كيفية كتابة نص للفيلم الوثائقي (2) - تريشا داس / ترجمة واعداد باز البازي*

كيفية كتابة نص للفيلم الوثائقي (2) - تريشا داس / ترجمة واعداد باز البازي*
مقدمة قصيرة للأسلوب الوثائقي: على مرّ السنين تطورت أساليب عدّة من السرد الوثائقي، والتي جاءت وتعدّت الشكل السائد لها في ذلك الوقت، وتراوحت هذه الأساليب ما بين النشرة الإخبارية، والواقعية، والرومانسية، والبروباغاندة، وإلى أكثر من ذلك أيضاً،

ومع ذلك، فإن ثلاثة أساليب برزت منها، وكانت الأكثر شعبية بينها، ألا وهي الأفلام الوثائقية التي تقدمت بشكل جيد إلى عقد التسعينات من القرن السابق.

تلفزيون الواقع على سبيل المثال كان قد أثار عاصفة من التساؤلات في عالم الإعلام التلفزيوني آخذاً معه السينما الجديدة إلى مستوى منخفض جداً، ألا وهو مستوى اختلاس النظر. وهكذا نستطيع القول أيضا بأنه سواء أكانت هذه الأفلام متذبذبة، أو خارج نطاق التركيز في يوميات المشاهدة المنزلية، أو حتى (وضع سمة وعلامة معينة)، فإن الأفلام الترويجية، والتي تتضمن مجموعة أقراص ال DVD وكل هذه الأشياء، ساهمت في خدمة توسعة تعريفنا بالفيلم الوثائقي التقليدي. "

أولا: السينما الكلاسيكية
هذا هو أكثر الأنواع تنظيماً وتقليدية للأفلام الوثائقية، وهي تعطي أهمية أكبر للسرد والصور، حيث يقوم الممثلون بإدارة الحبكة، ويستمرون في تحريرهم للنص، مما يضمن استمرارية وسلاسة في أحداث الفيلم. هذه الأنواع من الأفلام الوثائقية غالباً ما تعمل على استخدامً كثيفا للسرد التعليمي، وكما نشاهد ذلك بوضوح في أكثر الأفلام الوثائقية شهرة مثل فيلم بريد الليل Night Mail) ) لبازل رايت وهاري وات (Basil Wright,Harry Watt)، والذي ظهر بنمط مسرحي غير حقيقي كيف أن البريد نقل بالقطار، وفي الليل، وكان السياق في أحداث الفيلم مسيطراً عليه، وبشكل كبير جداً، وكان الشعور في أغلب الأحيان طبيعياً جداً. ان عنصر الواقعية كان متضارباً من قبل صانع الفيلم، والذي قام بدوره بتطوير ونقل موقع التصوير إلى داخل الاستوديو، وعمل مؤثرات صوتية لاظهار الأحداث، وكأنها حقيقية، وجعل تلك الأحداث أكثر ملاءمة للفيلم.


ثانياً: السينما الواقعية
هذا النمط من الأفلام الوثائقية نشأ في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، وبلغ ذروته الشعبية بين جمهوره، في أواخر الخمسينات من القرن نفسه، ولقد كان مثالاً للجيل الذي قاده في تلك الفترة، ويمكن أن نطلق عليه جيل التمرد لقضية معينة. تطورت هذه النوعية من الأفلام مع الثورة التكنولوجية التي تميزت فيها الكاميرات المحمولة مع أجهزة صوتية متنقلة للتصوير في مواقع حقيقية.


