خيري حمدان ل (دفاتر غوتنبرغ): لا يمكن اليوم الانزواء في ثقافة البعد الواحد

  خيري حمدان

خاص – دفاتر غوتنبرغ
الشاعر والروائي والمترجم الفلسطيني خيري حمدان لم يكن يعتقد أن دراسته للهندسة في بلغاريا ستبقيه فيها ليصبح واحداً من أهم المترجمين من اللغة البلغارية إلى اللغة العربية والعكس.

حتى غدا واضحاً ولافتاً في تجربته أن المقياس الأدبي البلغاري لم يعد خاضعاً للمزاج الأيديولوجي الغابر الذي أوقع الكثير من ترجمات الأدب البلغاري في مطب التدوينات الانشائية، بل وصار يعتمد على إدارة وتنشيط الحس السليم في الاختيار والتدقيق، واليوم تبدو الصورة أكثر وضوحاً واشراقاً ، اذ يبدو أن خيط الحوار العربي – البلغاري لم ينقطع، ومازال هناك الكثير في جعبة خيري حمدان، الذي يعتبر نفسه كاتباً بلغارياً بامتياز، وهو ولد أساساً في قرية دير شرف (نابلس) سنة 1962، وسبق له أن أصدر مؤخراً عدة مجموعات شعرية وروايات باللغة البلغارية مثل (أوروبي في الوقت الضائع)،(أحياء في مملكة السرطان)،(حياة واحدة لا تكفي)، وصدرت له باللغة العربية روايات (أرواح لا تنام)،(انعتاق)،(حدائق البندق)، وقدَّم ترجمات مهمة من وإلى اللغة البلغارية، وحصل مؤخراً على جائزة (الريشة) للترجمة، وهي جائزة أدبية قيّمة على المستوى الوطني في بلغاريا. هنا حوار معه:

 
*ما الذي تعنيه لك جائزة (الريشة) البلغارية التي حصلت عليها مؤخراً؟

**جائزة الريشة ذات قيمة رفيعة على المستوى الوطني في بلغاريا، ويمنحها قصر الثقافة بالتعاون مع وزارة الثقافة مع بداية شهر أكتوبر من كل عام. يصدر القصر قائمة مبدئية طويلة لأفضل الأعمال في مجال الشعر، والقصة القصيرة، وأفضل باكورة عمل إبداعي، إضافة لأفضل عمل مترجم من البلغارية للّغات الأجنبية. يؤخذ بعين الاعتبار الأثر الذي يتركه العمل المُترجَمْ بشأن الترويج للثقافة البلغارية في الخارج، وقد نافست المجموعة القصصية التي قمت بترجمتها "في البدء كانت الخاتمة" العديد من الأعمال، وتمكنت من الوصول للقائمة القصيرة، إضافة لرواية مترجمة للّغة الإنجليزية، ودراسة عن التاريخ البلغاري مترجمة للّغة الإيرانية. الجائزة تعني اعترافاً بالمجهود الكبير الذي قمت به، خاصّة وأنّ المجموعة ضمّت 43 أديباً، وشملت ستين قصة قصيرة وأربع روايات قصيرة بنحو خمسمئة صفحة. وأعتقد أنّ اللجنة أخذت بالحسبان التراكم الذي تركته خلال السنوات القليلة الماضية في مجال ترجمة الأدب البلغاري بشتّى صنوفه.

*من هو القارئ الذي تضعه في الحسبان عندما تترجم من اللغة البلغارية إلى العربية أو العكس؟

**للأسف، أعتقد أنّ القراءة بصورة عامّة في تراجع مستمر، ويبدو ذلك أكثر وضوحاً في المجتمعات العربية. للشعر مكانته الخاصّة والنخبة هي المعنية بهذا النمط التقليدي من الآداب، خلافاً للقصة والرواية التي تجد حصوراً واهتماماً أكبر لدى القرّاء. هناك عامل أساسيّ ساهم بنجاح الشعر البلغاري المترجم متمثّلاً بقلّة، بل، بندرة ترجماته للفترة التي تبعت المرحلة الانتقالية في بلغاريا ودول شرق أوروبا، التي عنيت بصورة أكبر بالترجمة للّغات الغربية لاعتبارات سياسية وإيديولوجية بحتة، لكن هناك عودة واهتمام مشهود باللّغة العربية خلال الآونة الأخيرة. لقد وجدت اهتماماً جيّداً بالأدب البلغاري المترجم ما بين فئات عديدة ومختلفة تشمل الطبيب والمهندس والصحفي والأديب، خاصّة بين أوساط خريجي دول المنظومة الاشتراكية سابقاً. 

