عن آخر مدرسة حزبية بقيادة الرفيق فلايكوف

عن آخر مدرسة حزبية بقيادة الرفيق فلايكوف
كان ذلك في خريف 1987 حين وصلنا إلى مدينة بلوفديف البلغارية بعد قضاء شهر تقريباً في أكاديمية العلوم الحزبية في العاصمة صوفيا التابعة للحزب الشيوعي البلغاري، ونحن نتجمع باسم أفراد "الكورس" الحزبي الجديد الذين سيقضون عشرة أشهر في رحاب الأكاديمية الحزبية الأخرى التي تقع على ضفاف نهر ماريتسا.


لا أعرف حينها لماذا ساورتني الشكوك بأن "الكورسيستي" الذين توفدهم تنظيماتهم الحزبية والفصائلية إلى هذا التجمع ما هم إلا شخصيات مغضوب عليها في بيئاتها التنظيمية، أو شخصيات تحتاج إلى نقاهة من نوع ما، وقلّة من "المناضلين" كانت تجيء لأسباب غامضة لا أحد يعرف عنها شيئاً، باستثناء –ربما-من قاموا بإيفادهم، ليشكلوا بسلوكياتهم نوعاً من الحسد الذي يطفو على الخلافات التنظيمية العقائدية بين أعضاء الكورس الجديد، فهم الأقدر على السهر واللهو والتبذير، وهم الأقدر على صوغ بعض المواقف التي لا تتطلب سوى هذا النوع من النشاط الخارج عن أي تأطير فكري أو فلسفي أو حتى سياسي آني، بمعنى إعادة تشكيل اللحظة الآنية التي يتفنن في رسمها الأعضاء الحزبيون بممارساتهم التنظيمية اليومية.

على التلة المقابلة كان يقف المارد "السوفييتي" أليوشكا. عملاق من الغرانيت يذكر بلغاريا بتحريرها من الفاشية. مع انقضاء "حلقات الذكر الشيوعية" مطلع تسعينات القرن الماضي أصبح أليوشكا عنواناً لهجمات البلغار المنصرفين عنها، وجرت محاولات كثيرة لطرده من التلة، وبحدود علمي أخفقت كلها، أقله حتى عام 2013. "

كنَّا موزعين على أكثر من تنظيم حزبي وفصيل، وبعضنا كان في الواجهة الحزبية المفضلة عند كوادر وقيادة الحزب الشيوعي البلغاري في المدرسة الحزبية الثانية في البلاد، وبعضنا الآخر كان حضوره رفع عتب ومن طريق حزب الفلاحين الذي يمارس دور الشيوعيين مع الأحزاب غير المرغوب فيها، ولكنها ضرورة من باب العلاقات العامة التي لايوجد مهرب منها، وقد أصبحت المدرسة في بلوفديف بمثابة منفى اختياري لعناصر وكوادر التنظيمات الفلسطينية التي تقصد بلغاريا للأسباب الآنفة الذكر بحيث يتجنب البلغار خلافات هذه التنظيمات أمام أحزاب حركات التحرر العربية والعالمية التي تدرس في الأكاديمية - الأم، وخاصة بعد خروج الفلسطينيين من بيروت سنة 1982، وماتلاها من أحداث عاصفة مثل انشقاق منظمة التحرير الفلسطينية، وحرب المخيمات الفلسطينية وسواها من عواصف وأعاصير تركت تداعيات خطيرة على الجسم الفلسطيني الذي لم يكن واحداً في يوم من الأيام.

لم أكن من "تنظيم" مرحب به في بلغاريا كثيراً، وقد أسند الشيوعيون البلغار في مواقف كثيرة مهمة التعاطي معه إلى حزب الفلاحين، لكن هذا لم يكن يعني أنهم قطعوا علاقاتهم به، بالعكس، فعلى الصعيد غير الرسمي كانت بلغاريا مقصداً دائماً لقيادات هذا التنظيم، وان لم تكن معلنة، اذ كانت القيادة البلغارية على ما يبدو تتجنب شتى صنوف الاحراج مع منظمة التحرير الفلسطينية في هذه اللحظات الفاصلة من التاريخ الفلسطيني المعاصر.

لم يكن يكفي في حسابات التجمع الحزبي أن تقع المدينة على تلال ثلاث. أو لم يكن في الوارد اجراء مسح جغرافي وتاريخي: المحاضرات كانت تتركز على تاريخ الاقتصاد السياسي، وتاريخ الحزب الشيوعي البلغاري، تاريخ الفلسفة، وتاريخ الحركة العمالية الشيوعية وسواها من دروس التثقيف الحزبي التي كان من المفترض أن تغطي عشرة شهور من الوقت الذي كان يمتلكنا ويحركنا وفق أجندة غير مرئية أشرف عليها بحذق مدير المدرسة الرفيق فلايكوف.