ان معنى كلمه (cinema vertite) هو (السينما الصحيحة) بالفرنسية، وتهدف لأقصى النزوع الطبيعي في الفيلم باستعمال ممثلين غير مهنيين، مستخدمين تقنيات غير موجودة سابقاَ، ومستخدمين كاميرا متحركة باليد ومواقع حقيقية بدلاً من الاستوديوات وكذلك الأمر في استخدام أصوات طبيعية من دون أن يلجأوا إلى مراحل ما بعد الإنتاج، أو إلى أجهزة صوتية أخرى. كانت الكاميرا عبارة عن ذبابة على حائط، وكانت تصور كل شيء يمر من أمامها، وهذا شكّل كسراً لكل القواعد عند موضع تنفيذ تصوير الفيلم من جانب التقليد الكلاسيكي. ان السينما المباشرة (cinema verite) كانت تستخدم عادة بطريقة لا يمكن تغييرها، وعلى الرغم من أن هناك آراء كانت تعمل على وضع فوارق عن طريق درجة مشاركة الكاميرا في تصوير الفيلم. ومع ذلك، فإن أساسيات الأسلوب كانت متشابهة جداً بين البلدين، لأن السينما المشهورة لكليهما كانت تحتوي أدواراً مشابهة مثل رجل يعمل في معرض، بائع، الأطفال المتفرجين، اللون الأساسي، وما يدور خلف الأزمة السياسية، وحدائق كري (Grey) على سبيل المثال.


ثالثاً: الدراما الوثائقية
هذا الأسلوب السينمائي يمزج ما بين تقنيات الدراما، والعناصر الواقعية للدراما الوثائقية. الأحداث الحقيقية التي جرى تمثيلها من قبل ممثلين بارعين في بيئات مسيطر عليها، وبأسلوب منظم بشكل واضح. إن عملية اعادة سرد الاحداث الحقيقية، بدأت في عصورها الأولى للإذاعة، عندما جعلت الشواغل العلمية، وانتشار المعدات الحديثة عملية تصوير الأحداث الحيّة صعبة جداً، ومع ذك فإنها تستعمل لحد هذا اليوم. ان أغلب الأفلام الوثائقية تتضمن بعض أشكال اعادة خلق الحدث، وعلى سبيل المثال برنامج (coronation street) كان بالأصل فكرة من أفكار السينما الدرامية.


ان أسلوب الدراما الوثائقية كان من أشد المسائل المثيرة للجدل، وحتى يومنا هذا، والعديد تساءلوا فيما إذا كانت هي دراما وثائقية أم لا. برز تنافس في الوقت الذي كان يعتقد بأنها حقيقية، فإن الدراما الوثائقية كان يعتقد بأنها تخدع، وأنها تعيق عملية بناء الحقيقة، وهذا الرأي تم نبذه في تلك الفترة مع مرور الوقت، لأن أغلب الناس ليسوا فقط أضعفوا لجهة التمييز بين أساليب صناعة الفيلم، ولكن عموماً مع تتابع عمليات التصحيح المتعاقبة لكل الأساليب.


في هذه الأيام، ومع ظهور الأفلام الوثائقية في حيز وجود الأفلام التجارية في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن التوسع في انتاج هذه الأفلام، في العديد من بلدان العالم، فإن أكثر التصنيفات العامة وضعت على الرف، وفي كل سنة بدأت عناصر أساليب جديدة في الخضوع للتجربة، وكذلك تمت أيضا تجربة الخطوط الفاصلة بين أنواع هذه الأفلام التي تم تجاوزها في العديد من المرات في أن تصنيفات محددة مستحيلة التعريف بها. ان تلفزيون الواقع على سبيل المثال كان قد أثار عاصفة من التساؤلات في عالم الإعلام التلفزيوني آخذاً معه السينما الجديدة إلى مستوى منخفض جداً، ألا وهو مستوى اختلاس النظر. وهكذا نستطيع القول أيضا بأنه سواء أكانت هذه الأفلام متذبذبة، أو خارج نطاق التركيز في يوميات المشاهدة المنزلية، أو حتى (وضع سمة وعلامة معينة)، فإن الأفلام الترويجية، والتي تتضمن مجموعة أقراص ال DVD وكل هذه الأشياء، ساهمت في خدمة توسعة تعريفنا بالفيلم الوثائقي التقليدي.


