97 عاماً على ولادة بازوليني: الجريمة الإيطالية الكاملة

  بازوليني

خاص – دفاتر غوتنبرغ
مرَّت 97 سنة على ولادة الشاعر، والمسرحي، والمخرج السينمائي، والمنظّر الإيطالي الكبير بيير باولو بازوليني. مع مرور الزمن بدا واضحاً أنه سيبقى مبدعاً خالداً في تاريخ السينما لروائع مثل (ماما روما – ميديا – أوديب ملكاً – ديكاميرون – الإنجيل بحسب متّى – ثيوريما) وسواها من العلامات الفيلمية المتفردة.


ولد بيير باولو بازوليني في 5 آذار سنة 1922في مدينة بولونيا شمالي إيطاليا. أبوه كان ضابطاً عسكرياً من أصول أرستقراطية وعضواً في الحزب الفاشي، لكن بازوليني الابن كان قريباً من أمه على الدوام، وهي فلاحة بسيطة، وكانت مؤمنة تماما بأنها تنتمي للطبقة الدنيا في المجتمع.

في أفلامه غالباً سعى بازوليني، لأن تدور الأحداث، وتنمو وتتطور في الدوائر البروليتارية، وكثيراً ما استخدم وجوهاً عادية من الشوارع بوصفها "أيقونات لمرة واحدة"، وهذا ينطبق أيضاً على شركائه جنسياً، فقد كان يفضلهم من الفتيان العاديين غير المتعلمين.

عُرف عن بيير باولو بازوليني إنه كان يولي اهتماماً كبيراً بثلاث شخصيات: يسوع المسيح، كارل ماركس وسيغموند فرويد.
حظي بازوليني بالشهرة حتى من قبل أن يصور أفلامه. وليس مصادفة –بحسب اعترافاته-أن الشعر كان عشقه الأول، ويمكن اعتباره بحق حتى يومنا هذا واحداً من كبار شعراء إيطاليا في العصر الحديث.

نشأ في عائلة كاثوليكية، لكنه عُرف عنه إلحاده وماركسيته وشيوعيته، في وقت مبكر جداً من شبابه، ونشر سنة 1942 أثناء دراسته في جامعة بولونيا أول كتاب شعري له بعنوان (قصائد من كازارزا)، وبعد سنة تم تجنيده ليخدم في الجيش في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وبعد الإعلان عن استسلام إيطاليا ألقي القبض عليه من قبل الألمان، ولكنه تمكن من الهرب والاختباء في بلدة كازارزا الصغيرة لعدة سنوات.

بالرغم من نجاحاته الإبداعية المبهرة فقد ظل وحيداً طوال حياته. طارده اليمين الحاكم بسبب آرائه ومعتقداته اليسارية، كما طرده الحزب الشيوعي من صفوفه بسبب فضيحة مثلية، وظلت الكنيسة تعتبره مجدّفاً وخطّاءً.

اتُهم بازوليني في مناسبات عدّة ب "خدش الحياء العام، والاعتداء على القاصرين، لكنه تمكن من تبرئة نفسه من التهمة الثانية، وظلت التهمة الأولى عالقة مدة سنتين قبل أن يبرئ نفسه منها أيضاً. ولكن بسبب هذه الملاحقات القضائية تم الاجهاز على مستقبله كمعلم بشكل كامل، وكتب إلى أحد أصدقائه معلقاً في تلك الفترة:" مستقبلي ليس قاتماً فحسب، بل إنه غير موجود".

محاكمات النظام القضائي له بسبب "الفحش والكفر" أعاقت كثيراً مسيرته كمخرج سينمائي، وخلال عقدين من الزمن فقط اقتيد للمحكمة 33 مرّة، كما تم اخضاع 9 من أفلامه لرقابة مشددة تركت آثاراً خطيرة عليها، وبالرغم من الاتهامات التي كانت تلفق له –غالباً-كان يتمكن من تبرئة نفسه.

حظيت روايته الأولى (حياة قاسية) بشعبية أدبية كبيرة، وكان يكتب سيناريوهات الأفلام أيضاً، وقد كتب 15 منها قبل أن يصبح مخرجاً، وقد أنجز سيناريو فيلم (ليالي كابيريا) لفيدريكو فيلليني في هذا السياق.
نجاحه السينمائي الأول جاء مع فيلم (أكاتوني) الذي أطلق عليه اسم (الدراما غير الواقعية).

الناقد السينمائي ج. ويمب كتب أنه يحاول منذ مدة طويلة معرفة الأسباب التي تجعل من أفلام بازوليني استثنائية إلى هذا الحد.  وبحسب استنتاجاته فإن سينما هذا المخرج الإيطالي تجنح للمعادل البصري أكثر من السردي، وأفلامه تتكون من حلقات قصيرة، معزولة عن بعضها ويمكن مقارنتها بالصور الفوتوغرافية والبديهيات الرياضية، ومن أجل الحصول على هذا التأثير، فإن بازوليني يلجأ إلى 3 مبادئ أساسية: 1-استخدام اللقطات العامة بغياب الأفعال غير المهمة. 2-الكاميرا الثابتة. 3-مشاركة الممثلين غير المحترفين.
    