فلايكوف كان شخصاً مرناً وذا حس أمني مدرب، وكان يوزع المهام على "الكورسيستي" بدهاء مقنع حتى يتجنب إمكانية وقوع أي صدام بين أفراد التنظيمات الفلسطينية الذين قدموا من خلفيات فكرية وسياسية مختلفة، وكان بالإمكان بالطبع الوقوع على حساسيات متوقعة بين أفراد كل تنظيم على حدة، وهذا كان ممكناً بسبب شكوك في توزيع الولاءات، لأن بلغاريا كانت ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات.

أصبحت رحلاتي المسائية في مركز مدينة بلوفديف تتخذ مساراً مختلفاً بعد مرور شهرين على وجودي فيها. استطعت أن أشق طريقي إلى المدينة القديمة بسهولة. وعندما قرأت اسم الشاعر الفرنسي الفونس دو لامارتين على حجر أبيض تملكتني دهشة وحيرة لم يكن ممكناً التفلت منهما إلا بعد أن قالت لي جوليغانا أستاذة تاريخ الحركة العمالية الشيوعية الشابة إن لامارتين كان متوجهاً إلى تركيا (ازمير)، وأصيب بالحمى مما اضطره البقاء في هذا النُزل الذي تجده أمامك، وقد تحول مع الوقت إلى متحف لامارتين.

على التلة المقابلة كان يقف المارد "السوفييتي" أليوشكا. عملاق من الغرانيت يذكر بلغاريا بتحريرها من الفاشية. مع انقضاء "حلقات الذكر الشيوعية" مطلع تسعينات القرن الماضي أصبح أليوشكا عنواناً لهجمات البلغار المنصرفين عنها، وجرت محاولات كثيرة لطرده من التلة، وبحدود علمي أخفقت كلها، أقله حتى عام 2013.

كنت أصعد إليه أسبوعياً مرتين في تمرين مفتوح للقلب على الحب، ولم أكن أعي معنى الصعود والنزول إلا بوصفهما حركتين في حياة مقبلة على استعارات عاطفية ستغير الكثير في مصيري المعلق على التلال الثلاث.

جوليغانا الشيوعية اليهودية الشابة التي أنهت دراسة الأدب العربي في جامعة صوفيا، وتخصصت عامين في دمشق، سألتني في رواق المدرسة الحزبية عن قصائدي. المترجمة اللطيفة ديمة قالت لها ذلك.

أخبرتها أنني طبعت مجموعتين: الأولى، وقد انصرفت عنها لأنني كنت في التاسعة عشرة من عمري، وأما الثانية فقد صدرت في العام الذي سبق قدومي إلى بلوفديف.
أهديتها مجموعة (النوم في شرفة الجنرال)، وحين فاجأتني بترجمة الجزء الأكبر منها زادت حيرتي وأسئلتي عن مغزى القصائد التي أكتبها دون التركيز على مشروع شعري، يتطلب تفرغاً لا يمكنني تأمينه ولا أفكر به أصلاً، وأنا على أبواب تحولات مصيرية، لا أعرف عنها شيئاً، ولكنني أحدس وقوعها.

في الحالة الفلسطينية لا يمكن أن تمر حادثة ترجمة أشعاري للغة البلغارية مرور الكرام. لقد سببت نوعاً من الغم والكدر للبعض. قالت لي جوليغانا إن مسؤول التنظيم الفلسطيني الذي يمتلك حصة التمثيل الأكبر في "كورس" بلوفديف، قال لها بنبرة متعالية:" كيف تترجمين قصائده، وهو ينتمي إلى تنظيم إرهابي؟!".

سكتت قليلاً، وسألتني ما إن كنت أريد أن أعرف اجابتها له. بصراحة لم أكن مهتماً، بمعرفة الحادثة نفسها. كنت أتوقع أي شيء، وقد وطنّت نفسي منذ زمن لا بأس به، أن أعمل على تمرين الصمت، ولكنها وقفت عند بوابة لامارتين اللفظية وقالت: -ربما يكون منتمياً إلى تنظيم إرهابي كما تحب أن تصف التنظيم الذي وفد منه إلى هنا، ليقيم على تخوم الأبعاد الغامضة، ولكنه –هو، أي أنا-لايبدو لي أنه من طينة الإرهابيين الذين تتحدث عنهم.

قلت مرة ونحن في رحلة "الكورسيستي" إلى مدينة بورغاس البحرية أمام الجميع إن بول ايلوار هو من قال إن "الشيوعية هي فن السعادة". ربما لم يصدقني أحد، سوى المسؤول الحزبي الذي احتضنني بقوة، أما تتمة الذي حدث في ليلتها، فقد تحول إلى كارثة حزبية أدت بفلايكوف لأن ينهي السهرة، ويعيد الجميع إلى غرفهم في الأوتيل، من أجل العودة صباحاً إلى بلوفديف، المدينة كانت ترتعد، وهي تقوم على تلالها الثلاث وتترنح. 
 

تعليقاتكم

أضف تعليقك