(خمسون ظلاً لغراي) على التلفزيون السويدي

(خمسون ظلاً لغراي) على التلفزيون السويدي
على رغم الجدل الفاضح الذي تناقلته الأخبار من حول فيلم "خمسون ظلاً لغراي" والذي اندلع في إحدى دورات مهرجان برلين، فإن الفيلم مايزال يحظى بعروض تلفزيونية كثيرة في أمكنة مختلفة، وقد عرض بالأمس على شاشة القناة الثالثة في التلفزيون السويدي.

وفيما تتنوع معدلات الأعمار في البلدان التي عرضته فكان 12 سنة مثلاً في فرنسا، وصل المعدل الى 21 سنة في لبنان وسواها من بلدان. والفيلم المقتبس عن رواية للكاتبة البريطانية إي إل جيمس باعت 100 مليون نسخة، وترجمت الى 52 لغة حول العالم، أخرجته للشاشة الكبيرة البريطانية أيضاً سام تايلور- جونس، فإن أضفنا الى هذا أن من قام باعداده سينمائيا امرأة أيضاً، نكون قد وقعنا على فيلم بتوقيع ثلاث نسوة، وعليه يمكن التمهل بقرءاته من هذه الزاوية، اذ تبدو نجمته داكوتا جونسون في حاجة لإضاءات تشريحية لشخصيتها - تحديداً - طالما أن القائمات على الفيلم جئن بـ "سندريلا" القرن الواحد والعشرين ليخبرن قصتها عن طريق بعث وتأكيد الجانب المظلم في شخصية الرجل الذي سيمنحها القدرة على الاستيقاظ في عالم غفل وينهشه الجوع والكوارث. كأن الاستديو المديني العملاق الذي يصور فيه الفيلم بعيد تماماً عنه، وكل مايدور من حوله لا يتعدى الشائعات الكلامية، حتى تتحول الصدمات العاطفية فيه إلى "بيزنس" وعلاقات تجارية تحكمها العقود بين المسيطرين والخاضعين.

في "خمسون ظلاً لغراي" سنقع على مصيدة مبهمة للمشاعر الإنسانية التي تدور في مدينة هندسية مترامية الأطراف وتشبه غرفة عملاقة يسهل فيها تصنيع الكتل الصماء التي تنقاد وراء مصائر محددة سلفاً "

ليس الملياردير الشاب كريستيان غراي (27 سنة) المريض المنحرف، الغارق في عالمه المظلم في الفيلم إلا تلك الشخصية الهشّة المأزومة التي عاشت على ترسبات وعُقد الماضي الأليم، فانحنت على جوانيتها بفجاجة لتعيش تهويمات العلاقات المازوسادية بانعتاق كبير، فكل مايملكه هذا الملياردير يسخره في اتمام سيطرته على من هم حوله. لا يحب. ليس لديه وقت للعواطف. مقل في كلامه، وإن تكلم فببطء وصعوبة بالغين طالما أنه سيقف أمام أناستازيا لتبدأ معه رحلة تحريره من هذا الانحراف، ولكن بتهويمات ودموع فتاة ساذجة خيل إليها أنها وقعت في غرام الفارس الذي سيوقظها من سبات لعين. يقول لها إن الرجال من المؤكد يترامون عليها عندما يكتشف أنها لا تزال عذراء. تخبره أنها لا ترغب في أي منهم. تبدو الإشارة إلى بداية القصة مهمة جداً على رغم سياقها الافتعالي الذي يحيل إلى نوع من التركيب الميلودرامي الذي لا يشكل أذى كبيراً في بعض الأفلام التي يقبض فيها أصحابها على السرد السينمائي بحرفية وحرية عاليتين.

لكننا في "خمسون ظلاً لغراي" سنقع على مصيدة مبهمة للمشاعر الإنسانية التي تدور في مدينة هندسية مترامية الأطراف وتشبه غرفة عملاقة يسهل فيها تصنيع الكتل الصماء التي تنقاد وراء مصائر محددة سلفاً. لا تظهر داكوتا جونسون، التي أدت دور الفتاة الساذجة، أكثر من وجه يمكن قراءة مصيره في ضوء عروض غراي (جيمي دورنان) المتكررة بأن توقع عقد الخضوع الكلي له، لتحصل عليه بإشراف محام بارع حتى لا تتسرب أخبار عالمه المظلم وتخفّيه في علاقاته بأسرار الغرفة الحمراء المعدة لصنع اللذة المخلوطة بالألم، ويسميها هو غرفة الألعاب، للتدليل على طفولة مسلوبة لم يعشها الولد الذي ماتت أمه وهو في الرابعة، وتبنته أسرة ثرية سمحت له بتعلم العزف على البيانو وهو في السادسة، وظل يؤدي كل تلك المعزوفات الحزينة التي لا تسمح لأحد بملامسته عقب كل علاقة حميمة، وإلا تعرض لعقوبة الجلد في أمكنة حساسة.

