عن حياة بين منامين - *حسن داوود

عن حياة بين منامين - *حسن داوود
بعد أن استفاق من نومه وألقى على وجهه النظرة الصباحية الأولى أحبطه أن ارتخاء عينه اليسرى ما زال في المرآة على حاله. لم يكن ينتظر أن يستوي جلد الجفن الفائض، فذلك التشوّه ما زال ملازمه منذ ولادته. كان نذير لعنة، في نظر أمّه، كما في نظر القابلة التي أولدته.

لكن العالم تغيّر، ولم تعد ممكنة المعرفة بما ستأتي به اللعنات. الزمن الذي عاشه أبوه وجدّه تغيّر، لا إلى الأمام أو إلى الوراء، بل صار مدى آخر مختلفا وغريبا. الماضي الذي عاش فيه الرجلان يمكن فهمه، رغم ما أصابهما منه، وما عبرا فيه من بلدان، متنقّلين أو مهاجرين. والده مثلا مات قاعدا في شجرة، والإمام الجيلالي الذي عرفه كان موجودا، بروحه، في نسغ شجرة أخرى، خالدا فيها. هذا غريب، ولكنها الغرابة الأليفة، الغرابة التي أمكن اعتيادها فصارت حكايات ملازمة لوقائع العيش اليومي.
يختلف مهيار عن جدّه وأبيه في أن ترحالهما جرى بين بلدان تكاد تكون أخوات في عائلة واحدة. الزمن فيها مفهومٌ سياقه، والمكان مرتكن على قواعد ثابتة، أما هو، أما هجرته، فإلى بلد لم يكن يحلم أي من أسلافه باجتياز ربع المسافة إليه. لقد هاجر، أو دُفع، أو لُفظ، إلى أحد البلدان الباردة، في مقلب آخر من الأرض. وها هو، محتفظا بوجهه وندبة وجهه، وأخته أليس وأمه التي لا يحبها، يتلقى رسالة في ذلك الصباح، إثر استيقاظه، تبلغه أن قد جرت الموافقة على اشتراكه في ذلك الامتحان، الذي لن يُفصح لقارئي الرواية ماذا هو. أما الرحلة ذاتها، إلى هناك، فقالبة للوقت رأسا على عقب. تقول الرسالة إن عليه أن يستقلّ القطار قبل شهر من موعد وصوله، جاعلة المسافة فلكية، كما يقال بالأحاديث اليومية، لكن من دون الإلفة التي تصاحب النطق بها. وهناك، حيث يصل، سيقيم في ما يشبه المخيّم المنتشرة حجراته على مساحة مجاورة لأرض يجري عليها، هي الأخرى، سياق غريب آخر للزمن حيث ينمو العشب وتصدأ عجلات القطار ومقصوراته بسرعة يكاد تأخر خمس دقائق يرفع العشب النابت إلى نوافذ القطار ويطغى على السكة تحته.

من دعاه إلى الحضور إلى ذلك المكان المنعزل عن سائر الأمكنة، لم يكن إلا أغاثا كريستي نفسها. كانت رئيسة لجنة المحكمين في تلك المسابقة، وقد شاركها آخرون لكل منهم ملمحه الشاذ الواحد الذي يميّزه عن زملائه. وآغاثا كريستي حاضرة في زمن مهيار المتأخّر بكامل ذاكرتها. بل ربما ما زالت محتفظة بأشياء تافهة، كان الأحرى بها أن تتلفها، من هذه مثلا الفواتير التي كانت تدفعها لقاء إقامتها، كما لقاء طلباتها المتكرّرة، في فندق بارون في حلب. "

لن نعرف إن كان مهيار قد حقّق فوزا أو فشلا في امتحانه، كان قد تلقى استحسانا وموافقة، بل وتصفيقا، مرة بعد مرة، لكنه في نهاية إقامته كان يستعد للهروب استعداد مَن خاب أو مَن فشل.
من دعاه إلى الحضور إلى ذلك المكان المنعزل عن سائر الأمكنة، لم يكن إلا أغاثا كريستي نفسها. كانت رئيسة لجنة المحكمين في تلك المسابقة، وقد شاركها آخرون لكل منهم ملمحه الشاذ الواحد الذي يميّزه عن زملائه. وآغاثا كريستي حاضرة في زمن مهيار المتأخّر بكامل ذاكرتها. بل ربما ما زالت محتفظة بأشياء تافهة، كان الأحرى بها أن تتلفها، من هذه مثلا الفواتير التي كانت تدفعها لقاء إقامتها، كما لقاء طلباتها المتكرّرة، في فندق بارون في حلب.

وبين من هم في المخيم الحسناء سيدرا، الغاوية التي تظهر في الإعلانات التلفزيونية عن العطور قائلة، أو هامسة بغنج شهواني «عطر سيدرا- عطر كل الفصول- عطر البراءة الأصلية». سيدرا سريعا ما ستنضم إلى مقصورته الصغيرة في المخيم، من دون تدرّج في التعرف والحميمية. لم يتأخرا في النوم معا في سرير واحد. كأن سيدرا أعطيت له من السيدة الإنكليزية المحترمة آغاثا كريستي، هدية أو تقدمة من تقديمات العمل، تعطى للمشارك في ذاك الامتحان. كان في ذلك أكبر حظا من أبيه، بَكْر، الذي قضى حياته ملاحقا طيف امرأة سبق له أن شاهدها مرة واحدة. فها هو مهيار الابن، يحقّق وصلا مع امرأة لا يعرف إن كانت له أو لسواه. فهما، هو وهي، مرتبطان ومنفصلان معا، قريبان وبعيدان حيث لا فرق بين لحظة الافتراق، أو اللحظة التي يقرّران فيها البقاء معا.

في هذا العالم المصنوع كأنه من صور المنامات وأضغاثها هناك نقاط تعيين تفاجئ، عند ظهورها مكتوبة في أحد الأسطر، لكونها تدل على ما هو واقعي أو حقيقي. مثل «حيفا» المدينة، وأسماء أخرى لأمكنة تستدعي تذكّرا أو تاريخا أو حنينا. كما أن الزمن أيضا، وليس الأمكنة فقط، يحظى بتعيينات معروفة. في بقعة، أو حيّز، من رأس مهيار هناك الحرب الراهنة الجارية في سوريا، كما في سواها من البلدان القريبة لها. لا يجري ذكر تلك الحروب في الرواية إلا قليلا لكن عليها، رغم ذلك، أن تكون حدثا مرجعيا لما ينبني في الرواية من تخيلات وتهويمات.

وفي الختام لن نعرف إن كان مهيار قد حقّق فوزا أو فشلا في امتحانه، كان قد تلقى استحسانا وموافقة، بل وتصفيقا، مرة بعد مرة، لكنه في نهاية إقامته كان يستعد للهروب استعداد مَن خاب أو مَن فشل.

هل هي رواية عن تجربة النفي الأخير؟ هل هي عن زمننا الذي بات صعبا التمثيل عليه بالوقائع؟ هل هي عن الانفصال عن الذات؟ هل…؟
*«نوتة الظلام» رواية الكاتب والسينمائي فجر يعقوب صدرت عن «دار الدراويش» في بلغاريا – 128 صفحة-2019.
** روائي لبناني

(صحيفة القدس العربي )

تعليقاتكم

أضف تعليقك