لهذا كيف يمكن لهذه المسألة أن تؤثر على كاتب سيناريو الفيلم الوثائقي؟ ان هذا التحول قاد إلى تشابك في الأساليب والأنواع الأدبية، وقد قاد إلى مكانة أدبية علنية لكاتبي السيناريو أو النص الأدبي. قبل المباشرة في عملية الكتابة يتوجب أن نعرف الخيارات الأدبية المتنوعة، والتي تكون متوفرة لكاتب السيناريو، كما أنه من الضروري أن نميز دور مساهمة الأساليب التقليدية المتنوعة عن الأساليب الجديدة، وحتى لو كان استعمالها الوحيد هو ارشادنا لإيجاد الأسلوب و(صوتك) الشخصي.


البحث، البحث، البحث: لا تستطيع القول بأنه كافٍ
ان كل فيلم، وخاصة عندما يكون فيلماً وثائقياً له مدلوله العميق، وهذا المدلول يمكن له أن يكون اجتماعياً، سياسياً، تاريخياً، فلسفياً، أدبياً، وحتى يمكن أن يكون من أي نوع آخر. ان مقدار البحث الذي يقوم به كاتب النص، والذي يضعه، في الفيلم يعود مدلوله مباشرة على الفيلم نفسه.
في بداية الفيلم، الكثير من الناس غالباً ما يستخلصون من عمليات نتائج البحث خاصة في الأفلام التي تخص أو تتناول المواضيع الطبيعية الشخصية، على سبيل المثال، رحلة أحد الأشخاص مع عائلته لاكتشاف قوة الروابط الاجتماعية. ان كاتب النص يمكن أن يكون موجهاً ليكتب نص عن أحداث حياة معينة يمكن أن يكون قد صورها في وقت معين مثل أحداث الشغب، أو لفيلم عن أفكار ومشاعر في احتفال وقع صدفة بتفاصيله أمام الكاميرا، ويمكن في هذه الحالة أن يسأل الكاتب نفسه أسئلة مثل " كيف يمكن لي أن أن أضيف أي شيء جديد إلى معلومات حول هذا الموضوع؟" حتى بالنسبة إلى الموضوعات التي تكون هادفة، وتمتلك معلومات منفصلة، يمكن أن تعطى إلى كاتب النص، هناك دائماً مجالاً للبحث الأكثر، وليس هناك أي اختصارات يمكن أن توفر لنا خصائص لدقة البحث في أي فيلم معين.

أفترض بأن كاتب النص لديه تفاصيل حول عملية شغب، وتمَّ تصويرها من قبل صانع الفيلم وتماشياً مع مجرى الأحداث التي وقعت في السابق، ومن خلالها، وبعدها، فإن أفكار صانع الفيلم حول تجربته، وفي لقاءات الكاميرا مع الناس، المختصة بآرائهم ، يمكن أن يعتقد صانع الفيلم بأن لديه المعلومات، ليضع نصاً بصورة صحيحة وشاملة، وسوف يكون محقاً بذلك الأمر، ومع ذلك فماذا إن قام كاتب النص بعمل دراسات أخرى سياسية ، اجتماعية، تاريخية حول ما يكتب عنه، ويبحث في السبب الذي أدى إلى حدوث أعمال الشغب على سبيل المثال، لتدوين نص، ولكن لو تحدث مع أناس أكثر، والذين هم بدورهم كانوا شهوداً على ذلك في يومها، وشاهدوا أحداثاً لم يشاهدها كاتب النص، أو لربما يستطيع هو أن يزوّر موقع حدوث أعمال الشغب، ويأخذ رسمه المنظوري لما قد يكون قد حصل هناك، ويمكن له أيضاً أن يستعين بالجرائد لمعرفة وقائع الحدث، وهو يمكنه أيضاً أن يفكر بدور الاعلام في ذلك الحدث، ويمكنه أيضاً أن يذهب وسط هول أحداث الشغب ( غير مفضل حقيقة)، وأن يأخذ رسمه المنظوري للواقع في تجربته، ولكن الموضوع في النهاية يعود إلى رأيه الخاص به في أنه يريد أو لا يريد أن يستعمل المعلومات التي جمعها عن الحدث، ولكن في جوهر معرفته العميقة، فإن الموضوع سوف يكون له أهمية كبيرة وراء نص أخّاذ ومؤثر.