*ليس ثمة تقاليد راسخة بالترجمة من اللغة البلغارية كما هو حال اللغات اللاتينية الأخرى. كيف تتعاطى مع هذه الوضعية كمترجم، وماهي العقبات التي تعترضك في عملك؟

**نعم هذا صحيح. الاهتمام باللغات الصغيرة يبدو محدوداً ويعتمد على المبادرات الشخصية، ولعلّك تجد في بلغاريا بضعة أشخاص يعدّون على أصابع اليد الواحدة من المهتمين والقادرين على ترجمة الأدب. البدايات دوماً صعبة، لأنّ الاهتمام متركّز على شخصيات أدبية محدّدة احتكرت الحضور على الساحة الثقافية، وحين تتحدّث عن الأدب العربي المترجم للّغة البلغارية، فإنّك ستقرأ أسماء غالباً ما تتكرّر، محمود درويش، وربّما أدونيس ما بين القرّاء البلغار، حتّى نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب لم يتمكّن من نيل نصيبه المتوقع والمرجو من الترجمة، والقارئ العربي المهتم بشأن الثقافة البلغارية قد يذكر أسماء مثل خريستو بوتيف، ليوبومير ليفتشيف، إيفان فازوف، وبهذا تنتهي القائمتين. بذلت جهوداً كبيرة للتواصل مع الأدباء من الطرفين، وقدّمت ما يزيد على مئة وخمسين شاعر وأديب بلغاري، كما قدّمت للقارئ البلغاري أعلاماً مهمة في مجال القصّة: "محمود الريماوي وجمال ناجي" في كتابين منفصلين على سبيل المثال، والكثير من الترجمات القصيرة للشعر العربي. نشرت هذه الترجمات في مواقع أدبية مختصّة في بلغاريا. الجهود المتواصلة والتضحية بآلاف الساعات من السهر لنقل الآداب من وإلى اللّغة العربية والبلغارية أتت ثمارها، وأتمنّى أن تستمرّ هذه الممارسة لاحقاً. بالطبع هذا يعتمد على الدعم المؤسساتي، وهذه حكاية أخرى يطول الحديث فيها. 

*أنت بدأت شاعراً أساساً، ثم ظهرت لك رواية باللغة البلغارية سرعان ما ترجمتها للعربية وحملت عنوانين مختلفين. كيف تعاطى معها القارئان: البلغاري والعربي؟

**الرواية التي صدرت بالبلغارية تحت عنوان "أوروبي في الوقت الضائع" شهدت رواجاً شعبياً كبيراً، وكثر الطلب عليها حتى في مواقع بيع وشراء السلع المستهلكة كالهواتف والملابس، أمّا في صيغتها العربية وحسب تقدير الناشر "البيروني"، فإنّ الرواية شهدت نجاحاً نسبياً، بالرغم من أنّ تفاصيل الرواية بالكامل تدور في بلغاريا، وقد ترشّحت الرواية لجوائز عربية عديدة. عملياً يلقي هذا الكتاب بقعة ضوء على المرحلة الاشتراكية التي عايشتها بلغاريا من منظور مخرج سينمائي إيطالي معاصر، في قالب عاطفي دراماتيكي. تجربة أعتزّ بها في طريق النضوج الإبداعي والفكري. لا أدري أبعاد حضور القراءة في الأسواق والمكتبات العربية بصورة دقيقة، لبعدي عن المشهد الثقافي وبحكم تواجدي في أوروبا. العنوان البلغاري يبدو استفزازياً، وقد سألني أحد الكتاب والنقاد "ألا يوجد حاليًا آسيويون يعيشون في الوقت الضائع"، أجبته بأنّ الإنسانية برمّتها تعيش حالياً في وقت ضائع ومهدور. 

*هل كنت تعتقد أن اقامتك في بلغاريا ستطول بعد الانتهاء من دراستك؟

**لم يخطر هذا بذهني أبداً، لكنّي الآن وعلى بعد بضعة عقود من الزمن، حين أرى بأمّ عيني هذا الحجم الكبير من الهجرة، أجد أن قراري كان جيّداً نسبياً، وفقاً للواقع المحليّ أو الإقليمي الذي عشته بالتزامن مع حرب الخليج والبطالة التي تبعت ذلك في مكان إقامتي في الأردن، لكن لم يخطر ببالي أنّ الإقامة في بلغاريا ستصبح دائمة ومصيرية، لا يمكن لأحد أن يهرب من مصيرٍ منطقي جاء نتيجة لظروف قاسية وصعبة للغاية. 

