شاعرية تطغى على السرد في رواية فجر يعقوب – حسام معروف

 شاعرية تطغى على السرد في رواية فجر يعقوب – حسام معروف
في رواية (شامة على رقبة الطائر) للروائي والمخرج السوري الفلسطيني فجر يعقوب، والصادرة عن دار المتوسط 2018، تتبادل الأشياء أماكنها كأنك في لعبة "كراسي داخل الذهن".


هو المخرج المنزّل لعالم من الرواية، يسكب مفرزات خياله، ليست بالبعد الواحد ولا الاثنين، بل لعدد لا نهائي من الألسنة على جسد كل كلمة. تلك المتاهة من التأويلات التي ما إن تنكسر شوكتها عند فقرة، حتى تنمو بسرب آخر.

كثيرة تلك الروايات والأعمال الفنية التي تتناول أحداث الحرب جميعها يكون بهدف التأريخ ورفع الستارة عن الماضي للتأمل والفهم، هنا عمل محمّل بالشعر والسينما سوية، وهو ما لا يمكن تكراره بسهولة، ويمكن القول:"لم يسبق لهذا الصوت أن جاء بهذا العمق".  "

تتناول الرواية وجع ذاكرة متأصل في ذهن يعقوب، يقدمه من خلال الرقيب رشيد عثمان، العسكري الذي  يقطن في قرية مسيحية في أواخر سبيعينيات القرن الماضي، هذه القرية التي هجرها كل الرجال والمقاتلون منهم، وبقي فيها العجائز من النساء وبعض الصبايا. يقيم رشيد في ثكنة عسكرية داخل القرية ويقع في عشق الأرملة كريستينا، وبسبب القصف وقت الحرب الأهلية في لبنان، وقتها طرد من القرية، وهو في طريق هجرته تظهر شخصية من الذاكرة اسمها سهى دجة براييل، والتي تحدث هزَّة عنيفة في مسار الرواية، وترجع رشيد لذاكرة الطفولة حيث الجدة سيناميس، الجالسة داخل عينه، وذكريات مع أبيه وأمه، ويسترجع بنمط المحاكمة ذكريات عدة عقود من الحرب الأهلية في لبنان، كنوع من النقد الذهني، والجلد اللغوي، وبطريقة مغايرة.

كأن فجر يعقوب في روايته، كان يخرج نصًّا فلا يكتبه قط، لقد كان من الملاحظ في كل انتقال له أنه يرسم مشاهدَ تبرز : الصوت والحركة والإيماء والديكور والطبيعة والصمت والضوء والظلمة.

لنا أن نتخيل، أن كل هذه الأبعاد يسرقها فجر يعقوب بعناية من اللغة، ليصنع هذه الحواف التي لا يمكن أن تمر بها إلا يمسك الضوء الأزرق المحمّل بالأرق والطريق الحالمة، والأسلوب المعاكس لنمطية الفهم.
لست أدري هل عمد يعقوب إلى إدخال القارئ في نمط سينمائي يقحمه في لغة السرد؟ أو هي طبيعة غالبة على خياله بحكم التعامل المستمر مع تفاصيل التصوير؟ ففي كل فقرة  يلتبس فيك الغموض مع البطل رشيد، في الأماكن التي يصورها يعقوب بحرص للحظة تشعر بأنك في غمار فيلم رعب، ولحظة أخرى ينقلك إلى أجواء الغموض، والفانتازيا، تلك المهارة التصويرية المتنازعة داخل ذهن الكاتب، لعلها أضافت نمطًا فيه من الذكاء ما يكفي ليطغى على متطلبات العمل السردي الروائي، فلم يصل يعقوب لحافة الحبكة، ولم يلمسها قط، لا صراع يمكن تداوله داخل العمل، سوى أحداث الذاكرة التي يقحمها في السرد آخر صفحات الرواية. إنها التجريبية التي تطمح إليها الرواية الحديثة، أشكالاً تبدو جديدة، لكنها هي من الأصل متواجدة، مثل أن تقلب قشرة ليمونة فارغة من لبّها.

اللغة في رواية فجر يعقوب مشبعة بالتأويل، مكثفة، ما يعني انعدام السهولة في قراءة الكتاب على عجل، لغة يعقوب بحاجة إلى تفكير معمق بعد كل جملة، لتلمس سقف الكلمة الأعلى إن استطعت، لكنك لن تخرج من تلك المغامرة إلا بشعور مستفز اسمه اللذة.

في اللغة أظهر يعقوب فلسفته الخاصة، من خلال تفكيك المعنى وإعادة تركيبه على الشاكلة التي يحب، فيقول :"كأن المطر خلق؛ ليغسل ما بقي من الآثام، التي علقت بهذه الحيطان". وكأنه كان ينقد شلال الدم المتدفق وقتها في لبنان. ويسخر من الواقع الأليم الذي يعيشه المرء وقت الحروب فيقول:"صارت الذاكرة خزان الثقوب".

ويواصل وصف تلك المرحلة بتعبيره:"كانت الدموع هي أرخص شيء يمكن العثور عليه، في تلك الأيام". ويصف خط الحيرة للمقيم على الحياد في أي فوضى بالقول: "في الطريق إلى الوهم، يمكن أن تتقاطع أخيلة الطفولة، مع أخيلة تقع في المستقبل".

وبحزن يوقع باللغة على جدران القرية بالقول:"تتبدل الأمكنة حتى نتبدل معها".

ويعبر عن التناقض الذي يحمله الحالم، صاحب الضوء الأزرق، وعلى نمط حسين البرغوثي، يعرج لمناطق الغيرية، بالقول:"كل عين لها آلية مختلفة ومستقلة عن الأخرى".

ويتعمق في حال المواطن اللبناني وقتها بوصف لافت :"شعر بيأس مدوّر، مثل بيضة أفعى عملاقة، تتدحرج على صدره، وتفقس في فمه."

كثيرة تلك الروايات والأعمال الفنية التي تتناول أحداث الحرب جميعها يكون بهدف التأريخ ورفع الستارة عن الماضي للتأمل والفهم، هنا عمل محمّل بالشعر والسينما سوية، وهو ما لا يمكن تكراره بسهولة، ويمكن القول:"لم يسبق لهذا الصوت أن جاء بهذا العمق". ( إرم نيوز )


 

تعليقاتكم

أضف تعليقك