كارايان: القائد الموسيقي للعالم في القرن العشرين

كارايان: القائد الموسيقي للعالم في القرن العشرين
هربرت فون كارايان قائد أوركسترا نمساوي بارز، ان لم يكن الأبرز على الاطلاق في النصف الثاني من القرن العشرين، وربما يكون الأشهر، وأحد أقوى الشخصيات في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية بحسب صحيفة "نيويورك تايمز". وقد شفعت له الموسيقى تاريخه النازي، حين لم تكن الشفاعة ممكنة.


هربرت فون كارايان ابن لعائلة برجوازية من سالزبورغ، من أصل يوناني أو روماني. جدّه الأكبر، جورج يوهانس كارايانيس ولد في كوزاني، وهي بلدة صغيرة في مقدونيا الغربية اليونانية التي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وقد غادرها إلى فيينا سنة 1767، ومنها إلى شيمينتز، ساكسونيا، وعمل مع شقيقه في صناعة الحلويات السكسونية، ثم حصل على لقب نبيل من فريدريك الثالث أوغسطس في 1 حزيران 1792 ومن هنا جاء لقب "فون" في العائلة، وأصبح الجدّ الأكبر معروفاً به، ولم تعد كنية كرايانيس متداولة بين الناس.

القائد الموسيقي الذي نجح في إعطاء الصوت الفريد لأوركسترا برلين بأسلوبه الفائق في التفسير والصوت، والنتيجة لم تكن فقط عبر الجهود المبذولة في غرف البروفات، ولكن لأنه فضَّل بأسلوبيته التمسك بتقاليده في المفاجآت المنتقاة من قبله بعناية فائقة، وتحويل الموسيقا الكلاسيكية إلى مغامرة مستمرة. "

ولد كارايان في الخامس من أبريل 1908 (توفي في 16 تموز سنة1989 ) لأبوين موسيقيين، وبحسب الأعراف الألمانية أسبغ عليه لقب الفارس هربرت فون كارايان. في عام 1926 تخرّج من معهد موزارت الموسيقي في سالزبورغ بتخصص العزف والتأليف الموسيقي على البيانو، ثم واصل دراسته في جامعة الموسيقى والفنون الاستعراضية في فيينا (الجامعة الألمانية للفن الموسيقي). ظهر لأول مرة كقائد فرقة موسيقية سنة 1929 مع أوبرا (زواج فيغارو) لفولفغانغ أماديوس موزارت، وفي نفس العام تم تكليفه بأول عمل رسمي له كقائد لأوركسترا سيمفوني في مدينة أولم.

كما قام كارايان بقيادة أوبرا (سالومي) في سالزبورغ، وبين الأعوام   1929 – 1934 شغل منصب مدير الفرقة الأول في شتاد تياتر في مدينة أولم. وفي عام 1933 قاد كارايان أوركسترا فيينا لأول مرة، وبين الأعوام 1934 – 1941 قام بقيادة الأوركسترا السيمفونية والأوبرا في مدينة آخن الألمانية.

سنة 1935 حدثت انعطافة كبيرة في حياة هربرت فون كارايان عندما انتسب للحزب القومي الاشتراكي الألماني النازي، اذ تم تعيينه في نفس العام مديراً موسيقياً رئيسياً في دار الأوركسترا (الأصغر سناً في ألمانيا)، وأصبح ضيفاً على الحفلات الموسيقية في بوخارست، بروكسل، ستوكهولم، أمستردام وباريس.

في عام 1937، ظهر لأول مرة مع أوركسترا برلين، وأوبرا برلين الحكومية مع أوبرا بيتهوفن (فيديليو)، ووقع عقداً مع دويتشه غراموفون سنة 1938. في عام 1942 تزوج من أنيتا غوثرمان التي كانت ابنة ليهودي، ولكن بعد حفل الزفاف قرر الحزب النازي جعله "عريفاً فخرياً"، حتى أن كرايان بدأ من هنا حياته الفنية مع النشيد النازي "Song of Horst Vesel".

أثير الكثير من اللغط حول هربرت فون كارايان بسبب انتمائه للحزب القومي الألماني النازي، حتى أنه لم يغادر ألمانيا في هذه الحقبة السوداء من حياته كما كان يفعل الموسيقيون الآخرون مثل برونو والتر، اريتش كليبر وأرتورو توسكانيني، بالرغم من أن العديد من الأسماء المعروفة مثل ويلهلم فورتراجن، ريتشارد شتراوس وكارل أورف بقوا أيضاً في ألمانيا. ولهذا السبب قوبلت جولته في الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب بمظاهرات وتنديد غير مسبوق به. الموسيقيون من أصل يهودي مثل ايزاك شتيرن وأرثر روبنشتاين وايزاك بيرلمان رفضوا مشاركته في أي من حفلاته الموسيقية بسبب ماضيه النازي.