لايمكن القول بالطبع إن بازوليني خلّف وراءه فيلموغرافيا واسعة. 26 عنواناً، بما في ذلك 12 فيلماً روائياً.
في وقت مبكر جاب بلداناً كثيرة في الشرق: إيران، اليمن، نيبال، سورية، فلسطين، اثيوبيا لجمع المواد الخاصة بمشروعه الطموح (ثلاثية الحياة) الذي يتكون من (ديكاميرون)1971 و (حكايات كارنتبري)1972 و (لون ألف ليلة وليلة)1974.

في هذه الأفلام الملونة والزاهية وغير الشخصية حاول بازوليني –على حد قوله-مقاومة التسييس المفرط، ونفعية الأحزاب اليسارية، والثقافة الشعبية وقال إن هدفه يمكن في خلق أفلام يمكن أن تشعر بالبدايات الطبيعية للجسد الإنساني، وهي الأفلام التي فقدت منذ زمن طويل بحسب رأيه.

بعد الانتهاء من ثلاثيته، تنّكر بازوليني لها، معلناً "إن الجنس الذي ظهر فيها لا وجود له في الحياة الواقعية – وأضاف-ليس هناك طريقة للخروج من هذا السجن الذي زُجَّ به الانسان، باستثناء الهروب الكامل من الواقع".
آخر فيلم لبازوليني (سالو – 120 يوماً في سودوم)، كابوسي، ولايمكن وصفه بالكلمات. خليط مرعب من الجنس، والفاشية الجامحة، والعنف الواقع على الجسد الآدمي.

من بين 15 جائزة دولية فازت بها أفلامه يمكن الوقوف على الجوائز التالية: جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا سنة 1964 عن فيلمه (الإنجيل بحسب متّى)، الدب الذهبي في مهرجان برلين سنة 1972 عن فيلمه (حكايات كارنتبري)، وجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كان سنة 1974 عن فيلمه (لون ألف ليلة وليلة).

قُتل بيير باولو بازوليني في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1975، وتم العثور على جثته مرمية على شاطئ أوستيا، وكان قد تعرض للضرب حتى الموت، وتم التمثيل بجثته حتى أنه لم يمكن التعرف إليها بسهولة.

اعتبرت جريمة مقتل بازوليني واحدة من أبشع الجرائم البالغة الخطورة في إيطاليا المعاصرة في عقد السبعينات من القرن الماضي، وبقدر ماأثارت من الحزن أثارت كذلك الكثير من الشماتة والخبث، ولم يتم الكشف عن الجاني، أو الجناة حتى يومنا هذا بالرغم من مطالبات المثقفين في القارة الأوروبية، وفيما هزّت ميتته المأساوية عموم إيطاليا، فقد ظل اليمين واليسار الايطاليين يستخدمونه كمصدر جذري لأفكارهم.

قال ألبرتو مورافيا حين سمع بخبر مقتله:" لقد خسرنا شاعراً لا يولد مثله سوى اثنين كل قرن". وقد غرقت وسائل الاعلام، وأوساط بعض المثقفين، لفترة طويلة في سجالات حامية، حول ما إذا كان بازوليني قد خطط بنفسه، لمثل هذه النهاية المفجعة، بعد أن وصل بمشروعه السينمائي، إلى حدوده القصوى المتطرفة كما أشيع.
قال عنه بيرناردو بيرتولوتشي في وقت لاحق:" لقد كنت أراه في سنواته الأخيرة مثل آخر نبي عظيم، وكان نبياً لأنه كان يفهم تماماً، وبشكل مؤلم كل مايأتي، وسيأتي بما في ذلك في يومنا هذا الذي نعيشه".


اقتباسات:
*عندما أصنع فيلماً ليس ثمة رمزية. كما أنه ليس ثمة فيلتر بيني وبين الواقع كما هو الحال مع الأدب. السينما انفجار عشقي للواقع.
*أعتقد أن عمل فضيحة هو متعة، وأولئك الذين يعارضون الفضائح هم الأخلاقيون"
*لا أعتقد أن سيكون هناك شكل من أشكال المجتمع حين يصبح الناس أحراراً.
*كرة القدم هي الطقس المقدس الوحيد المتبقي في أيامنا.
*أنا لست مؤمناً، لكنني غير المؤمن الذي يحنّ للإيمان.
*الموت لايحدد الحياة.
*الحرية الجنسية اليوم بالنسبة لمعظم الناس هي مجرد واجب، واجب اجتماعي، قاعدة مشتركة، وليست ضرورة حقيقية.
*يقولون إن لدي ثلاثة أبطال: يسوع وماركس وفرويد. في الحقيقة لدي بطل واحد هو الواقع.
*الكنيسة قلب الدولة الذي لايرحم.
*أنا أحب الحياة بشكل متشائم، لأنها لاتستطيع أن تخلق لي شراً.
*بطبيعة الحال الوضع صعب لروسيا، ليس بسبب الأحكام التي تقوم بها، ولكن لأن الدولة فيها تغسل يديها بالايديولوجيا الرائعة لكارل ماركس، وزيادة البيروقراطية العسكرية، والشرطة الخ.
*الموت ضروري للغاية. طالما نحن أحياء ينقصنا المغزى من وجودنا الذي لايمكن ترجمته. الحياة يمكن التعبير عنها، والفضل في ذلك للموت.