ماذا يبقى من "المدينة الذكية" حين تفقد مهرجانين سينمائيين في وقت واحد؟

  طنجة

عزالدين الوافي - دفاتر غوتنبرغ
تحيل قصيدة ت. س. إليوت (الأرض الخراب) إلى ما يشبه القحط الوجداني الذي يخلو من المشاعر والأحاسيس، وهي –القصيدة-بمثابة معادل موضوعي، لمدن محنطة من شدة الإسمنت، وطغيان الرأسمال المصلحي على الرأسمال القيمي والجمالي.

مدن وصفها الصديق الناقد السينمائي المخضرم مصطفى العلواني ب " أرخبيل الموت"، حيث البشر، والمواصلات، والضجيج، والفراغ الروحي، المدينة معها، كوعاء للتعايش، والإنتاج المجتمعي، والفكري، والحضاري، لا تستقيم بقدر ناطحات سحابها وبعدد سكانها ومتسوليها، وبامتداد مساحاتها براً وبحراً، ولكن بمدى حميميتها واحتضانها لساكنيها، وتحفيز مواطنيها على العمل والنظافة الفكرية والبيئية.

لا تستقيم المدن فقط بسياسييها ومهندسيها، ولكن أيضا بحراكها الحيّْ في مجالات الخلق والإبداع، لتبرز تعلقها بما هو راقٍ وأصيل. الديبلوماسية الثقافية واجهة من واجهات الفعل المجتمعي والحضاري والتنمية الثقافية اليوم، وأكثر من أي وقت مضى باتت تشكل خطاً موازياً للصناعات الإبداعية التي تروّج لصور المدن، ولتاريخها، وتدر دخلاً سياحياً واقتصادياً، غير أن هاجس المدن اليوم - والعربية على وجه الخصوص - بالرغم من وجود وتداول مصطلح سمين وفارغ، وهو سياسة المدينة، أو المدينة الذكية، لا يمكننا أن نتحدث عن ذلك من خلالها طالما أن الاندماج الثقافي، والخدمة الجمالية ليستا من أولويات القائمين على هذا الشأن، ولا يمكن أن تكون المدينة ضاجَّة ونابضة بالحياة حين تفرغ من الرسامين، والتشكيليين، والمسرحيين، والشعراء، والسينمائيين.

خلال الأشهر القليلة الماضية تم تأجيل مجموعة من المهرجانات السينمائية في المغرب، أو إلغائها تماماً من أجندة المشهد السينمائي المغربي، وإذا كنا نتبجح بالمقارنات مع مدن فرنسية وإسبانية في مجالات أخرى، فهناك –تقريباً-في كل قرية مهرجان.

صحيح أن سياسية اليمين –اليوم-في أوروبا تسير باتجاه قتل، وسدّ الطريق أمام الثقافة، لكننا اليوم نحن بحاجة للحراك الثقافي والسينمائي أكثر من أي وقت مضى، وهذا الحراك المأمول به، هو ما يمكن أن يكون في صلب التربية القيمية على المواطنة، وحقوق الإنسان، والتحليل القيمي والنقدي. ماذا تربح مدينة كطنجة مثلاً حين تفقد مهرجانين سينمائيين، أحدهما روائي، والآخر وثائقي؟ إنها تنضاف فقط للائحة تلك المدن البائسة التي ينشغل بال الساهرين فيها على الالهاء بالمعارك السياسية، والترويج للترفيه، وللوَلَه بالرياضات الشعبية، والخطابات التي تخدم جانباً أحادياً يعتمد على المبيت، والأكل، والنقل، والشغل.

كل تظاهرة ثقافية أو فنية تفقدها المدينة، فإنها تفقد في نفس الوقت شرايينها الممتدة في الراهن، وفي التاريخ، وبالتالي تفسح المجال للسفسطائيين، والقوَّالين، وبائعي الأحلام الرخيصة، والمشعوذين، والدَّجالين، للترويج لخطاب الكراهية والعنف.