حقق هربرت فون كارايان أول نجاح دولي له سنة 1937 مع أوبرا تريستان وأزوالدا، وتم التأكيد على هذا مع أوبرا فيديليو لبيتهوفن في دار الأوبرا الحكومية في برلين. وفي عام 1948 عين قائداً موسيقياً لمهرجان سالزبورغ الشهير، وبعد ذلك أصبح المدير الفني لأوركسترا فيينا السيمفونية. في نفس العام ظهر لأول مرة مع لاسكالا في" زواج فيغارو"، وبعد ست سنوات قدَّم مع ماريا كالاس لوسيا دي لاميرمور لدونزيتي لأول مرة في سالزبورغ، وقام بقيادة أوبرا فاغنر   The" Ring of the Nibelungs" سنة 1967على مسرح متروبوليتان.

مع ذلك بقي كارايان محتفظاً بالحب الكبير لأوركسترا برلين الفلهارمونية، التي تسلَّم قيادتها سنة 1955 بعد وفاة فيلهلم فورتفينغلر، وبقي فيها حتى نهاية حياته تقريباً. إنه القائد الموسيقي الذي نجح في إعطاء الصوت الفريد لأوركسترا برلين بأسلوبه الفائق في التفسير والصوت، والنتيجة لم تكن فقط عبر الجهود المبذولة في غرف البروفات، ولكن لأنه فضَّل بأسلوبيته التمسك بتقاليده في المفاجآت المنتقاة من قبله بعناية فائقة، وتحويل الموسيقا الكلاسيكية إلى مغامرة مستمرة.

في تاريخ هذه الموسيقا يظل كارايان صاحب مجموعة هائلة من التسجيلات الموسيقية، التي استلهمت منها الأفلام والعروض المسرحية. رفض المخرج السويدي انغمار بيرغمان اللقاء به في عمل مشترك بذريعة "الأنا" المتضخمة التي تميزه. ربما أضاع الاثنان فرصة أن تتمتع البشرية بعمل فريد لهما.

تمت دعوة هربرت فون كارايان من قبل المجلس الأوروبي لإعداد الترتيبات المناسبة من أجل وضع النشيد الأوروبي بمصاحبة الفرقة الأوركسترالية.
دأب كارايان على النظر إلى الموسيقى الكلاسيكية بوصفها الوعي الذي يمكن الوصول إليه بكل سهولة، وهو أول من تبنى فكرة تسجيلها على الأقراص المدمجة، كما تبنى العديد من الأفكار المعاصرة في المجتمعات الإعلامية بغية تحويلها إلى واقع ممكن، واكتشف الإمكانات الهائلة في تصوير الأوبرا، وتعاون مع المخرج الإيطالي فرنكو زفيرللي في مجموعة أعمال مشتركة، وهو نفسه أصبح مخرجاً لبعض الأعمال الموسيقية مثل (كارمن) و (السيمفونية التاسعة) وسواها.

قدّم سنة 1981 أول قرص مدمج لجمهور الموسيقا الكلاسيكية بعبارة:"أسطوانة محاكاة المستقبل"، وبالتالي أصبح قائد الإصلاحيين في الموسيقى الكلاسيكية الحديثة.
من أقواله:
*من يحقق جميع أهدافه، هو هدّاف متواضع.
*أنا أؤمن بالتناسخ، سأعود بالتأكيد.
*من يدمر النموذج، يدمر المحتوى.
*التعصب هو مزيج متفجر من ضيق الأفق والطاقة.
*الأوركسترا لاصوت لها. المايسترو يوصله إليها.
*قيادة الأوركسترا عمل تخصصي يتطلب عشرين عاماً من الدراسة.
*كل انجاز في الفن هو انتصار على العطالة البشرية.
*الأوركسترا ترتكب الخطأ دائماً في نفس المكان. الأوركسترا الجيدة أخطاؤها ميكروسكوبية مجهرية،

أما الأوركسترا السيئة فإن الأخطاء التي ترتكبها تكون مرئية، ودائماً في نفس المكان.
*الإيقاع هو سبب كل شيء. الحياة تبدأ بالإيقاع من خلال ضربات القلب.
*طوال حياتي، وحتى يومي هذا كنت أتعلم.    

تعليقاتكم

أضف تعليقك