سيحمل غراي ذكريات أليمة عن عالم ألعابه المفقود. لم يكتمل الكشف عن عالمه ان صدقنا علم النفس التكويني فلجأ الى تأسيس عالم مواز إحلالي بديل من الأسواط والحبال والكلابات والسدادات التي تلهب عالمه العاطفي المضطرب. وأهم ما يميزه في لحظات غضبه خمسون درجة من التوتر حين يصاب بإحباط، كما يخبر أناستازيا التي تنزلق برضا كامل في عالمه المريض قبل أن تعود وترفضه تمهيداً لجزء ثان على مايبدو، وإن قدمت العناوين في الرواية الأصلية "خمسون ظلاً أكثر قتامة" و"خمسون ظلاً طليقاً"، دلالات على نهايات كل جزء، في ما يبدو أن الفيلم الموسوم باسم غراي أهمل جزءاً مهما حين ترك "خمسون ظلاً للرمادي" العنوان الأصلي للجزء الأول، وكان يبدو أكثر تعريفاً ببطله من خلال تدرجات هذا اللون المحبب في عالم السينما، في ما لم نعثر في شخصية غراي في الفيلم على أكثر من ظل واحد سقيم واقع في أمراض جنسية منحرفة رسمت مصيره منذ الدقائق الأولى في الفيلم، هذا اذا استثينا البحث في عالمه المظلم، وحاولنا الانحناء على الجانب المضيء طبعاً اذ لا يمكن تفويت هذا التوازي الساذج في رسم شخصيته، فهو رجل الأعمال الخيرية، يحارب الجوع في أمكنة مختلفة من العالم، من دون أن نقع على ما يفيد في هذا الشأن ولو في صورة واحدة، ويتبرّع للجامعات كما سيحدث مع جامعة أناستازيا لحظة تخرجها، كأنه لايفوّت سانحة حول اشراكها في فعل الاستيقاظ، الا ويقوم به. وهي كانت قد قصدته أصلاً لتجري معه لقاء صحافياً لصحيفة الجامعة بدلاً من صديقتها المريضة فيقع في غرامها، ويكبته، لأنه لا يعرف الحب، ولأنها هي بالذات لا يجب أن تقع في براثنه وأصفاده وأغلاله.

هذه بهارات طفولته التي سيخبر عنها ما يمكن أن يجتره أي مريض نفسي بغية الإيقاع بضحيته من طريق إثارة فضولها وشفقتها. كريستيان غراي الذي تعرّض لحروق السجائر في جسمه من قبل صديقة والدته التي ربطته في مراهقته إلى جانبها واستغلته أكثر من ست سنوات ومارست عليه فنون التعذيب قبل أن تطلقه في عالم الانحراف وتصبح مثل مستشارة سرية له، اذ سيظل مرتبطاً بها ويحاورها في شؤون الفتيات اللواتي يستدرجهن إلى الغرفة الحمراء. أناستازيا ستبدو مختلفة. هكذا يخبرنا هو. لم نشاهد شيئاً من علاقاته الـ 15.

ليس هناك في الفيلم حضور للسيدة روبنسون المسؤولة عن انحرافه وتشظّيه العاطفي والنفسي. كل ما نقع عليه تبريرات سطحية بكلمات منمقة و"أنا" متشققة وضخمة يظهرها بعلاقته مع الفتاة الساذجة أناستازيا التي تعمل في محل لبيع الخرداوات، ولم تكتشف رسالته لها حين يقصدها بعد لقاء الصحيفة الجامعية ليشتري من عندها حبال ولاصق وكلابات حديدية تشي لها بأنه يتصرف مثل قاتل متسلسل مثالي، وهي من أدوات التعذيب التي يستخدمها في غرفة ألعابه. ستبدو المحاولات النقدية الباحثة عن عالم موازٍ لهذا المنحرف خارجة عن اطار الكتابة نفسها انصافاً للإضاءة والصورة وحركة الكاميرا المتقنة في الفيلم والميزانسين الاحترافي. حتى داكوتا جونسون في أدائها دور الفتاة الساذجة كانت مقنعة تماماً، ولهذا يبدو من كل ما تقدم أن قراءة مصيرها لن تكون صعبة، ولن تغطي عليها بعض تلك الابتسامات التي تبدو وكأنها ستغيّر من عالم مريض قائم على تهويمات شبحية لا ينفع معها التذكير بالحدث المتوازي الذي يشكله عمله في فعل الخير مقروناً بأمراض ينبغي المصادقة عليها بعقد موقّع من الخاضع والمسيطر، اذ يبدو أن هذا الحدث سيشكل مادة خطرة في التنبيه إلى انحدار علاقات انسانية غير سوية ولا ينقصها سوى التدليل عليها في غرفة حمراء قاتمة بالسوط والأغلال. الذي سبق الفيلم في الترويج له على مدار الأعوام التي تلت صدور الرواية يشبه تماماً ذلك الخضوع التدريجي الذي يجرّ القارئ والمشاهد معاً نحو القاع المظلم للنفس البشرية لمعرفة مصير العقد الذي سينشأ بين الملياردير والحسناء التي كانت نائمة في زمن ما، قبل أن توقظها ضربات السوط الموجودة على مرّ الأزمنة في عقلها: مصدر الألم واللذة على حد سواء.

تعليقاتكم

أضف تعليقك