*ما هو حال الأدب العربي في بلغاريا حالياً بالمقارنة مع سنوات الحكم الاشتراكي؟

**هناك تعطّش كبير ليس فقط للأدب العربي، ولكن للفلسفة والصوفية والعلوم الاجتماعية والمعارف الشرقية بصورة عامّة، وأعتقد أنّ معهد الاستشراق يبذل جهوداً محمودة في هذا السياق، لكن هناك غياب مؤسّساتي رسمي واضح في هذا السياق. على سبيل المثال، تتواجد في بلغاريا مراكز ثقافية للعديد من الدول، هنغاريا، بولندا، التشيك، فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة الأميركية، إيران وغيرها، لكن ومع تزايد تعداد سفارات الدول العربية والخليجية، لا يوجد مركز ثقافي عربي رسمي كما هو الحال في دول أوروبا الغربية. يمكن للحضور العربي أن يشهد تطوراً إذا حاز على مزيدٍ من الدعم المؤسساتي، وأعتقد أنّ المجتمع والحكومات البلغارية المتتابعة على أتمّ الاستعداد لقبول ودعم مبادرة التأسيس هذه، خاصّة ونحن نشهد أفلاماً عربية عديدة تعرض خلال شهر يناير ضمن مهرجان "منار"، إضافة للفعاليات الثقافية لتقديم الكتب وتنظيم حفلات تعريف بالكتاب العرب. لا شكّ أنّ الطريق ما تزال طويلة، وعلينا بذل المزيد من الجهود لإثبات الحضور الثقافي العربي في بلغاريا.     

*هل لقيت اعتراضات من الجانب البلغاري على حضورك الأدبي في بدايات عملك، وما هو صدى حصولك على الجائزة البلغارية بين البلغار؟

**البدايات كانت صعبة، وأظنّها بلغت حدود المستحيل في بعض المراحل، وقد استمرّ ترشّحي لعضوية اتحاد الكتّاب البلغار قرابة 18 عاماً، كان عليّ أن أثبت حضوري الأدبي مجدّداً بعد المرحلة الانتقالية بعيداً عن النظرة السياسية السابقة الداعمة ضمنياً للقضية الفلسطينية وقضايا العالم العربي. التوجّهات الليبرالية والديمقراطية الحديثة في بلغاريا أخذت بالاعتبار نوعية الأدب الذي أقدّمه، وأعتقد بأنّي قد نجحت وأصبحت جزءاً من المجتمع المثقّف، ولديّ قرّائي الذين يتابعون أعمالي خلال حفلات التوقيع، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي التي باتت منبراً واسعاً لا يستهان به. الجوائز وشهادات التقدير التي حصلت عليها أكبر دليل وشاهد على ذلك.   
 
*هل تعتبر نفسك كاتباً بلغارياً باعتبار أنك تكتب باللغة البلغارية؟

**نعم أنا كاتب بلغاري بامتياز. هذا بالطبع لا يلغي السمة العربية التي أتمتّع بها، فأنا لم أتخلّ يوماً عن حضوري الأدبي في المحافل الأدبية العربية، وقد صدرت لي ثلاث روايات بالعربية، رواية "أرواح لا تنام" عن دار البيروني – عمان، رواية "انعتاق" التي فازت بإحدى جوائز الألوكة السعودية، ورواية "حدائق البندق" الصادرة عن دار الدراويش – بلوفديف. كما صدرت لي مجموعة قصصية بعنوان "غواية منتصف العمر" عن دار أزمنة – عمان، ومسرحية "دعني أعش، دعني أمت" عن دار نون المصرية والتي نشرت في المجلّد الأول للمسرح العربي المعاصر، وغيرها من الأعمال.
بصفتي كاتب بلغاري، فقد تلقيت دعوات إقامة لممارسة العمل الإبداعي في إيطاليا والسويد وألمانيا، وترجمت بعض أعمالي من البلغارية للإنجليزية والأوكرانية والإسبانية، وقريباً سيصدر لي ديوان مستقل مترجم للغة المقدونية عن اللغة البلغارية. لذا فأنا أعتبر نفسي بكلّ جدارة كاتب بلغاري.

