إمكانية لأعضاء المافيا المعتقلين أن يتعاونوا مع القضاء مقابل تخفيض العقوبات، وحتى إمكانية تأمين انتقالهم إلى بلدان أخرى وتأمين الحماية لهم مع اصدار هويات جديدة لهم، وسرعان ماعرف فالكوني طريقه إلى قلب كوزا نوسترا والعائلات التي تتحكم بها، وهو الأمر الذي سهل الإيقاع بأعداد كبيرة منها واجبارهم على الاعتراف والتعاون.

هذا هو بالضبط الذي لم يغفره "الأب" توتو رينا السفاح للقاضي فالكوني، فكان أن خطط لتفجير سيارته على الطريق السريعة التي تربط المطار الدولي مع باليرمو ، حيث قتل وهو برفقة زوجته الشابة فرانشيسكا مورفيليو.
                   

تعليقاتكم

أضف تعليقك