الفضول:
ان أفضل بحث يمكن أن يقوم به كاتب النص عندما تمتلكه رغبة مميزة في أن يتعلم بصورة أكثر عن موضوع النص الوثائقي، وهذا سهل جداً، بالنسبة للكلام عنه من للعمل، وخاصة عندما يأتي إليك ذلك الاتصال الرهيب حول كتابة نص عن محتويات لمولد ديزل، ولكن في نفس الوقت، فإن الفضول والالهام عوامل مؤثرة في مساعدة كاتب النص، وبعد كل ذلك اذا لم تكن معجباً بالنص الذي وضعته، فكيف لك أن تعجب المئات أو الآلاف أو حتى الملايين من الناس، ولهذا فإن الخطوة الاولى في عمليات البحث  يجب أن تراعي المصلحة الخاصة الصحيحة، والفضول حول ما يدور عليه الفيلم من أحداث، وعلى الكاتب أن يسأل نفسه بعض الأسئلة المهمة، وهي:
1- ما الذي لم يقل لي عن هذا الموضوع إلى حد الان؟
2- هل كل ما قيل لي كان صحيحاً؟ وكم من الوقت أحتاج لإثبات صحة ذلك؟
3- ما هي الأشياء التي يجب أن أعرفها شخصياَ؟
4- إذا كنت واحداً من الجمهور، فما هو الشيء الذي سوف يحلو لي أن أتعلمه من موضوع الفيلم؟
5- ما الذي يمكن لي أن أجده ناقصاً في الموضوع؟
6- إذا لم يكن التصوير قد بدأ، فما هي المعلومات التي أستطيع جمعها، والتي سوف تساعد في عملية تقدم الفيلم؟


جودة الكمية:
ان واحداً من أهم الموضوعات التي يواجهها كاتب النص " كم من البحث يكون كافياً للعمل؟". ان نوعية البحث هي أكثر أهمية من الكم، وأان كنت تكتب نصاً لفيلم حول الحرب العالمية الأولى مثلاً، فأنت يمكن أن تنفق عمرك كله ولا تصل إلى نتيجة حتمية وقيّمة عن الموضوع، وهناك موضوع آخر مهم جداً وهو بأنه يجب على كاتب النص أن يفصل ما بين الموضوعات التي لها علاقة، والتي ليست لها علاقة بأحداث القصة، وهذا يمكن تحقيقه حين يكون لديك اتصال مباشر وغير منقطع مع صانعي الفيلم في كل الاوقات. ان تركيز الفيلم وموضوعه الرئيسي يؤخذ في نظر الاعتبار في كل الأوقات، لأن أي معلومات تجمع أو تؤدي الغرض المطلوب يجب أن توضع أولاً في نص ذو علاقات متبادلة، وهناك فإن كاتب النص يجب أن يسأل نفسه:
1- هل المعلومات أو مصدرها تقود مباشرة إلى موضوع الفيلم؟
2- هل الأمر هام للجمهور أن يعرف هذه المعلومات؟
3- هل ستتم اضافة هذه المعلومات كاملة إلى قصة الفيلم؟
4- حتى إن كانت المعلومات على علاقة بموضوع الفيلم، هل ستكون هناك علاقة للموضوعات التي تم جمعها في وقت سابق؟
5- هل أستطيع أن أربط بين المعلومات في الكتابة، حتى لو كانت على صلة مباشرة بالموضوع؟ (يتبع).

*باز البازي: مخرج سينمائي عراقي.
 

 


 

تعليقاتكم

أضف تعليقك