*عندما تترجم عملاً للبلغارية ماهي المعايير التي تلجأ إليها. هل هناك سياسة ترجمة، أم أن الأمر يخضع لذائقة شخصية؟

**هناك عدّة عوامل تؤخذ بالاعتبار حين أختار عملاً ما لنقله للبلغارية. بداية يجب أن يتمتّع العمل ببعد إنساني عالمي وغير غارق في المحلية التي تحجب الإبداع الكامن للعمل، لضرورة توضيح الكثير من المصطلحات والمسمّيات، وهذا يليق بالدراسات التاريخية والعلمية والفلسفية بعيدًا عن عالم الأدب. الذائقة الشخصية بالطبع عامل مهمّ لدى أيّ مترجم. أعتقد أنّ في أعماق المترجم الجيّد يكمن أديبٌ ما، لذا يمكن الثقة بذائقته وقدرته على انتقاء الأعمال الجيّدة. يحدث أن تلعب عوامل أخرى أدواراً معينة باختيار بعض الأعمال، يصعب أن تجد رواجًا في اللغات الأجنبية، وهذا مفهوم ومنطقي لاعتبارات شخصية أو مادية، لكن يجب توخّي الحذر في هذه الحالات وتجنّب تكرارها. 

*كيف تتعاطى الجالية العربية في بلغاريا مع ترجماتك من الأدب العربي؟

**الجالية العربية وللأسف غارقة في همّها الوجودي، وتعاني من كثير من الاعتبارات والتجاذبات والتحالفات وتفضّل أطراً محدّدة لا تسمح للكثير من أبنائها بالانطلاق. التفاعل العربي مع النشاطات الكثيرة التي أقوم بها محدودة للغاية، مقابل حضور كبير من الطرف البلغاري، وأحياناً من أبناء الجاليات الأجنبية الأخرى. أعتقد كذلك أنّ معظم الجاليات العربية لا تعتبر القراءة ضرورة فكرية وحياتية، وأتمنّى ألا أكون قد تسرّعت أو أجحفت بحقّها، ولكنها الحقيقة، ونادراً ما أشاهد أبناء هذه الجاليات يحضرون الفعاليات الثقافية التي أقيمها في العاصمة صوفيا، وغيرها من المدن.  

*هل تعتقد أن الجوائز الأدبية مهمة في مسيرة الكاتب والمترجم على حد سواء؟

**لا يجب أن يتحوّل موضوع الجوائز الأدبية ونيلها بصورة عامّة هاجساً لدى الكاتب أو المترجم. هي على أيّة حال تحصيل حاصل للأعمال الأدبية المتميّزة. وأعتقد أن المجتمع البلغاري ومؤسّساته الثقافية من نوادي واتحادات ووزارات على قدر من المسؤولية، وعلى الرغم من العوامل الثانوية والشخصية، بل والسياسية أحياناً، يحصل الكتّاب المتميزون على الجوائز، التي تسلّط الأضواء على الكاتب والمترجم، وتمنحه مزيداً من الثقة والاعتداد بالنفس للاستمرار بنشاطه المعهود، وشقٌ الطريق سط حمأة ووطأة الكمّ الهائل من المعلومات التي تحاصرنا يومياً عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي "اليوتيوب، الفيسبوك، التويتر، الأنستغرام" وغيرها.

*على أي أساس قمت باختيارات انطولوجيا الشعر البلغاري المعاصر؟

**الإجابة هي جزء من السؤال ذاته، فقد جاء التركيز في هذه الانطولوجيا على الشعر المعاصر، باختيار حفنة من الشعراء القادرين على التأثير، من حملة الأفكار والتوجهات الحداثية. أعتقد بأنّ التواصل ما بينهم وبين الأوساط الثقافية العربية في العديد من الدول كما حدث لاحقاً، ترك أثراً جيّداً في محاولة لفهم طريقة الفكر الأوروبية الحديثة في صورتها الإقليمية المقروءة في شبه جزيرة البلقان، وبلغاريا نموذج وصورة للشعر في هذه المنطقة. حاولت جاهداً أن يكون الاختيار دقيقاً ليشمل نماذج شعرية من الجنسين، ومن أعمار مختلفة، ولشعراء ذوي توجّهات سياسية متباينة. وقد تبع الانطولوجيا الأولى "الرياح بعثرت كلّ كلماتي"، مجموعات شعرية مترجمة أخرى خلال العام الماضي، "شعر بمذاق البحر الأسود"، ويشمل كوكبة من شعراء مدينة بورغاس صدر عن دار الدراويش في بلوفديف، بدعم من محافظة المدينة، ومجموعة "تمسح الوحدة قدميها" الصادرة عن دار صفصافة – القاهرة. تراكم الترجمات سيترك صورة شاملة وانطباعاً موضوعياً عن الحركة الشعرية المعاصرة في بلغاريا، وقد أبدأ لاحقاً بترجمة الشعر الكلاسيكي القديم.     

