كلارك غيبل: الرجولة المبكرة التي أقصت ممثلي عصره عن عروشهم

كلارك غيبل: الرجولة المبكرة التي أقصت ممثلي عصره عن عروشهم
ظهر كلارك غيبل في أول امتحان تمثيلي له فتى ريفياً أخرق عندما بدأ ينطق بالحوار، ولم يكن يدري ماذا يتوجب عليه أن يفعل بيديه الكبيرتين. كاد أن ينهار وحذّر أصدقاءه بأنه قد ينتحر، إذا لم يتمكن من مرافقتهم في جولاتهم الفنية.

 لم يفارقه مظهره الرجولي لحظة منذ أن كان فتى يافعاً، وربما ساعده على الحصول على بعض الأدوار، لأنهم كانوا بحاجة إلى شخص قوي البنية للقيام بالأعمال المجهدة مثل نقل الأثاث وقطع الديكور ونصب الخيمة التي سيدور فيها الاستعراض الفني.

أصبح ممكناً القول إن اهتمام الناس في الولايات المتحدة في كانون الأول 1939 تركز على فيلم (ذهب مع الريح) أكثر من اهتمامهم بالحرب الدائرة في أوروبا والصين، حتى أن الرواية التي استلهم منها الفيلم تصدرت قائمة الروايات الأكثر مبيعاً لمدة ثلاث سنوات ونصف "

يذكر مؤلف كتاب (كلارك غيبل: حياته وأفلامه) وارن جي هاريس أن اللقاء الأول الذي ساهم بتغيير حياة غيبل كان قد تم بينه وبين الممثلة المسرحية المشهورة جوزفين ديلون، وهو قد أصبح تلميذها المفضل، حتى أنه انتقل للعيش معها في منزلها، ولم يكن قد بلغ الثالثة والعشرين، فيما كانت هي قد شارفت الأربعين من عمرها، أي أنها كانت في سن والدته عمليا. وتبين سيرتها الذاتية كمدربة في فنون المسرح، بأنها كانت من الممثلات اللامعات في برودواي، وهي قد استطاعت بحنكتها ودرايتها، أن تصقل غيبل الفظّ والخشن، وتحوله إلى الدمث واللطيف، فهي عندما التقته كانت ملامح وجهه القاسية تنم عن شخصية رجل كافح لوحده في هذه الحياة، بالرغم من أن هذه الملامح لم تعكس شيئاً من ذاته الحقيقية. وتشير ديلون إلى ذلك بقولها إن ذلك كان ضرورياً من أجل احداث التغيير في ملامح الوجه، ولكن تدريبه على صقل الصوت في ذات الوقت قد يشتت انتباه الممثل عن تصحيح حركات الوجه مع الصوت بدلاً من دراسة حركات التعبير في ملامح الوجه الذي سيقصي لاحقاً كل ممثلي عصره عن عروشهم لتبدلاته الرجولية التي كانت تجري على الملأ.

يتزوج غيبل من معلمته الأولى ديلون، وكان قد أصبح في الرابعة والعشرين من عمره، وهذا الارتباط أصبح ضرورة اقتصادية لا مفر منها، وفي هذا الوقت الذي يتزوج فيه أخذ يبدو أن غيبل أصبح مستعداً للخروج من مرحلة الطالب إلى الممثل القادر على العمل في المجال الفني، فكلما سمعت ديلون بفرصة متوفرة في مسرحية أو فيلم سينمائي كانت تسارع إلى إرساله إلى اختبار التمثيل. وقد أكد غيبل مرات عديدة أن أول ظهور له على الشاشة كممثل ثانوي كان في فيلم (الجنة المحرمة) للمخرج أرنست لوبيتش، وهو من أعظم الأفلام التي تحققت في ذلك الزمن.

استمر غيبل في الحصول على الأدوار الثانوية فترة طويلة قبل أن يتنقل بين عدد كبير من المسرحيات التي أوصلته برودواي، وكما تنبأت زوجته فقد كسب من العمل في هذه الفرق المسرحية الثابتة خبرة التمثيل التي كان بحاجة إليها لصقل موهبته على المسرح.

وحدث أن انجذب في عام 1925 إلى (الأم الثانية) في حياته، ونقصد بها (ريا لانغهام)، الأرملة الثرية، والتي كانت تكبره بشكل واضح، وأقام معها علاقة سرية خاصة، وأن لانغهام كانت تضع نصب عينيها مكانتها الاجتماعية المرموقة وأطفالها الثلاثة. من المؤكد أن مرور غيبل نحو هذه العلاقة كان يكشف عن بحثه عن أم بديلة خاصة، وأنها تمتعت بكل مواصفات الأم لشاب مكتمل الرجولة.

في بداية ربيع 1931 صدرت الدفعة الأولى من أفلام غيبل، ومع أنه لم يلعب دور البطولة الرئيسي في أي من تلك الأفلام، لكن اسمه أخذ يصبح معروفاً لدى النقاد المتخصصين في شؤون السينما، فقد أشادت مجلة " هيرالد " السينمائية بدور غيبل في فيلم (الطريقة الأسهل) بالقول ..." ممثل هوليود الجديد غيبل يسطع نجمه لفترة وجيزة ". وأشادت الجريدة السينمائية في مطالعاتها النقدية عن فيلم (أصابع الاتهام) بقولها " هاهو غيبل ينجح ثانية بصوته الرائع وشخصيته الجذابة ".

لفتت هذه التغطيات انتباه ثالبرغ، فما كان منه إلا أن أسند إليه أول دور بطولة رئيسي في فيلم (دماء رياضية) كي يختبر نجاحه على شباك التذاكر، وهكذا أضحى غيبل معبود الجماهير، وبات هناك ملايين من الشباب الذين يجنحون إلى تقليده وخاصة في رسم شاربيه المميزين، وفيما كانت تلتصق على وجوه هؤلاء الشباب، كان غيبل يزين وجهه بهما أو يحلقهما بحسب الدور الذي يسند إليه. وهكذا صدق حدس المخرج فقد أصبح ممكناً القول إن اهتمام الناس في الولايات المتحدة في كانون الأول 1939 تركز على فيلم (ذهب مع الريح) أكثر من اهتمامهم بالحرب الدائرة في أوروبا والصين، حتى أن الرواية التي استلهم منها الفيلم تصدرت قائمة الروايات الأكثر مبيعاً لمدة ثلاث سنوات ونصف، كما استمر الترويج لاصدار الفيلم المقتبس عن هذه الرواية عبر الصحف والمجلات المدة ذاتها تقريباً، وباستثناء مؤلفة الرواية مارغريت ميتشل لم يرتبط به اسم أحد ب (ذهب مع الريح) مثلما ارتبط به اسم كلارك غيبل.

صور كلارك غيبل في خمسة وستين فيلماً كان آخرها (الناشزون) مع مارلين مونرو، وتزوج خمس مرات، وعاشر الكثير من النساء، ويعتقد أن وفاته عام 1960 سجلت نهاية العصر الذهبي لصناعة الأفلام بالطريقة الهوليودية التي هيمن عليها بشخصيته الرجولية التي ميزته عن أقرانه الممثلين الآخرين، وإن تفوقوا عليه بالبراعة في الأسلوب والآداء.


 

تعليقاتكم

أضف تعليقك