*هل تعتقد أن روايتك البلغارية – العربية تحمل نوعاً من ازدواجية ثقافية لم يكن ممكناً تجاوزها بسهولة حين صدورها باللغتين تباعاً؟

**أعتقد أنّ معظم أعمالي الروائية بعيدة نسبياً عن الطابع المحلي أو الإقليمي، وتأخذ طابعاً عالمياً ذا ثقافة مزدوجة. رواية (حدائق البندق) التي أتوقّع صدورها باللغة البلغارية أيضاً، تبدأ أحداثها في بروكسل ثمّ عمّان والبتراء والزرقاء والموصل لتنتهي في صحراء. لا يمكن للأدباء الذين عاصروا تفاصيل الحياة الغربية والشرقية الهرب أو الانزواء في ركن المحلية أو الثقافة ذات البعد الواحد، وهذا ملاحظ جيّداً في أعمال كبار الكتاب الذين مارسوا الحياة بين حضارتين: أمين معلوف، جبران خليل جبران كمثالين، وغيرهما كثرٌ. 

*هل تعتقد أن الحوار العربي – البلغاري مازال ممكناً مع الصعود القوي للأحزاب القومية واليمينية في بلغاريا ومعظم دول أوروبا الشرقية؟

**تبيّن بأنّ الخطاب القومجي للأحزاب اليمينية ذات الرؤية المحافظة في بلغاريا يأخذ طابعاً سياسياً حذراً، وهي (الأحزاب) تبدي الكثير من التباين في ممارساتها خوفًا من فقدان شعبيتها، وقد تراجعت بالفعل مؤخرًا بصورة كبيرة، وحسب وكالات استطلاع الآراء، فإنّها وبالكاد ستتمكن من نيل 4% من أصوات الناخبين إذا لم ينفرط عقد الاتحاد القومي قبل ذلك. التراجع الذي تشهده هذه الأحزاب يعود لكثرة النزاعات ما بينها، وبسبب الفساد والتورط في فضائح أخلاقية ومالية وإدارية متتالية. عدا عن ذلك، وبعيداً عن الشعبوية السياسية والتحريض الذي تمارسه وسائل الإعلام، أعتقد أنّ الحوار العربي – البلغاري ما يزال ممكناً، بل هو قائم حالياً، وأكبر دليل على ذلك الزيارات المتبادلة ما بين قادة الدول العربية ورئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف والرئيس رومن راديف، وهما قد قاما بسلسلة كبيرة من الزيارات طالت، قطر ومصر والأردن والمغرب وغيرها من الدول العربية، كما ارتفع عديد السفارات العربية، وبالأخص الخليجية منها في العاصمة صوفيا، بانتظار تحسّن مستوى التبادل التجاري والاستثمارات بين الطرفين. وتبقى السياسة في نهاية المطاف فنّ الممكن، أمّا الثقافة فهي الجسر الموازي الداعم، وهذا دورنا في مجال ترجمة الثقافة والأدب من وإلى العربية والبلغارية.  

*مدينة بلوفديف عاصمة للثقافة الأوروبية 2019. ما الذي ستجنيه الثقافة البلغارية برأيك من هذه الاحتفالية التي تستمر على مدى عام كامل؟

**بلغاريا تعتمد سياسة أوروبية موضوعية برغماتية للغاية، قادرة على تحقيق الاندماج في المؤسسات الأوروبية والاستفادة من الفرص الاستراتيجية المتاحة على الصعيد الدولي، وكان أن فازت مدينة بلوفديف الأثرية بهذا السبق، وستشهد المدينة مئات الفعاليات الأدبية والفنية والموسيقية، إضافة للنشاط السياحي الكبير للمشاركة وحضور الاحتفالات والنشاطات المعنية. لذا فإنّ هذه المدينة ستتمكن من التعريف بتاريخها وحضورها الحضاري طوال العام، إضافة لجني الكثير من الدخل المالي، والترويج للثقافة البلغارية ضمن المنظومة الأوروبية وخارجها. لذا فإنّ هذا العام سيكون مائزاً لأهل المدينة المعروفة بعطائها وثرائها الحضاري والثقافي. وسيصبّ في نهاية المطاف في مصلحة الثقافة البلغارية بصورة عامّة.